ثمة قيود اجتماعية متعددة تكبل حرية المرأة في ليبيا وتحجب عنها حقوقاً أو تمنعها من ممارسة حقوق مقررة لها. إلا أن الإنصاف يحتم علينا القول أن المرأة الليبية في ظل النظام السابق تمكنت من كسر العديد من القيود التي كانت تعرقل حركتها وتؤخر تقدمها وتسمح لها بالحفاظ على حقوقها.وقد تحصلت على قسط وافر من الاهتمام القانوني في منظومة التشريعات القانونية السابقة، بالمقارنة مع دول عربية عدة.

إصلاحات قانونية ودستورية في ظل حكم القذافي

التشريعات التي صدرت اتجهت نحو دعم حقوق المرأة وتعزيزها. وقد تمثّلت البداية بصدور القانون رقم 10 لسنة 1984 بشأن الزواج والطلاق وآثارهما والذي كان منصفا للمرأة بامتياز ومنحها كامل حقوقها المقررة شرعاً، وأضاف عليها امتيازات أخرى كحق الحاضنة في بيت الزوجية. والمميّز في هذا القانون ليس فقط تعرّضه لأغلب المسائل الشائكة المترتّبة على الزواج والطلاق، بل تضمينه نصاً يسمح بتطبيق مبادئ الشريعة الإسلامية الأكثر ملاءمة لروح القانون في حالة عدم وجود نص. وقد منح هذا النص القاضي فرصة للاجتهاد في اتجاه تعزيز حقوق المرأة.
وفي السنة التالية، صدر القانون رقم 16 لسنة 1985 بشأن المعاش الأساسي. وقد ألزم الدولة بكفالة الأرامل والمطلقات، وقرر للأرملة التي لا تجد
موردا كريما للعيش معاشا أساسيا يضمن لها حياة كريمة (المواد 7 إلى 12).

بالإضافة إلى ذلك، أكّد القانون رقم 12 لسنة 2010م المتعلق بالعمل على أن حق العمل واجب لكل المواطنين ذكوراً وإناثاً (المواد 2،24،25).كما أكد على ضرورة تشغيل النساء في الأعمال المناسبة لطبيعتهن وعدم جواز التمييز ضد المرأة، بل قرر تمييزاً إيجابياً لصالحهن بخصوص مدة إجازة الولادة مدفوعة الأجر بالكامل والتي حددت بثلاثة أشهر. فضلاً عن ذلك، أعلن القانون مبدأ مساواة المرأة والرجل في الأجر .

وليس سرا أن النظام السابق أراد توجيه رسائل سياسية للعالم من خلال هذه التشريعات وإظهار نفسه بشكل حضاري ومتمدن. والدليل على ذلك هو قيامه بانتهاك حقوق أخرى وتقييده للحريات العامة بالتوازي مع صدور هذه التشريعات. لكن النتيجة الرئيسية أن هناك تشريعات عديدة صدرت لحماية وتعزيز حقوق المرأة مهما كانت مبررات تبنيها من المشرع الليبي. وقد تُوّج هذا التوجه وبشكل لا يقبل مجالا للعودة إلى الوراء بتصديقه على اتفاقية القضاء على جميع أشكال التمييز ضد المرأة (سيداو) سنة 1989. وكان للتصديق على هذه الاتفاقية إنعكاس مباشر على تولي المرأة المناصب القضائية، فلم  تعد هذه المناصب حكرا على الرجال كما كان الأمر عليه في السابق[1].

وتأكيداً على هذا المسار، ومن باب تعزيزه وتحصينه، تم إصدار القانون الأساسي رقم 20 لعام 1991 الذي يعد بمثابة وثيقة دستورية في ذلك الوقت بغياب دستور في البلاد.وهدف القانون إلى تعزيز الحرية، وأحتوى على ثمانية وثلاثين مادة حرصت على المساواة بين الرجل والمرأة. فقد نصت المادة 1 منه على الآتي: " المواطنون في الجماهيرية العظمى – ذكورا أو إناثا – أحرار متساوون في الحقوق ولا يجوز المساس بحقوقهم". كما أكد في المادة (2)على حقوق المرأة في ممارسة السلطة وعلى أنه لا يجوز حرمانها من واجبها في الدفاع عن الوطن.وتجدر ألإشارة هنا إلى أن بعض النصوص الواردة في هذا القانون كانت حبرا على ورق خاصة المتعلقة بتوسيع هامش حرية التعبير والفكر والإبداع .

وإجمالا ركز هذا القانون الأساسي على تعزيز الحريات ودعم الحقوق المنوطة بالمرأة حتى تلك الواردة في التشريعات الأدنى. فأكدت المواد (25) إلى (28) على حق المرأة في الزواج برضاها ودون إجبار، وحقها في الحضانة وحظر حرمان الأم من أولادها. ولم يكتفِ القانون بذلك، فأعطى المرأة الحاضنة الحق في بيت الزوجية وهو أحد النصوص المميزة التي تضمن للمرأة بقاءها في منزل الزوجية حتى بعد انتهاء العلاقة الزوجية طالما كانت حاضنة. ولم يتجاهل القانون مسألة عمل المرأة فأكد عليه بوضوح واشترط أن يكون العمل مناسبا لها ومنع إجبارها على القيام بعمل لا يناسب طبيعتها.

ومن منطلق التأكيد على هذا المسار،جاءت معظم التشريعات اللاحقة في مجالات عدة (المجالات السياسية والوظيفية والاقتصادية والاجتماعية) ملتزمة بعدم التمييز وفق الجنس. وبتحليل دقيق لتوجّهات المشرع الليبي آنذاك وبعيدا عن الخلفيات السياسية، نجده استهدف أمرين أساسين:

الأول: دفع الظلم والتعسف الذي كانت تعاني منه المرأة الليبية لزمن طويل.
والثاني: التذرع بما سمي "الطبيعة البيولوجية للمرأة" وخاصة في مجال تحديد الواجبات لتهيئة الظروف الملائمة لها.

حقوق المرأة الليبية بعد الثورة

بعد بداية  ثورة 17 فبراير 2011ومشاركة المرأة الليبية فيها بفاعلية، تفاءلت مثل غيرها من الليبيين بإمكانية تحقيق شعاراتها الساعية لبناء دولة القانون والمؤسسات واحترام الحقوق والحريات العامة. ولكن بمجرد انتهاء النزاع المسلح ومقتل القذافي، أطلق مصطفى عبدالجليل رئيس السلطة الحاكمة[2]في ذلك الوقت عبارته الشهيرة ، في 23/10/2011، أن من حق الرجل شرعا الزواج بأكثر من امرأة، منتقداً تقييده في التشريع السابق في أوضاع محددة وواضحة.

وكان النظام السابق وضع شروطا معينة للقبول بتعدد الزوجات، وفق ما نص عليه الشرع الحكيم الذي اشترط العدالة لإباحته[3].وفي تأكيد قضائي لذلك الخطاب الرئاسي، قضت المحكمة العليا الليبية في عام 2013 م بعدم دستورية ذلك القانون المنظم لحق الرجل في الزواج الثاني على خلفية مخالفته للشريعة الإسلامية[4]. وهو ما ترجم أخيرا من قبل السلطة التشريعية في طرابلس"المؤتمر المنتهية ولايته" بإصداره تشريعاً جديداً ألغى فيه الشروط المنصوص عليها سابقا للترخيص بالتعدّد[5].

ولم يتوقف الأمر على تعدد الزوجات فقط، بل بدأ يظهر توجه مختلف من السلطة الجديدة في التعامل مع المرأة.وتمثل هذا الأمر في  المعالجة القانونية لأوضاع ما أسمتهم السلطة ((الثوار والمناضلين في سبيل الثورة بالدماء والأعراض والأموال)). فقدرت السلطة التشريعية هذه التضحيات بالتقدير، والتعويض، ورد الاعتبار متى كان المعني رجلا[6].وتم تجاهل الثائرات من النساء واللاتي تعرضن لإيذاء من نوع خاص إلا وهو الإيذاء الجنسي.وإذ عرضت السلطة التنفيذية مشروع قانون يعالج أوضاع المغتصبات والمعنفات أثناء حرب التحرير على السلطة التشريعية" المؤتمر الوطني العام"، أبدت هذه الأخيرة ميلاً واضحاً إلى إنكار تلك الانتهاكات، وتم بالنتيجة رفض هذا المشروع،على أساس أنه يتعارض مع القيم المجتمعية والدين القويم لليبيين الذي أمر بالتستر على مثل هذه الوقائع. كما علل بعض أعضاء السلطة التشريعية بأن القانون، في حال  قراره، سيفتح بابا تدخل منه بعض  المنحرفات للادعاء بأنه تم اغتصابهن بسبب مواقفهن من النظام السابق.وإزاء هذا الأمر،عادت الحكومة واعتمدت في 2014 المشروع في صورة قرار صادر عنها[7].

وفي الاتجاه ذاته نلمس الاتجاه السالب للمكتسبات القانونية للمرأة الليبية، من خلال القانون رقم 14 لسنة 2015 الصادر عن المؤتمر الوطني العام[8]، والذي قضى بتعديل المادة 14 من القانون رقم 10 لسنة 1984 وألغى شهادة المرأة على عقد الزواج بعد أن كان القانون المنظم لعقد الزواج والطلاق[9] ينص على صحة الزواج المشهود عليه من رجل وامرأتين.

كما أن حق المرأة في تولي القضاء بات معرضاً للخطر بعد أن رفعت دعاوى[10]للنظر في مدى دستورية[11] القانون المنظم له[12] وتحديداً في مدى دستورية تولي المرأة لمناصب قضائية. واذ يؤمل رد هذه الدعوى، فإن تأخر الفصل فيها حتى الآن رغم جاهزيتها منذ سنوات يثير الكثير من علامات الاستفهام.

وننتقل إلى الوثيقة الدستورية المرتقبة.فبعد المشاركة الفعالة للمرأة في العملية الانتخابية للهيئة التأسيسية لصياغة الدستور، عُقدت الآمال على دسترة الحقوق والحريات النسائية.ولكن المخرجات الأولية للهيئة التأسيسية الصادرة في ديسمبر2014 خيبت هذه الآمال.فقد اختارت لفظة ذات مدلول سلبي في المجتمع الليبي "العوانس" للإشارة إلى المرأة غير المتزوجة "العزباء". ثم جاءت مخرجات لجنة الاثني عشر، وهي لجنة صياغة المسودة النهائية للدستور، في أكتوبر 2015 ولم تكن بأفضل حال من سابقتها. فعلى الرغم من أن المادة 117 منها أشارت إلى أن النساء شقائق الرجال وألزمت الدولة برعاية المرأة والقضاء على الثقافة السلبية ضدها وتوفير الحماية لها من كل صور العنف وفرص العمل،إلا أنها بالمقابل تضمنت حالات تمييز عدة. فقد اشترطت أن الليبي هو من ولد لأب ليبي[13]مانعة المرأة من حقها في منح جنسيتها لأبنائها. كما لم تعتمد المسودة التمييز الإيجابي المسمى "الكوتة" في العمليات الانتخابية. ويُعد ذلك تراجعاً عن المكتسبات القانونية للمرأة في المجال السياسي والتي كرست بعد الثورة  من خلال القانون رقم 4 لسنة 2012 بشأن انتخاب المؤتمر الوطني العام، حيث فرضت المادة [14]15 منه المناصفة في لوائح الكيانات السياسية.

وختاما يتضح لنا أن أمام نساء ليبيا تحديات كبرى تهدد مكتسباتهن السابقة وتحد من الارتقاء بمكانتهن. ولمواجهة ذلك، يحتجن لتوحيد صفوفهن وخلق حملات لمناصرة قضاياهن، خاصة بما يتصل بصياغة مسودة للدستور التي لم تعرض على الاستفتاء بعد.
 
للإطلاع على النص مترجما الى اللغة الإنكليزية يمكنك/ي الضغط هنا 

نشر في العدد 3 من مجلة المفكرة القانونية تونس 
 


[1]صدر القانون رقم 8 لسنة 1989 بشأن تولي المرأة الوظائف القضائية.
[2]رئيس المجلس الوطني الانتقالي المؤقت وهي سلطة توافقية حكمت البلاد  في السنة الاولى للثورة .
[3](وَإِنْ خِفْتُم ألَّاُ تقْسِطُوا فِي الْيَتَامَى فَانْكِحُوا مَا طَابَ لَكُمْ مِنَ النِّسَاءِ مَثْنَى وَثُلَاثَ وَرُبَاعَ فَإِنْ خِفْتُمْ ألا تعدلوا فَواحِدَةً أومأ مَلَكَتْ أَيْمَانُكُم ذَلِك أَدْنَى أَلَّاتَعُولُوا ) النساء/2-3
[4](حكم المحكمة العليا الدائرة الدستورية طعن دستوري رقم 3لسنة 2013م " عدم دستوريةم 13 من القانون رقم 10 لسنة 84م المعدلة بالمادة الأولي من القانون رقم 9 لسنة 94م)
[5]القانون رقم 14 لسنة 2015 م بشأن تعديل بعض المواد من القانون رقم 10 لسنة 1984 بشأن الزواج والطلاق وأثارهما, بإلغاء المادة الثالثة عشر منه
[6]ذلك من خلال حزمة من التشريعات منها قانون رقم 4 لسنة 2013 في شأن تقرير بعض الأحكام المتعلقة بذوي الإعاقة المستديمة من مصابي حرب التحرير، قرار مجلس الوزراء رقم 85 لسنة 2012 بشأن رعاية وتكرم أسر الشهداء والمفقودين الصادر في 3/3/2012، القانون رقم 50 بشأن تعويض السجناء السياسيين الصادر في 11/6/2012.
[7]القرار رقم 119 لسنة 2014 بشأن معالجة أوضاع ضحايا العنف الجنسي, وحتى السلطة التشريعية الجديدة لم تتبناه ((مجلس النواب)).
[8]صدرفي 14 اكتوبر 2015 عن المؤتمرالوطنيالعام "المنتهية ولايته" بطرابلس.
[9]القانون رقم 10 لسنة 1984 , منشورفي الجريدة الرسمية س 22 ع 16 بتاريخ : 3 يونيو 1984 .
[10]الطعن الدستور يرقم10/60في 2012 , الطعن دستوري رقم14/60 بتاريخ 9/6/2013.
[11]بدعوى مخالفتها للمادة الاولى من التعديل الدستوري الصادر في 2011 والتي تجعل من الشريعة الإسلامية مصدراً رئيساً للتشريع
[12]القانون رقم 8 لسنة 1989 , الذي نص في مادته الأولى على أنه "حق للمرأة تولي وظائف القضاء والنيابة العامة وإدارة القضايا، بالشروط المقررة ذاتها بالنسبة للرجل"
[13]نص المادة 11 من مخرجات لجنة العمل ((لجنة الاثنا عشر)) للهيئة التأسيسية لصياغة الدستور
[14]نصت المادة المذكورة على ضرورة أن يتم ترتيب المرشحين في القوائم على أساس التناوب بين الذكور والإناث عمودياً وأفقياً ,ولا تقبل القوائم التي لا تحترم هذا المبدأ "