في 12-11-2015، أقرّ المجلس النيابي اقتراح قانون يرمي إلى تحديد شروط استعادة الجنسية اللبنانية، وعملياً لتمكين المغتربين والمتحدّرين من أصل لبناني باستعادة الجنسية[1]. ومن المعلوم أن هذا الاقتراح قدمه النائبان آلان عون وإيلي كيروز بالنيابة عن الكتلتين المسيحيتين الأكثر تمثيلا وهما: التيار الوطني الحر والقوات اللبنانية. كما يجدر التذكير بأن تعهد الكتل الوازنة بإقراره شكّل شرطاً بالنسبة إلى هاتين الكتلتين للمشاركة في الهيئة العامة للمجلس النيابي المخصصة ل"تشريع الضرورة"، على خلفية فراغ منصب رئيس الجمهورية. فقد قدّمت القيادات المسيحيّة هذا القانون على أنه مطلبٌ ضروريٌّ للتخفيف من حدّة اللاتوازن الديمغرافيّ بين الطوائف وتاليا للمحافظة على مواقعهم في الدولة. وينبني هذا التوجّه على افتراض غير مثبت مفاده أن غالبية المتحدرين من مغتربين لبنانيين هم مسيحيون أو من أصول مسيحية. وإذ نجد هذا الخطاب جليّا في الإعلام، فإننا لا نجد أي إشارة إليه في الأسباب الموجبة للقانون. فقد اكتفى واضعا الاقتراح بتبريره بوجوب إيجاد آلية مبسطة لاستعادة الجنسية اللبنانية وذلك على خلفية "أن الاغتراب اللبناني ثروة لبنان الكبرى ويستحق اهتمام المسؤولين على كامل المستويات". وكأنما الحديث عن التوازنات الطائفية مبررة إعلاميا ولكن ليس في الوثائق الرسمية.

وتبعاً لذلك، وضع القانون آلية مبسطة لاستقبال الطلبات والتعامل معها ضمن مهل محددة. فالطلبات تحال من البعثات اللبنانية إلى الخارجية التي تحيلها إلى وزارة الداخلية ومنها إلى المديرية العامة للأمن العام التي تحقق فيها، كل ذلك ضمن مهل موجزة. ويناط القرار في نهاية المطاف بلجنة مصغرة مكونة من ثلاثة أشخاص أحدهم قاض.

ويستدعي هذا القانون الملاحظات الآتية:

1-التجنيس السياسي المفتوح:

أن استعادة الجنسية تتم عند إثبات الأصل اللبناني من دون أي التزام بالعودة إلى لبنان، بل من دون أي التزام لأي جهة كانت. وبذلك، يتميز هذا القانون عن قانون 31-1-1946 حيث كان بإمكان الأشخاص من أصل لبناني أن يستعيدوا جنسياتهم في حال عودتهم نهائيا إلى لبنان، وعلى أن تسحب منهم جنسياتهم في حال عادوا وتغيّبوا عن لبنان لمدة خمس سنوات. وتاليا، يكون التجنيس الحاصل تجنيساً سياسياً بمعنى أن الهدف منه ليس الاعتراف بالروابط القوية القائمة بين طالب الجنسية ولبنان، بل تحقيق مكاسب سياسية معينة، وتحديداً الايحاء بإمكانية التخفيف من حدّة التوازن الديمغرافي بين الطوائف من خلال تفعيله. وما يزيد الأمر قابليّة للإنتقاد هو أنّ نفاذ القانون لم يُحصر بمدّة معيّنة، فيكونللأشخاص المستفيدين منه، الأحياء منهم أو من يولدون لاحقاً، استعادة الجنسية على أساسه. وبمعزل عن المستفيد الأكبر من هذا القانون حالياً –وقد لا يكون هو نفسه في جميع الأزمنة- فمن المتوقّع أن يسبّب سباقاً تنافسياً بين الفرقاء السياسيين لزيادة أعداد اللبنانيين من طوائفهم. فنشهد حملات تجنيس "طائفي" في دول عدة، تشبه إلى حد ما حملات الوكالات اليهودية لاستقدام اليهود إلى فلسطين.  

وأخيراً، تجدر الإشارة إلى أن القادة السياسيين يتعاملون من خلال هذا القانون وكأنهم يتصورون عالم المغتربين على صورة المواطنين في لبنان، مقسماً إلى 18 طائفة ومن دون أن يكون بينهم أشخاص لا ينتمون إلى أي طائفة. ومن المرجّح أن يكون هذا التصور خاطئاً بنسبة عالية جداً. أقله، نأمل بذلك.
  
2-  الذكورية كغاية في حد ذاتها؟

من الطبيعي أن يولّد هذا القانون نقمة لدى الأشخاص المرتبطين عضويّا بلبنان من دون أن يوليهم ذلك أيّ حقّ بالجنسية كما هي حال المولودين من أم لبنانية والذين يحملون جنسية والدهم وبعضهم عديمو الجنسية. فهل يعقل مثلاً أن يعطى الجنسية شخص اغترب جدوده منذ أكثر من قرن وربما قبل نشوء لبنان وليس له أي ارتباط قوي بلبنان، فيما يحجب عنهم هذا الحقّ؟ وألا يمكن تشبيه وضعية هؤلاء بوضعية فلسطينيي الضفة والشتات الذين راقبوا وما يزالون يراقبون تدفّق ملايين اليهود إلى بلادهم ليتمتعوا فيها بجميع حقوق المواطنة، مع فارق واحد وهو أن اليهود الوافدين إلى فلسطين يقطنون فعليا فيها ويلتزمون بإقامة روابط مع هذا البلد، فيما أن مستعيدي الجنسية اللبنانية لا يلتزمون بشيء؟ وما يزيد قابلية الأمر للنقد، أمران إثنان:

-       أن هذا الاقتراح لم يستند إلى أي دراسة بالأرقام تثبت إدعاءات القيادات المسيحية، وذلك بخلاف المنهجية المعتمدة عند درس مطلب منح الجنسية لأبناء اللبنانيات. والمفارقة هنا هي أنه أعطي للأرقام التي بينت أن منح أبناء الللبنانيات الجنسية يؤدي إلى زيادة أكبر لأعداد المسلمين دورٌ حاسم في مسألة كان من المفترض حلها بشكل مبدئي (المساواة بين الجنسين في منح الجنسية لأولادهم)، فيما أعطي للمبدئية دورٌ حاسم في مسألة كان يُفترض أن تقرّرها الملاءمة الاجتماعية ليس إلا. فمنحنا المتحدّرين من أصول لبنانيّة حقّ استعادة الجنسية من دون أي دراسة جدية حول أعدادهم أو انتماءاتهم الطائفية في حال وجودها. فبدا تبعاً لذلك وكأن الدولة تحسب حيث الحساب غير أخلاقي، ولا تحسب حيث المسألة هي في أساسها مسألة ملاءمة وحساب.

-       أنه تبعاً لرفض منح أبناء اللبنانيّات الجنسيّة، برزت فكرة "السّلة"، بحيث يصبح ممكناً من الناحية السياسية تكريس المساواة بين الجنسين في حال إعتماد آليات تسمح للطوائف "المغبونة" أن تستعيد بعض التوازن المختلّ من خلال منح الجنسية لمنتمين إليها[2]. وعليه، وبدل التنكّر لحقوق أبناء اللبنانيّات الذي سيزيد أعداد المسلمين، يتمّ وضع قانون استعادة الجنسية للمتحدرين من أصل لبنانيّ على أساس أنه سيكون له مفعول معاكس بزيادة أعداد المسيحيين. أما وأن المشرع أقرّ قانون استعادة الجنسية من دون أيّ التفاتة لحقوق أبناء اللبنانيات، فذلك يعني عملياً أن المسألة لم تعد توازناً بين المبادئ والمصالح، بل هيمنة كاملة للمصالح ورسالة قمع وتهميش فاقعة لأصحاب الحقوق.

-       وأكثر من ذلك، وفي الاتجاه نفسه، من اللافت أن قانون استعادة الجنسية نفسه قد بني على التمييز بين الجنسين، بحيث تنحصر الإستفادة منه بالمتحدرين من ذكور ذات أصول لبنانية وحدهم. وبالفعل، تضمن القانون ثلاث إشارات إلى "الذكور" (أحد أصوله الذكور أو أقاربه الذكور) تمييزاً عن الإناث وإشارتين إلى "الأب" (من أبيه) تمييزاً عن الأم. وفيما بنت اللجنة الوزارية المكلفة موقفها من حق اللبنانيات بمنح جنسيتهن على اعتبارات التوازن الديمغرافيّ، فجاء تمسكها بالتمييز الذكوريّ ظرفياً وليس مبدئياً[3]، بدا أصحاب الاقتراح على خلاف ذلك تماماً وكأنهم يقاربون هذا التمييز كغاية بحدّ ذاته. والبرهان على ذلك هو أنه يعتقد أن يكون المتحدرون من لبنانيي الأصل الذكور من نفس الفئة الإجتماعية (من حيث الإنتماء الطائفي) للمتحدرين من لبنانيي الأصل الإناث. وانطلاقا من ذلك، وفي حال صحت توقعات القيادات المسيحية لجهة غلبة المسيحيين بين هؤلاء، فإن هذه التوقعات تصح بمعزل عن جنس أصولهم. وإنطلاقا من ذلك، لا يفهم اقتراحهم إلا على أنه تكريس للذكورية كغاية بحدّ ذاتها، وبمعزل عن مفاعيل تجاوزها.   
 
 
3-هل يسمح تأويل القانون بإخراجه من قمقم واضعيه؟
 
من البيّن أن واضعي القانون أرادوا حصره في قمقم غاياتهم وتوقعاتهم منه. ولدى مراجعة حرفية العبارات المستخدمة لتحديد الفئة المستفيدة منه، نتبيّن وجود هامش واسع للتّأويل، هامش من شأنه أن يفتح آفاقاً جديدة لهذا القانون، آفاقاً لم يتوقعها واضعوه. وهذا ما نتبينه مثلا في عبارة: "أحد أصوله الذكور لأبيه" أو "أقاربه الذكور لأبيه حتى الدرجة الرابعة" (مادة أ-1) أو أيضا "أحد أصوله الذكور" (مادة أ-2). فهل تشمل عبارة "أحد أصوله الذكور لأبيه" جده ووالد جده من جده لأبيه وجد جده من والد جده لجده لأبيه أم أنها تتسع لأصول آخرين بعضهم أصوله من إناث؟ فكيف نصف مثلاً وضع جدّ أبيه لأمه؟ وألسنا هنا أمام أحد أصوله الذكور لأبيه رغم أن هذا الأصل هو والد جدّته وليس والد جدّه؟ وألا يعني ذلك أن القانون فتح باباً لمنح الجنسية على أساس صلة الدمّ من إناث (الجدة أو والدة الجدّ) وليس فقط من ذكور؟ وأليس للقضاة حق تأويل القانون على هذا الوجه بمعزل عن مقاصد المشرّع، ليس فقط إعمالاً لحرفية النص ولكن أيضاً انتصاراً لمبدأ عدم التمييز؟ ثم، وتبعاً لمنح الجدة حقّ نقل الجنسية لأحفادها، ألا يصبح ممكناً حقّ تأويل قانون الجنسية في اتجاه منح الأم الحق نفسه عملا بالتأويل من باب أولىa fortiori ؟ وأليس من العبثي منح الفرد حق اكتساب الجنسية من خلال جدته وأن لا يكون له ذلك من خلال أمه؟ معركة تستحق المحاولة.       
 
نشر في العدد 33 من مجلة المفكرة القانونية


[1] (1) من كان مدرجاً هو أو أحد أصوله الذكور لأبيه أو أقاربه الذكور لأبيه حتى الدرجة الرابعة على سجلات الإحصاء التي أجريت بعد إعلان دولة لبنان الكبير أي سجلات 1921-1924 مقيمين ومهاجرين وسجل 1932 مهاجرين ... شرط ألا يكون المدرج إسمه على السجلات قد اختار صراحةً أو ضمناً تابعية إحدى الدول التي انفصلت عن السلطنة العثمانية و(2) من كان مدرجا هو أو أحد أصوله الذكور في سجلات المقيمين 1932 ... وأغفل فيما بعد  هو أو أحد فروعه تسجيل وقوعاته الشخصية.  
[2] سعدى علوه، تكليف اللجنة الوزارية بتفصيل "التقديمات" الخاصة للأبناء: مجلس الوزراء يوافق ضمنا على توصية العار بحرمان المرأة من حقها بمنح جنسيتها، الموقع الإلكتروني للمفكرة القانونية، 18 كانون الثاني 2013.
 
[3] نفس المرجع.