مع إنطلاق الحراك الشعبي في لبنان وإندلاع مواجهات بين المتظاهرين والقوى الأمنية، تم توقيف عدد من المتظاهرين على خلفية ارتكاب أعمال الشغب. وفي أيلول وتشرين الأول 2015، إدعى مفوض الحكومة لدى المحكمة العسكرية على ما يقارب 55شخصاً أمام المراجع القضائية المختصة في هذه المحكمة. أمام هذا الوضع، عاد الحديث عن عدم جواز محاكمة المدنيين أمام المحاكم العسكرية لمخالقته أبسط حقوق الدفاع ومبادئ المحاكمة العادلة[1]. واذ شكّل المحامون لجاناً للدفاع عن هؤلاء وسط إهتمام إعلاميّ فائق، برز في مقدمة خطاباتهم مبدأ "عدم جواز محاكمة المدنيين أمام المحاكم العسكرية" ومعه بوادر دفاع الرفض أو المواجهة "défense de rupture" والذي كان المحامي الفرنسي الراحل جاكفرجيس Vergès[2]عرف به بشكل خاصّ.   
 
ما هو دفاع الرفض؟

بخلاف الدفاع التقليدي أو ما أسماه فرجيس مرافعة التغاضي أو التواطؤ (défense de connivence)[3]، حيث يحصر المحامي دفاعه بحجج تقنية، وكأنه يتغاضى أو يتواطأ مع تركيبة النظام وشرعية المحكمة، يتجاوز دفاع الرفض المحاججة التقنية للخوض في جدل يحاكي الرأي العام من خلف منابر القضاء. تهدف مرافعة الرفض إذا إلى إستخدام المحاكمة لنزع شرعية قانون معين والتعبير عن رفض النظام بأجمعه.فيقوم المتهم بإستنكار وشجب النظام القضائي كجزء من عملية القمع التي يتعرض لها. وعمليّا، يطبّق المحامي هذه الإستراتيجية من خلال التشكيك بصحة النظام القانوني وصلاحية المحكمة للنظر في القضية، وذلك عملا بحجج ذات طابع سياسي وأيديولوجي وأخلاقي. فمرافعة الرفض تقضي بإعادة هيكلة المحاكمة من خلال إعطاء تفسير مغاير لعلاقة المتهم بالمحكمة، فيصبح المتهم هو من يتهم المحكمة، أقله لعدم صلاحيتها. وبفعل هذا النوع من المرافعة، تكتسي القضايا المعنيّة أهمية كبرى: فالمحامي لا يتوجّه إلى المحكمة والقضاة وحسب، وإنما للرأي العام من ورائه، فيدعوه للتفكير بأسئلة متصلة بالمعايير والمبادئ التي بني القانون عليها. وبذلك، تصبح هذه المرافعة مناسبةً للتشكيك بالفصل الظاهر بين القانون والسياسة (في معناها الأيديولوجي الواسع)[4]، والتفكير في الأبعاد الإجتماعية والسياسية لتطبيق قانون معين.

استخدم فرجيس دفاع الرفض في عدد من القضايا وأبرزها تلك المتعلقة بالدفاع عن مناضلين جزائريين خلال فترة الإستعمار الفرنسي. ولعل القضية الأكثر شهرة في هذا الإطار هي قضية جميلة بو حيرد المتهمة بتفجير مقهى في تموز 1957. وقد طلب فرجيس من موكلته عدم الإجابة على أسئلة القاضي، معتبراً أن الهدف من دفاعه ليس إقناع القضاة الناظرين في القضية، إنما تأمين أوسع انتشار لها في شتى أنحاء العالم[5]. حتى أن المتهمة عادت وأكدت على هويتها المناضلة، فقالت أمام المحكمة: "لا تعرفون أي شيء عني، ولكن إذا سنحت لي الفرصة أن أزرع قنبلة لن أتردد!". عندما صدر القرار بإعدام جميلة بو حيرد، إتجه فرجيس نحو الرأي العام والإعلام للضغط على السلطات الفرنسية. وبالفعل، أثار الحكم ردود فعل عديدة، فصدرت جرائد تحت مانشيت "جميلة بو حيرد... جان دارك الجزائر". وأمام هذا الضغط الشعبي، تراجعت السلطات الفرنسية عن قرار الإعدام، وتم إطلاق سراح بو حيرد عام  1962.

ينظر فرجيس إلى هذه الإستراتيجية الدفاعية على أنها الأكثر فعالية في القضايا التي لا تقبل أي نقاش جدّي،أي عندما تكون خلفية المتقاضي مرتكزةً على قيم ومبادئ متعارضة تماماً مع قيم ومبادئ المحكمة.[6]فمثلا، وبالعودة إلى المناضلين الجزائريين، استند الإدعاء (الذي يمثل المستعمر الفرنسي) على توصيف المتهمين بالإرهابيين، فيما إستند الدفاع على كونهم مقاومين. ويكتسب إذاً دفاع الرفض أهميته في حالات مشابهة، حيث تكون المحكمة ميّالة لتبني موقف السلطات الرسمي.  
 
بدايات خجولة لدفاع الرفض... ولو خارج قاعات المحكمة

أدت الأحداث الأخيرة إلى إعادة إحياء الخطاب المندّد لمحاكمة المدنيين أمام المحاكم العسكرية. فقد عبّرت لجنة المحامين المدافعين عن المتظاهرين عن رفضها لهذه المحاكمات، معتبرة أن "زيادة عدد المتظاهرين المدعى عليهم أمام المحكمة العسكرية في قضايا "معارضين للسلطة" شكل عامل قلق وأضاء على خطورة استمرارية هذه المحكمة الاستثنائية على صعيد حق المتظاهرين بالتمتع بمحاكمة عادلة"[7]. ولم يأت هذا البيان يتيماً، بل واكبته تصريحات إعلامية عديدة للمحامين برفض هذه المحاكمات[8]، صدر أغلبها في مقابلات من أمام مبنى المحكمة العسكرية. وقد تم التطرق إلى ذلك بشكل ممنهج في أعقاب التوقيفات الحاصلة تبعاً لمظاهرة 8 تشرين الأوّل.

وهذا المشهد يعكس بداية غير رسمية وغير معلنة لمرافعة الرفض وإن بقيت خارج إطار المحاكمة التي لم تبدأ بعد: محامون يظهرون أمام الإعلام، بالقرب من إعتصام الخيم الحاصل على بعد أمتار قليلة من قاعة المحكمة. والجدير بالذكر، أن مقابل هذا الخطاب المشابه لدفاع الرفض، ظهر، في مقلب آخر، خطاب مناقض تماماً ويصح تسميته: خطاب التواطؤ défense de connivence،  حيث ذهب أحد المحامين إلى إقناع أهالي الموقوفين بتوكيله عوضا عن محامي لجان الدفاع عن المتظاهرين، بحجة أن الخطاب التصادمي والنقدي لهؤلاء يتناسب مع مصالح الحراك وليس مع مصالح الموقوفين طالما أنه يؤدي إلى إطالة أمد توقيفهم.
 
محاكمة متظاهري الحراك: أي حظوظ لدفاع الرفض أمام المحكمة العسكرية؟  

يعتبر فرجيس أن إعتماد النظرية الكلاسيكية في الدفاع (أو دفاع التواطؤ) في القضايا التي تتسم بالمواجهة القصوى وحصر الدفاع بالمحاججة القانونية التقنية الهادئة يقلل من حظوظ الفوز في القضية. فأهمية مرافعات الرفض تكمن في ثلاثة عوامل. أولا، في تحويل القضية الشخصية إلى قضية شأن عام، حيث يعمد المحامي في سياق دفاع الرفض إلى جذب الرأي العام ومن خلفه الإعلام وبالتالي يصبح جزء كبير من عمله خارج قاعة المحكمة. وبذلك، عندما تكون المرافعة مفتوحة للجمهور. فهي حتما ستؤثر على موازين القوى وتعطي الفريق الأضعف إمكانية ومساحة أكبر لطرح أفكاره. وبعبارات فرجيس، "نحن نستخدم المحكمة بمثابة مكبر صوت للوصول إلى الجمهور."[9]ثانيا، تعطي هذه المرافعات مساحة للمتهمين للترويج لمواقفهم ودوافعهم. فمثلا، يمكن أن تشكل هذه المرافعات مناسبة لناشطي الحراك بالتعبير عن موقفهم المعارض للسلطة أمام القضاء، وذلك في ظل إغلاق المؤسسات السياسية أمامهم. فدفاع الرفض قد يوجد مساحات للفئات غير المرغوب فيها أو المهمشة داخل قاعة المحكمة في ظلّ نظام عامّ يسعى إلى تهميشها[10]. وكما عبّر عن ذلك كريستودوليديس في مقاله الشهير بشأن دفاع الرفض، فإن عدم إمكانية السلطات من إحتواء وإسكات الفئات المعارضة داخل المحاكم هو من المقومات الأساسية لهذه الإستراتيجية.[11] ثالثا، قد تشكل هذه المرافعة ظرفاً مناسباً لطرح تعريفات جديدة للمفاهيم التي تستند إليها السلطة التي تتمتع بحصرية إستعمال العنف إنطلاقا من إستئثارها بتفسير معاني الأمن والنظام العام.ومن هنا، فإن هذه المرافعات قد تساهم في ظروف معينة في إبراز تناقض هذه المفاهيم وإستنسابيتها، فتستخدم لزعزعة هذه المفاهيم وطرح تفسيرات مغايرة لها.  

وقد يقود الحديث عن مباشرة أشكال من دفاع الرفض في قضايا المتظاهرين إلى تطورات في ممارسة هذا الدفاع عند مثول المتهمين أمام المحكمة. فالعنصر الجرمي هنا قد يكون، بالنسبة للرأي العام، هامشياً مقارنة بأهمية مطالب الحراك والأخطاء المتراكمة المرتكبة من قبل السلطات العامة، وبالتالي قد تلقى هذه المرافعات بعداً وطنياً جامعاً. ضِف إلى ذلك أن عدد المتظاهرين المدعى عليهم أمام المحكمة العسكرية وصل إلى 53 شخصاً، مما يفتح مجالاً لتكرار مرافعة الرفض مرة بعد مرة. ويرتقب أن يؤدي ذلك بحده الأدنى إلى إطلاق نقاش وجدل ربما يشكل بوابة واسعة لإعادة النظر في صلاحيات المحكمة العسكرية.
 
نشر في العدد 33 من مجلة المفكرة القانونية


[1]ميريم مهنّاـ، بمَ ينتهك القضاء العسكري شروط المحاكمة العادلة في لبنان؟، المفكرة القانونية (حزيران/يونيو 2015).
[2]Vergès, J. (1968). De la stratégie judiciaire. 2nd ed. Paris: Éditions de Minuit, pp.83-115.
[3]Vergès, J. (1968). De la stratégie judiciaire. pp.29-83.
 
[4]Vergès, J. (1968). De la stratégie judiciaire. Op. cit. p.11

[5] راجع مقابلة مع جاك فرجيس، منشورة على موقوع  YouTube: "algerie algerienne - Jacques Verges Djamila Bouhired"

[6]Michelcollon.info, (2006). Jacques Vergès : "procès de rupture", droit international et USA - Investig’Action. [online] Available at: http://michelcollon.info/Jacques-Verges-034-proces-de.html?lang=fr [Accessed 9 Nov. 2015].

[7]المفكرة القانونية، بيان صادر عن لجنة المحامين للدفاع عن المتظاهرين، 27 تشرين الأوّل 2015.

[8] راجع: المفكرة القانونية، لماذا نرفض ان يحاكم المدنيون امام المحكمة العسكرية ؟ نشر في 12 تشرين الأول / أكتوبر 2015:

https://www.youtube.com/watch?v=-wEX2TWBJW0

[9]Michelcollon.info, (2006). Jacques Vergès : "procès de rupture", droit international et USA - Investig’Action. [online] Available at: http://michelcollon.info/Jacques-Verges-034-proces-de.html?lang=fr [Accessed 9 Nov. 2015].
[10]Bhandar, B. (2012). Strategies of Legal Rupture: The Politics of Judgement. Windsor Yearbook of Access to Justice, 30(2), p.68.
[11]Christodoulidis, E. (2008). Strategies of Rupture. Law Critique, 20(1), pp.3-26.