شكّل إطلاق حملة رابطة النساء السوريات لتعديل المادة الثالثة، الفقرة "أ" من قانون الجنسية لتمكين المرأة السورية المتزوجة من غير سوري من نقل جنسيتها إلى أبنائها، بمثابة "الكشف عن المستور"، كما يقال في أمثالنا الشعبية. فعدا عن إطلاقها نضالا مطلبيا اكتسب تأييدا شعبيا ورسميا كبيرين، في بلد يُحظر فيه التحرك خارج الخطوط "الحمراء" الأمنية، فقد كشف عن ظاهرة تمييزية لم يكن أحد من السوريين، بمن فيهم الرابطة، يعرف مدى اتساعها ومدى الصعوبات، إن لم نقل الأزمات، التي تعانيها النساء السوريات المتضررات من هذا التمييز وعوائلهن.


الدستور، بداية التمييز

يبدو للوهلة الأولى من قراءة الدستور السوري لعام (1973) أنه دستور يتساوى فيه جميع المواطنات والمواطنين، عموما، باستثناء تمييز[1] ورد في المادة الثالثة منه، والتي نصت على: "1-دين رئيس الجمهورية الإسلام. 2-الفقه الإسلامي مصدر رئيسي للتشريع." حيث يظهر التمييز الديني ضد السوريين من غير المسلمين بحرمانهم من الحق بأن يكون أحدهم رئيسا للجمهورية. إلا أن هذه المادة، ذاتها، تؤسّس للتمييز "الجندريّ" ضد السوريّات، لعلة تطبيقها لتشريع التمييزالحاصل ضدّ النساء في قوانين الأحوال الشخصية. وقد امتدّ التمييز "الجندري" الحاصل بموجب هذه القوانين ليطول عدداً من القوانين المدنية المتصلة بالنساء. ومثالنا هنا هو المادة الثالثة، الفقرة "أ" من قانون الجنسية التي نصت على ما يلي: "يعتبر عربياً سورياً حكماً: أ‌- من ولد في القطر أو خارجه من والد عربي سوري. ب‌- من ولد في القطر من أم عربية سورية ولم تثبت نسبته إلى أبيه قانوناً"؛  وهذا يعني أن الجنسية السورية تُمنح على أساس النسب للأب، "رب الأسرة والقوّام على نسائها"، ويعني أن المرأة السورية لا تملك حق نقل جنسيتها لأبنائها إلا إذا كانوا مجهولي النسب الأبوي.

وجاء دستور (2012) ليكرس المنبع الرئيسي للتمييز ضد النساء في مادة دستوريّة. فقد ضمنت المادة الثالثة من الدستور الجديد في فقرتها الرابعة حقّ الطوائف الدينيّة في صياغة الأحوال الشخصية التمييزية، حيث جاء فيها: "الأحوال الشخصية للطوائف الدينية مصونة ومرعية." ويمكن اعتبار قوامة الرجال على النساء المكرّسة في جميع هذه القوانين "المعيار القانوني لحقوق النساء" في سورية، مما يعني أن آثارها التمييزية ستنعكس على القوانين المدنية، وفي مقدمتها قانون الجنسية.


حملة رابطة النساء السوريات

في إطار حملتها الوطنية لتعديل قانون الجنسية، أجرت رابطة النساء السوريات بحثا قانونيا حول التمييز في قانون الجنسية وبحثا اجتماعيا حول معاناة النساء السوريات المتزوجات من غير السوريين. وظهر في هذين البحثين:

·         أنّ هناك أعداداً كبيرة من السوريات متزوجات من غير السوريين، وهناك صعوبة الحصول على الأعداد الدقيقة لهذه الحالات.

·         أنّ عوائل أولئك النساء تُحرم من مختلف أشكال الضمان الاجتماعي، معظمها، باستثناء التدريس والطبابة.

·         تبدأ المعاناة الحقيقية بعد إتمام الأبناء للدراسة، حيث تنطبق عليهم أنظمة تشغيل غير السوريين بشروطها العسيرة. كما لا يحق لمعظم أولئك الأبناء ممارسة المهن الخاضعة لقانون تنظيم "النقابات المهنية"، حيث يُشترط في كل من يُزاول مهنة من هذه المهن أن ينتمي لنقابتها، ويخضع الانتماء للنقابة لمبدأ "المعاملة بالمثل". حتى أن بعض أولئك الأبناء، الذين يحق لهم الانتساب للنقابة المهنية ومزاولة العمل المهني (لتوفر شروط المعاملة بالمثل في البلد الذي ينتمي إليه)، لن يستفيد من ميزات صناديق النقابة باعتباره غير سوري.

·         لا يحق لأولئك الأبناء التملك إلا وفق "قانون تملك العرب والأجانب"، مما يدفع العائلة لتسجيل ممتلكاتها باسم الأم السورية، وفي حال وفاة الأم فعليهم التخلص من حصصهم الإرثية، خلال عام، التي تزيد عما يسمح به "قانون تملك العرب والأجانب".
وإضافة إلى المعاناة التي تعاني منها أولئك النسوة مع عوائلهن، ظهر أن هناك عدداً من النساء المتزوجات من غير السوريين لهن أولاد لا يملكن أي جنسية نتيجة لأحد الأسباب التالية:
  •      زواج الصغيرات من الخليجيين خلال أوقات السياحة، بحيث يجري عقد الزواج وعندما يغادر الزوج تنقطع أخباره ويكون نتيجة هذا الزواج طفلاً بلا جنسية.
  •     الخلافات السياسية بين الدولة السورية ودول أخرى، مثال العراق، حيث لجأ عدد كبير من المعارضين العراقيين إلى سورية، وتزوجوا من سوريات، دون أن يكون هناك أي إمكانية لتسجيل هذا الزواج في السجلات المدنية لدولة الزوج.
  •   عدم وجود سفارة لبلد الزوج في سورية.

التمييز في قانون الجنسية والأزمة

شكلت الحكومة السورية في تموز 2011 لجنة مكلفة بدراسة تعديل القانون برئاسة معاون وزير الداخلية. وبادرت رابطة النساء السوريات إلى تشكيل وفد لمقابلة رئيس اللجنة وقدمت له المشروع المعدّ من قبلها وجميع الوثائق المتصلة بالقضية،بما في ذلك اقتراح 34 نائباً في مجلس الشعب لتعديل القانون، ورد وزارة العدل على رسالة رئيس الجمهورية، والذي جاء فيه تأكيد على عدم دستورية قانون الجنسية وضرورة تعديله. إلا أنه لا نتيجة حتى الآن.

وفي سياق انتفاضة آذار 2011، جرى ترحيل نساء مولودات في سورية لأمهات سوريات وآباء غير سوريين عند مشاركتهن في النشاطات الاحتجاجية المعارضة، (منال الجنابي من العراق). كما جرى ترحيل أزواج غير سوريين لنساء سوريات على خلفية قيامهم بنشاط معارض (سلامة كيلة). وجرى منح الجنسية السورية لعدد أبناء السوريات المتضررات على أساس الولاء السياسي للبعض واستنادا لقوائم أعدتها مرجعيات دينية للبعض الآخر.

ومع اشتداد النزاع المسلح في البلاد، شوهدت على الحدود السورية مع دول الجوار العديد من أسر النساء السوريات اللواتي لم يتمكن من الخروج بأبنائهن إلى أماكن آمنة لأن أولئك الأبناء غير سوريين أو أبناء لا يحملون أية جنسية وآباؤهم لا يرافقونهم لأسباب متعددة.

كما ظهر خلال الأزمة، وبين النازحين السوريين، حالات عديدة من انعدام الجنسية، خاصة بين النازحين من ريف حلب. ويقدر البعض عددهم بحوالي 70 ألف شخصاً موزعين بين محافظتي طرطوس واللاذقية. ولم تُعرف الأسباب المباشرة لهذه الظاهرة. وعند سؤال بعض النازحات عن تفاصيل الأمر كن يُجبن بأن الزوج غير مُسجّل ولم يُسجّل زواجه وبالتالي أولاده. ووقعت وزارة العدل مع الهيئة السورية لشؤون الأسرة والسكان مذكرة تفاهم تهدف إلى تصحيح وتسوية الأوضاع والحالات الاجتماعية غير القانونية أو غير المسجلة بين الأسر الموجودة في مراكز الإقامة المؤقتة والمهجّرة. وجرى توقيف عمل اللجنة المكلفة بهذا الأمر بحجة ان «الحالات كثيرة وهذا سيسبب حرجا للحكومة السورية أمام المنظمات الدولية». ثم عادت اللجنة لتباشر أعمالها منذ أشهر قليلة، ولم يُعرف شيء عن نتائج عملها.


[1]- طبعا كان هناك تمييز سياسي لصالح حزب البعث الحاكم، ضمنته المادة الثامنة التي نصت على قيادة حزب البعث للدولة والمجتمع