تميز المشهد الإعلامي التونسي بعد الثورة بحركية هامة أدت لتطور المؤسسات الاعلامية كميّا. لكن هذا التطور لم يحسّن وضعية المؤسسات الاعلامية أو الإعلاميين. فظلّ الاعلاميون ضحايا لهشاشة العمل في بعض المؤسسات الاعلامية التي سقطت في يد المال السياسي الفاسد.
 
مؤسسات اعلامية تحت سطوة المال الفاسد

ينقسم الاعلام في تونس باعتماد معيار المشغل، الى إعلام عمومي ومؤسسات إعلامية خاصة. تمتلك الدولة مؤسسات الإعلام العمومي إلى جانب المؤسسات الاعلامية المصادرة بعد الثورة. ويشغل هذا القطاع أكثر من 1500 إعلامياً بين صحفيين وأعوان فنيين وإداريين وعمال، ويتم في هذا القطاع عادة احترام التشريعات العمالية ونظم التأجير القانونية. وتبرز في المقابل مؤسسات الاعلام الخاص بتعددها وتنوعها الا أنها تشغل فقط 250 إعلامياً. وتتميز مؤسسات الاعلام الخاصة في أغلبها بأنها مؤسسات عائلية أي أن رأسمالها يعود لشخص واحد بمعية أفراد أسرته وهي بمنظور اقتصادي من ذات حجم صغير أو متوسط يستفيد أصحابها من مداخيلها دون أن تتطور وضعية العمل بها.

هذا ويؤكد أصحاب العمل في الصحافة المكتوبة أنهم يواجهون عديد الصعوبات الاقتصادية وخاصة في مستوى الاشهار العمومي الذي يتم توزيعه دون معايير وضوابط واضحة بين الصحف. الى جانب مشكلة التوزيع، التي ما زالت الى يومنا هذا تعاني من سطوة "بارونات" يسيطرون على مسالكها وبأيديهم الحل والربط في مستقبل كل صحيفة.

وبخصوص المؤسسات الاعلامية السمعية المرئية (60 مؤسسة)، نلحظ نجاح رأس المال السياسي في السيطرة على أغلبها بشكل واضح. وتبرز في هذا الاطار قناة نسمة التلفزية كمثال بارز على استعمال المؤسسات الاعلامية في التسويق السياسي رغم أن التشريع التونسي يحجر ذلك. فمالك هذه القناة نبيل القروي يرتبط بحزب نداء تونس ويعدّ من ضمن قياداته. وكانت القناة لعبت دوراً هاما في الحملة الانتخابية للحزب المذكور وتحولت بعد نجاحه فيها الى قناة تتمتع برعاية السلطة السياسية التي تخصها دون غيرها من وسائل الاعلام باللقاءات الإعلامية الخاصة. وقد ذهب رئيس الجمهورية إلى حد منحها في 09-11-2015 حقّ التصوير الحصري لفاعليات تكريم الرباعي الراعي للحوار الوطني مع إقصاء الإعلام العمومي من هذا الدور. وقد ولّد هذا التوظيف الصادم ردود أفعال نددت بخرق رئاسة الجمهورية التونسية لمبادئ الشفافية والمنافسة الشريفة بين وسائل الاعلام الوطنية. ومن بين المعترضين على ذلك، الهيئة العليا المستقلة للاتصال السمعي والبصري ومؤسسة التلفزة الوطنية ونقابة الصحافيين والرابطة التونسية للدفاع عن حقوق الانسان ومؤسسات أخرى من المجتمع المدني.

وفي محاولة منها لتعديل المشهد الاعلامي وحماية المؤسسات الاعلامية، تستعد النقابة الوطنية للصحفيين التونسيين  الى بعث مرصد للأخلاق المهنية يرصد كل الاخلالات والتجاوزات التي تعمد اليها مؤسسات الصحافة المكتوبة في خطوة أولى للإعداد لبعث المجلس الوطني للصحافة المكتوبة والالكترونية. وقد انطلقت النقاشات حول هذا المجلس  منذ ثلاث سنوات بين النقابة وجامعة مديري الصحف والرابطة الوطنية لحقوق الانسان ومنظمة المادة 19، نظرا لأهمية هذا الهيكل والحاجة إليه في تونس خاصة وأنه ليس للصحافة المكتوبة والإلكترونية هيكلٌ يعنى بها. ومن المفترض أن يمتلك هذا المجلس  اذا ما تم النجاح في ارسائه سلطة معنوية غير ردعية، وأن يتحوّل إلى مرجعية في مسألة منح الإشهار العمومي وبالنسبة لهيئة الاعلام السمعي والبصري، يقول السيد هشام السنوسي أنها وضعت العديد من الاحتياطات في كراس الشروط منها حظر امتلاك أكثر من قناة تلفزية أو إذاعية لأصحاب الأعمال، وإلزام المؤسسات الإعلامية بتشغيل صحفيين محترفين خاصة في قسم الأخبار، وحظر إمتلاك القنوات الإذاعية والتلفزية على المنتمين للأحزاب السياسية.

ولضمان تحقيق هذه الشروط، تم انشاء مرصد مختص لمراقبة مدى التزام وسائل الاعلام بما ورد في كراس الشروط والاتفاقية المبرمة مع صاحب المؤسسة.

ويضيف السيد السنوسي قائلا: "حتى أكون صادقا، فان كل هذه الاجراءات لم تعط نتيجة نوعية الى حد الان باعتبار أن وسيلة الاعلام لا تبنى بين عشية وضحاها بما أن بعض أصحاب الأعمال في حد ذاتهم قد خلقوا ثروة ضمن أنظمة دكتاتورية غير ديمقراطية".

وما يميز المشهد الاعلامي من تنوع في مؤسساته وهشاشة في بنيتها يلقي بظلاله على الصحفيين الذين باتوا يشكلون شريحة مهنية هامة عدديا، إلا أنها تعاني من التهميش.
 
إعلاميون في وضعية هشة

تُنسب لمؤسسات الإعلام الخاص الإنتهاكات التي تؤثر سلبا في وضعية الاعلاميين والاعلام التونسي وتتمثل هذه الانتهاكات في:
 
عقود الشغل والتثبيت في العمل:

يعمد أصحاب العمل الى إبرام عقد عمل لا يحترم الضوابط القانونية التي تؤكدها مجلة الشغل والقوانين الأساسية والاتفاقية المشتركة للصحافة المكتوبة. وغالبا ما تصب هذه العقود في مصلحة المؤجّر وتتضمن أكثر ما يمكن من بنود تتحكم في الصحافي وتتقلص فيها الامتيازات.
من جهة ثانية فان القانون العام للشغل يضبط مدة ترسيم الصحافي (التثبيت في العمل) في أربع سنوات، ويمكن أن تكون منذ اليوم الاول من مباشرة العمل. وفي هذا الإطار، يذهب أغلب المؤجرين في القطاع الخاص الى عدم احترام هذه المدة بل يذهبون حد التحايل على احكامها وذلك بأن يتم ايقاف الصحافي عن العمل مدة قليلة قبل أن ينهي الاربع سنوات بهدف عدم ترسيمه أو تثبيته. ثم في مرحلة ثانية، يقوم مالك المؤسسة الصحفية بإبرام عقد عمل جديد، وهكذا يتهرب المؤجر من تثبيته في العمل.
 
أجور غير قانونية:

أما فيما يتعلق بتأجير الصحافيين، فإن مجلة الشغل تضبط أجور الصحافيين حسب مستواهم العلمي وحسب أقدميتهم في العمل. وما تم تسجيله في هذا الصدد هو عدم احترام المؤجرين في القطاع الخاص لما ضبطه القانون العام والاتفاقية المشتركة، من تحديد لأدنى الأجر المستحق.
وتؤكد النقابات المهنية للصحفيين أن أغلب المؤسسات الاعلامية في القطاع الخاص تمتّع صحافييها بأجور لا تتعدى الأجر الادنى المضمون والذي تم ضبطه بين الدولة والأطراف الاجتماعية (250 دينارا).
 
الضمان الاجتماعي والتغطية الصحية:

أما على مستوى الضمان الاجتماعي والحماية الاجتماعية والصحية للصحافيين، فإن غالبية مؤسسات القطاع الخاص في تونس تتهرب أيضا من التزاماتها في حماية أجرائها وصحافييها اجتماعيا، وخصوصاً لجهة تخصيص نسبة مئوية من الاجر الخام للصحافي لدى الصندوق الوطني للضمان الاجتماعي. ومن الطبيعي اذا تم حرمان الصحافي من الحماية الاجتماعية لدى الصندوق المذكور، فانه سيُحرم من الرعاية الصحية في المستشفيات العمومية ومن جرايته بعد التقاعد. وفي هذا الصدد، تم تسجيل عدة قضايا عدلية رفعها الصحافيون ضد مؤجريهم اثر خروجهم على التقاعد بعد أن اكتشفوا أن ادارات المؤسسات لم تقم خلال المسيرة المهنية للصحفي بصرف المستحقات المفروض عليها حسب القوانين لدى الصناديق الاجتماعية.

التسريح والطرد التعسفي:

يبقى الطرد التعسفي سيفاً مصلّتاً على رقاب الصحافيين وخاصة الصحافيين الشبان. فالمؤجر يعمد الى هذا الأسلوب لتسريح صحافيين بشكل تعسفي دون إحترام للتشريعات السارية  ودون إعلام الجهات الرسمية من وزارة الشؤون الاجتماعية وتفقدية الشغل، وهو إجراء ضبطته مجلة الشغل. وعادة يبرّر أصحاب العمل طرد الصحافيين بأن مؤسساتهم تمر بظروف اقتصادية صعبة تستوجب تسريح أو طرد عدد من الأعوان.

تفيدنا معطيات النقابات المهنية ومعطيات وزارة الشؤون الاجتماعية والادارة العامة لتفقدية الشغل بتونس أن ضحايا الطرد التعسفي من الصحفيين يبلغ سنويا أعداداً تتراوح بين 40 و100 صحافياً وفي سنة 2015 تمّ طرد أكثر من 50 صحافياً بشكل تعسفي ينتمي الجانب الأكبر منهم لمؤسسات القطاع الخاص بين السمعي والبصري والمكتوب والالكتروني.
 
الخلاصة:
تردي وضعية الاعلام التونسي ووضعية الاعلاميين التونسيين أثرت سلباً على جودة المادة الاعلامية المقدمة بعد ثورة 14 جانفي 2011 في تونس. وأدت هذه الوضعية بشكل يبدو متعمدا لوضع الاعلام التونسي في مربع ضيّق حتى لا يساهم في التنمية والتغطية على الفساد الاقتصادي من جهة؛ ومن جهة أخرى لا ينخرط الاعلام التونسي في البناء الديمقراطي وفي الدفاع عن حقوق الانسان.

وإزاء ذلك، أطلقت نقابة الصحفيين التونسيين في بداية شهر أكتوبر ولفترة ثلاثة أشهر كاملة، حملة بالتعاون مع الإتحاد الدولي للصحافيين هدفها التصدي للتشغيل الهش للصحفيين وإصلاح وضعية المؤسسات الإعلامية. وتتضمن هذه الحملة لقاءات وورشات عمل وشهادات مع من مسّهم الطرد من المؤسسات الاعلامية بكافة أنواعها ومن مختلف قطاعاتها، إلى جانب تنظيم لقاءات تثقيفية حول الحقوق المادية والمعنوية للصحافيين التونسيين والتي تكفلها القوانين المحلية.

كما أن هناك عديد الاصوات في الميدان تنادي بضرورة بعث مرصد لمراقبة المؤسسات التي تنتهك القوانين الشغلية وتصدر تقارير للتشهير بهذه المؤسسات ومقاومة التشغيل الهش فضلا عن الضغط على السلطات والدولة من أجل حرمان المؤسسات المتجاوزة للقوانين من الإشهار العمومي.

للإطلاع على النص مترجما الى اللغة الإنكليزية يمكنك الضغط هنا

نشر في العدد 3 من مجلة المفكرة القانونية في تونس