يُخصّص هذا العدد لعديمي الجنسية في المنطقة العربية[1]. ونظراً لحجم الإشكاليّات المطروحة، تعمّد محرّروه أن يحصروا مضمونه في التعريف عن هؤلاء والأسباب التي أدّت إلى حرمانهم من الجنسية، على أمل أن نتناول في فترة لاحقة مفاعيل الحرمان من الجنسيّة في دول هذه المنطقة على صعيد الحقوق. ومن أبرز الأسباب التي حدتْنا إلى إنجاز هذا العدد، الآتيّة:


1-   إرساء مقاربة جديدة في صوغ السياسات العامة في قضايا الجنسية وتقويمها:

تخضع مسائل الجنسيّة في دول المنطقة العربية عموماً لهيمنة المصالح السياسية أو الإقتصادية للجهات النافذة فيها. وعليه، تُحجب الجنسية عن أصحاب استحقاق إذا كان من شأن ذلك أن يزعزع معطيات ديمغرافية مؤثرة في تركيبة السلطة في هذه الدول. بل يُنظر في العديد منها إلى عديم الجنسية على أنه شخْصٌ خطرٌ على اعتبار أنّ لديه هدفاً مفترضاً باكتساب جنسية البلد الذي يعيش فيه. وبالطبع، غالباً ما يؤدّي وصم عديم الجنسية بالخطِر إلى وضع سياسات تمييزية ضده، بهدف تهجيره. وينطبق هذا الأمر على مجموعات عدة تعيش في هذه الدول سنتناول غالبيتها في هذا العدد، ولكن أيضاً على أفراد يستمدون مشروعية اكتساب الجنسية عن طريق أمهاتهم.

وبالطبع، تختلف الأمور كثيراً حين يُنظر إلى المسألة من منظار مغاير، وتحديداً من منظار عديمي الجنسية أنفسهم وما يعانون منه ومدى أحقيتهم في اكتساب جنسية الدول التي وُلدوا وأو نشأوا وكبروا فيها أو في استعادة دولتهم كما هي حال اللاجئين الفلسطينيين. ففي هذه الحالة، يظهر عديم الجنسية، ليس كخطر إنما كضحية منظومة سياسية قانونية معينة، وتظهر بالمقابل الدول المعنية بحرمانه من الجنسية هي المتّهمة أو المقصّرة في تعاملها معه. ويصبح اذ ذاك من الصعب وضع سيّاسة عامة أو إجراء أي موازنة تشريعية بين المصالح المختلفة في قضايا الجنسية من دون أخذ مصالح هؤلاء في الحسبان. ويُرجى تاليّاً أن يؤدي تعزيز التّخاطب في هذا الخصوص إلى نتائج مغايرة على صعيد استحقاق الجنسية بالنسبة إلى مجموعات وفئات عدة، أو على الأقلّ على صعيد الحقوق التي يتمتّع بها عديمو الجنسية في الدول التي يعيشون فيها أو يرتبطون بها أو سياسات التمييز التي يتعرّضون لها.  


2-   تعزيز مشاعر عديمي الجنسية بمشروعية مطالبهم باكتساب جنسية الدولة الأكثر اتصالا بهم:

عدا عن أن انعدام الجنسية يؤشّر بحدِّ ذاته إلى توفر عوامل تهميش كثيرة لدى المصابين به، فإن العمل الحقوقيّ أو البحثيّ قلّما يتناول هذه القضية رغم كبر حجمها. ولعلّ أحد أبرز الشواهد على هذا التجاهل هو غياب أيّ مفهوم جامع في المنطقة العربيّة لوصف الأشخاص عديمي أو فاقدي الجنسية، الأمر الذي يسمح بصياغة سياسات عامة بخصوصهم من دون أي التزام بالأبعاد الحقوقية المتصلة بهذا المفهوم.

ومن الأدلة أيضاً على التجاهل، هو نقص الأرقام الرسمية بشأن أعدادهم أو أيضاً تأبيد درس الملفات المتصلة بهم في بعض الدول كما هي حال فئة الأشخاص الموضوعين "قيد الدرس" في لبنان والذين يفترض أن الإدارة المعنية تعكف على درس جنسياتهم منذ عقود. ومن هذه الزاوية، يهدف هذا العدد إلى دعم الأشخاص من هذه الفئة في الفضاء العام بالدرجة الأولى، وتعزيز مشروعية مطالبهم باكتساب جنسية الدولة الأكثر اتصالاً بهم. هذا فضلا عن أن هذا العمل يُلقي الضوء على أعمال المنظمات الحقوقية الداعمة لهم والعاملة على قضاياهم، وفي طليعتها جمعية رواد-فرانتيرز وما طورته من آليات لمساعدتهم وتقويتهم إجتماعياً وقانونياً. ويؤمل أن يؤدي الإطلاع على هذه التجارب إلى تحفيز وتطوير العمل الحقوقي في هذا المجال. كما يهدف في بعض الأحيان إلى إعادة قراءة قوانين تم تطبيقها خطأً أو تأويلها على نحو يتعارض مع مصالح عديمي الجنسية.


3-   التنبيه للمخاطر الآيلة إلى حرمان أشخاص من الجنسية:

كما يُرجى أن يسهم تعزيز التخاطب في هذا الشأم في التّنبيه إلى المخاطر المتعاظمة في المنطقة بنشوء حالات جديدة من الحرمان من الجنسية تمهيداً لاستدراكها. ومن أكثر هذه الأمور إثارةً للقلق في الفترة الراهنة، عدم تسجيل عدد كبير من مواليد اللاجئين السوريين، الأمر الذي قد يحوّلهم إلى عديمي الجنسية. ولا ننسينّ طبعاً الظاهرة الخطيرة بسحب الجنسيات من مئات المعارضين الخليجيين. ومن النافل القول أن الدول المضيفة تخطئ في إهمال هذا الجانب، طالما أن من شأنه أن يؤدي إلى الإضرار بمصالحها وبزيادة أعداد عديمي الجنسية غير القادرين على إثبات إنتمائهم لدولة أخرى في أراضيها. وعليه، قد تصل الدولة بفعل تقاعسها أو سياساتها القاصرة في هذا المجال إلى إطالة أمد مكوثهم في أراضيها وربما إلى تأبيده.


4-   التحسيس إلى خطورة ظاهرة سحب الجنسية:

ومن الظواهر الطارئة التي يؤمل أن يساهم هذا العدد في الإضاءة إليها هي ظاهرة استخدام سلاح سحب الجنسية لقمع المعارضين السياسيين. وهذا ما سجّل منذ 2011 في عدد من الدول الخليجية، تم سحب الجنسية فيها بقرارات إدارية أو قضائية.


5-   منع التمييز ضد عديمي الجنسية:

هذه قد تكون إحدى أهم النتائج الملموسة على المدى القريب للعمل على عديمي الجنسية، وقوامها فضح حالات التمييز الحاصلة ضدّهم مع تجريدها من مشروعيتها. وينشأ هذا التمييز أحياناً عن إرادة بتهجير هؤلاء من الدول التي يقطنون فيها على خلفية استشعار خطر من إرادتهم المفترضة باكتساب الجنسية. والمقصود بالتمييز هنا ليس التمييز إزاء المواطنين (وهذا أمر شبه طبيعيّ) لكن التمييز إزاء الأجانب الذين يصبح وضعهم القانوني أفضل من أوضاع عديمي الجنسية في البلد الذي ولدوا ونشأوا فيه. ومن الأمثلة على التمييز، قانون تملك الأجانب لحقوق عينية في لبنان والذي حظر على الذين لا يحوزون على جنسية دولة معترف بها اكتساب الحقوق العينية فيه وذلك بخلاف الأجانب من حملة الجنسيات الأخرى والذين يكون لهم ذلك. ولكن في الغالب، يأخذ التمييز أشكالاً أقلّ وضوحاً، مثل التطبيق الملتوي لبند التعامل بالمثل. فهل ينطبق هذا البند على عديمي الجنسية؟ في حال الإيجاب (وهذا هو جواب دول عدة)، نكون قد ميّزنا ضدهم، على أساس أنهم يصبحون أمام استحالة الاستفادة من مجمل الحقوق المشروطة بالتعامل بالمثل لعدم تمتعهم بجنسية دولة، وذلك بخلاف الأجانب الذين يكون لهم حقّ الاستفادة منها في حال اثبات توفر شرط التعامل بالمثل أو في حال قيامهم بضغط في بلادهم وصولاً إلى ضمان توفره. ويؤمل أن يؤدّي تطور الفقه في هذا المجال إلى تغليب قراءة أخرى لشرط التعامل بالمثل تؤدي إلى استبعاده لاستحالة تطبيقه على عديمي الجنسية. فسبب وجود هذا البند هو ضمان المساواة والإعتراف المتبادل بين الدول، الأمر الذي يفرض عدم تطبيقه على حالات عديمي الجنسية والذين ليس لهم أي دولة. 


6-   إضفاء مقاربة اقليمية انطلاقاً من الاشتراك في المشاكل وإمكانية الاشتراك في الحلول:

بقي أن نتطرق إلى الفوائد المحتملة من المقاربة الإقليمية لمسألة انعدام الجنسية. الجواب هنا يذهب في اتجاهين:
الأول، أن ثمة توجهات ومواقف متشابهة في مقاربة الجنسية وانعدامها في المنطقة. ومن المؤكد اذا أن تنشأ عن هذه الأمور إشكاليات مشتركة، كما هي حال حق المرأة في منح جنسيتها أو هشاشة الجنسية في دول الخليج العربي وتجويز سحبها من الأصوات المعارضة إدارياً أو بأحكام إدانة. ومن الشواهد على ذلك هو قيام حملة "جنسيتي حق لي ولأسرتي" في عدد من الدول العربية، فضلا عن التعاون الحاصل بين ناشطي دول خليجيّة عدّة لمواجهة مقررات سحب الجنسية من المعارضين من قبل السلطات العامة في هذه الدول.

والثاني، أن المقاربة الإقليمية قد توفر حلولاً إقليمية دائمة أو أقله جزئية مشابهة بالحلول المقدمة للاجئين الفلسطينيين الفلسطيني. فصاحب الهوية الفلسطينية يعدّ عربياً ويستفيد من الحقوق الممنوحة للمواطنين العرب في عديد الدول ومن حمايات خاصة تقرها الجامعة العربية، وإن لم يكن له جنسية دولة معترف بها.
 


[1] في نوفمبر- تشرين الثاني 2015، نظمت جمعيتا المفكرة القانونية ورواد-فرانتيرز بالتعاون مع جامعة تيلبرغ ومنظمة المجتمعات المنفتحة مؤتمراً اقليمياً حول عديمي الجنسية في المنطقة العربية.