نشرت "المفكرة القانونية" في عددها رقم 32 تقريراً أولياً يبرز كيفية مقاربة السلطة لتظاهرات الحراك الشعبي التي انطلقت خلال شهر تموز من العام الجاري تنديدا بطريقة إدارة السلطة لملف النفايات. وقد أبرز التقرير كيف تمت معاقبة المتظاهرين لممارستهم الحق بالتظاهر خلال الفترة الممتدة من 28 تموز 2015 حتى 20 ايلول 2015 من خلال لجوء القوى الأمنية الى استخدام العنف المفرط بوجه المتظاهرين/ات والولوج الى حملة اعتقالات واسعة، كل ذلك دون محاسبة جدية للقوى الأمنية للتجاوزات التي ارتكبت . وخلال مظاهرة 8 تشرين الأوّل 2015، عادت السلطة واعتمدت العنف نهجاً لقمع التظاهر، وهو ما سنعرضه في هذا التقرير الثاني استنادا الى عملية التوثيق المستمرة التي تقوم بها "المفكرة القانونية" بالتعاون مع "لجنة المحامين للدفاع عن المتظاهرين".
 
مظاهرة 8 تشرين الاول 2015: عودة الى العنف وتنصل السلطة من المسؤولية

خلال مظاهرة 8 تشرين الأول 2015، عاودت قوى الأمن الداخلي  استعمال القوة المفرطة تجاه المتظاهرين/ات. فقد واظبت عناصر قوة مكافحة الشغب على رمي المتظاهرين/ات بالغاز المسيل للدموع ورشهم بالمياه طيلة خمس ساعات متواصلة. وقد وجهت خراطيم المياه والقنابل في اتجاه أجسام المتظاهرين وعلى امتداد التظاهرة وعلى مسافة مئات الأمتار من أماكن السياج، ومن دون أي إنذار مسبق ومن دون أن يكون هنالك في جميع الحالات أي ضرورة لذلك. وقد أتى كل ذلك رداً على  محاولة بعض المتظاهرين تجاوز الشريط الشائك بهدف الوصول الى ساحة مجلس النواب.
وفيما كانت السلطة قد تبنت في معرض تبريرها لقمع المظاهرات التي سبقت مظاهرة 8 تشرين الاول،مفهوم "الاندساس في مظاهرة سلمية"، وهو مفهوم لم يرد في أي من القوانين اللبنانية، عادت وتخلت عنه في إطار تبريرها للقمع الذي لجأت اليه في تظاهرة 8 تشرين الأول. فقد اعتبر رئيس شعبة العلاقات العامة في قوى الأمن الداخلي المقدم جوزيف مسلم خلال مؤتمر صحافي بتاريخ 10 تشرين الأول أن هذه المظاهرة "غير قانونية" بسبب غياب علم وخبر مسبق. كما نفى لجوء القوة الامنية إلى استعمال العنف المفرط ضد المتظاهرين/ات واعتبر أن اتهامهم بذلك يندرج في اطار "الكليشهات"، وذلك رغم توثيق وسائل الاعلام لهذا العنف. لا بل صرح أن عدد إصابات القوة الأمنية وصل الى 37 معتبرا أنه تخطى عدد الجرحى من المتظاهرين/ات، غير ان ارقام الصليب الأحمر اللبناني تشير الى اسعاف 105 شخصاً، من بينهم 11 مدنياً وخمسة عناصر من قوى الأمن تم نقلهم الى المستشفيات لتلقي العلاج. وأشار في هذا السياق الى أن العنف حصل كخطأ فردي من قبل عدد قليل من عناصر مكافحة الشغب، ولم يأت نتيجة سياسة ممنهجة لدى القوى الأمنية، وهو الخطاب المعتاد لتبرئة المؤسسة الأمنية من أي خطأ مؤسساتي مرتبط بسوء معاملتها للمدنيين.  
 
اعتقالات جماعية عشوائية

تم توقيف 50 متظاهراً في مساء 8 تشرين الأول 2015 من بينهم 4 قاصرين و5 نساء، فارتفع عدد التوقيفات منذ بدء الحراك في شهر تموز الى 250 متظاهر ومتظاهرة. وقد برر العقيد مسلم في مؤتمره الصحفي حملة الاعتقالات بالشتم والقدح والذم الذي تعرضت له القوة الأمنية و"التحقير بالحركات" بالإضافة الى الايذاء عبر رمي الحجارة واجتياز السياج الشائك.

وقد حصلت التوقيفات على عدة مراحل ترافقت مع استخدام قوى مكافحة الشغب العنف وسوء المعاملة خلال لحظة الاعتقال. في المرحلة أولى، تم توقيف أكثر من ستة متظاهرين بعد نصف ساعة على بدء المظاهرة من بينهم قاصر. أما موجة الاعتقالات الكبرى فحصلت عند نهاية المظاهرة، أي حوالي الساعة الحادية عشرة ليلاً حين هجمت قوى مكافحة الشغب على المتظاهرين وأوقفتهم بشكل عشوائي. كذلك، تمّ توقيف عدد من المتظاهرين/ات خارج ساحة المظاهرة، حيث تم توقيف اثنين كانوا في سيارة، وآخر كان يوقف سيارة أجرة في مكان قرب تقاطع الجميزة وآخر من طوارئ المستشفى حيث كان يتلقى العلاج نتيجة الضرب الذي تعرض له خلال المظاهرة. كما تم توقيف احدى المتظاهرات خلال مغادرتها المظاهرة وذلك بعدما ردّت شتم عسكري لها بشتم مماثل.

وقد اعتمد القضاء العسكري التدرج في الإفراج عن الموقوفين وأبقى عدداً من الشبان والشابات موقوفين رغم انتهاء التحقيقات معهم ورغم خلو ملفاتهم من أي دليل على ارتكاب أي فعل مخالف للقانون من باب التهويل والمعاقبة بشكل يستبق المحاكمة. ففيما تم الإفراج تدريجياً عن 40 متظاهراً ومتظاهرة من المخافر خلال الأربعة أيام الأولى للتوقيف، أصدر مفوض الحكومة لدى القضاء العسكري إشارات بتوقيف 10 متظاهرين وأحالهم أمام قاضي التحقيق العسكري. وبعد استجوابهم، قام قاضي التحقيق العسكري الأول بترك خمسة منهم في اليوم الرابع من التوقيف، وبإخلاء سبيل ثلاثة منهم في اليوم الثامن (بكفالة 100.000 ل.ل.)، في حين قامت محكمة التمييز العسكرية بإخلاء سبيل آخر موقوفين إثنين بعد 11 يوم التوقيف (بكفالة 500.000 ل.ل.). وقد قابلت موجة هذه الاعتقالات عدداً من الاعتصامات التي بدأت خلال ليل المظاهرة واستمرت لحين إخلاء سبيل جميع المتظاهرين أمام المخافر ووزارة الداخلية ومنزل المدعي العام التمييزي والمحكمة العسكرية.
 
ضرب لحق التظاهر وانتهاك المادة 47 من قانون اصول المحاكمات الجزائية

مخالفات عدة ارتكبتها القوى الامنية بحق المتظاهرين/ات خلال قمع المظاهرة ومنها الاعتداء بالضرب المبرح على المتظاهرين/ات والاعتقالات العشوائية التي طالت أفرادا متواجدين خارج ساحة المظاهرة. 

وقد وثق عدد من المتظاهرين العنف الذي تعرضوا له في تقارير طبية صادرة عن أطباء شرعيين. ولدى الإطلاع على خمسة من هذه التقارير، نتبين توثيق إصابات عديدة حصلت خلال تواجد المتظاهرين في ساحة المظاهرة من جراء قوة رش المياه وتصويب قنابل الغاز المسيلة للدموع على المتظاهرين مباشرة. وتؤكد التقارير وجود أكثر من اصابة في أكثر من مكان على الأجساد ككدمات رضية وأورام واحمرار على الوجه والظهر والأذرع والأرجل. وقد استوجبت هذه الإصابات تعطيلاً عن العمل لمدد تراوحت ما بين ثلاثة وعشرة أيام. كما وثق أحد التقارير كسر أنف أحد المتظاهرين الذين تم توقيفهم في المظاهرة مما يتطلب شهراً للشفاء وعملية جراحية ترميمية لتثبيت وتجليس الكسور. 

أما على صعيد التوقيفات، فقد ترافقت أول ساعات الاعتقال بتكتم تام عن أعداد الموقوفين وأسمائهم وأماكن احتجازهم، كما مُنع الموقوفون من التواصل مع عائلاتهم ومحاميهم. وقد نقل محامو لجنة الدفاع عن المتظاهرين أن القيمين على المخافر في بيروت عمدوا إلى نكران سوْق أي موقوف من المتظاهرين إليها ليتبين من ثم وجودهم في نظارات هذه المخافر. وهذا ما يشكل مخالفة جسيمة للمادة 47 من قانون أصول المحاكمات الجزائية التي تفرض السماح للمحتجزين بالاتصال بعائلاتهم او محاميهم فور احتجازهم وقبل اجراء أي تحقيق معهم. وقد أكدت الشهادات التي وثقتها "المفكرة القانونية" مع ثمانية ممن تم توقيفهم هذه المخالفة، حيث افاد الجميع عدم السماح لهم بالاتصال بأهلهم إلا بعد انتهاء التحقيق الذي لم يحصل بالنسبة إلى البعض إلا في اليوم التالي. وأشارت إحدى الموقوفات أن والدها أتى لزيارتها في المخفر، غير أن عناصر المخفر قالوا له أن ابنته ليست موجودة عندهم. ولم يسمح لمحامي اللجنة بمقابلة الموقوفين إلا في ساعات متقدمة في الليل أو في اليوم التالي.

وخلافا لما حصل في مظاهرات سابقة، لم يقم الجيش أو شعبة المعلومات بأي توقيفات. لكن سجل نقل عدد من الموقوفين الى مكان احتجاز خارج بيروت حيث احتجز 27 منهم في مخفر قصر العدل في جديدة في جل لبنان، في محاولة لمنع الاعتصامات امام أماكن الاحتجاز. لم يذكر أحد ممن وثقنا معهم تعرضه للضرب أو سوء المعاملة في مخافر الأمن الداخلي. إلا أن النساء اللواتي تم توقيفهن في مخفر البرج أكدنَ أن عناصر المخفر قاموا بالتهديد باستخدام القوة بحقهن بعد ان رفضن الدخول الى زنزانة ضيقة كانت تحتجز فيها 10 موقوفات أخريات. كما تأخّر وصول الدواء الى إحدى الموقوفات لحين السماح إلى أحد محامي اللجنة بزيارتهن، وقاموا بتكبيلها بالسرير طوال الليل بعد أن تبين أنها مصابة بعارض صحي لا يسمح لها بأن تبقى في مكان ضيق ومكتظ.
 
المتظاهرون المدنيون مجدداً امام القضاء العسكري

مجددا عاودت السلطة لجوءها إلى القضاء العسكري لملاحقة ومعاقبة المتظاهرين المدنيين. وبلغعدد المدعى عليهم في قضية مظاهرة 8 تشرين الأول 2015 ال30، منهم من تم توقيفه أو التحقيق معه في تاريخ لاحق ليوم المظاهرة. وبذلك، ارتفع عدد المدنيين المدعى عليهم أمام القضاء العسكري منذ بدء الحراك الى 54 متظاهراً ومتظاهرة. وفي 11/11/2015، أصدر قاضي الحقيق العسكري الأول رياض أبو غيدا قراره الظني في هذه القضية وأحال 15 متظاهراً للمحاكمة أمام المحكمة العسكرية. وفيما ظن بجميعهم بجرم تشكيل مجموعات شغب سندا للمادتين 346 و348 من قانون العقوبات، ظن بخمسة منهم فقط بجرم مقاومة قوى الامن بالعنف والشدة ورشقهم بالحجارة وتخريب ممتلكات الغير سندا للمواد 381 و733 من قانون العقوبات. وقد سجلت مخالفات عديدة في متن هذا القرار، أهمها تسطير مذكرات تحري بحق متظاهرين قد تم استجوابهم وتركهم أي أن هوياتهم معروفة، وتضمينه فقرة يتعرض بها الى المحامين لظهورهم في الاعلام في سابقة قضائية لم تحصل من قبل.
 
نشر في العدد 33 من مجلة المفكرة القانونية