(القضاء التونسي) غداة الثورة التونسية، برز عنوانان للاصلاح القضائي: محاسبة القضاة الذين تورطوا مع النظام السابق، والتأسيس لقضاء مستقل منعا لتكرار الأحداث السابقة. مع أن كلا المسألتين ضروري للنهوض بالقضاء، فانهما غالبا ما تتنافيان. فأيهما أبدى؟ فاذا أعطيت الأولوية للمحاسبة، يكون الدور الأول للسلطة التي تحاسب مباشرة أو غير مباشرة وهي حاليا السلطة التنفيذية، فيتعرض القضاة لتدابير تتخذ تحت ستار المحاسبة من دون أن يكون لهم ضمانات كافية لوقف التعسف أو مجابهته عند حصوله فيحتمل اذ ذاك أن تتحول المحاسبة –أو خطاب المحاسبة- الى أداة مثلى لترهيب القضاة واستتباعهم مما ينعكس سلبا على استقلاليتهم وعلى حقوق المتقاضين. أما اذا أعطيت الأولوية للاستقلالية، فيكون الدور الأول للقضاة أنفسهم. فتكريس ضمانات الاستقلالية يفترض عموما وبالدرجة الأولىإيلاء شؤون القضاء للقضاة، وعمليا انشاء هيئة ينتخب القضاة غالبية أعضائها وتتولى شؤونهم (وهذا ما طالبت به جمعية القضاة التونسيين ونقابة القضاة التونسيين). ولكن، في هذه الحالة، وفي ظل الفساد الذي كان مستشريا في أوساط القضاء، ألا يخشى أن تتحول هيئة مماثلة الى هيئة نقابية تغلب ستر العيب واخراس الانتقادات على المحاسبة، مما يعرض المتقاضين للخطر باسم استقلالية القضاة؟ وازاء ذلك، يصبح أي المطلبين من دون اعمال الآخر وكأنه يرمي الى خلاف ما يعلنه. هذه هي بعض الاشكاليات التي ظللت النقاشات التونسية بشكل عام ولا سيما النقاشات بل المشادات الدائرة بين وزارة العدل من جهة، وكلا من نقابة القضاة وجمعيتهم من جهة أخرى. ومن دون الدخول في تفاصيل المناقشات التي دارت حول هذه الاشكالية (والتي لا تنفرد فيها تونس انما نجدها أيضا في المغرب ومصر بدرجات متفاوتة)، فان استحضارها يبقى ضروريا لفهم القرار الذي اتخذته وزارة العدل التونسية والذي أعفت بموجبه ومن دون أي مناقشة مسبقة مع الهياكل القضائية عشرات القضاة المتورطين بالفساد. (المحرر).
لم تعصف الثورة بالمؤسسة القضائية الا أنها فرضت خضوعها للمساءلة لغاية اصلاحها. فالواقع الثوري أسقط الممنوع عن التداولفي فساد القضاء وكشفت أجواء الحرية عن ادانة المجتمع التونسي لقضائه الذي اتهم بأنه كان العصا الغليظة التي وظفتها السلطة المستبدة لفرض الدولة البوليسية ونظام العائلة المافيوزية الحاكمة. فهم القضاة استحقاقات المرحلة فبادروا منذ الأيام الأولى للثورة برفع شعار تطهير القضاء من الفساد والمفسدين وساندهم في ذلك المحامون والناشطون السياسيون. أضحى بذلك شعار القضاء على عصابة القضاء من الشعارات القارة التي يرفعها المتظاهرون. وشكل  تطهير القضاء بندا ثابتا في البرنامج السياسي لمختلف الأحزاب الناشطة. وغشا القضاة المنابر الاعلامية ليشاركوا في المناداة بتطهير القضاء. وتعددت المنتديات الفكرية التي استضافت الخبراء من مختلف الأصقاع ليعرضوا تجارب بلدانهم في الموضوع.
اتحد القضاة في المطالبة بإصلاح القضاء وانقسموا في تعاملهم مع استحقاق تطهير القضاء. دفعت جمعية القضاة في اتجاه تطهير القضاء بشكل ثوري. فخلال مجلسها الوطني الذي انعقد في  05-11-2011 ، قررت تشكيل لجنة من أعضائها تكون مهمتها اعداد قائمة بالقضاة الذين اشتهروا بفسادهم المالي أو كانوا جزءا من منظومة قضاء التعليمات. فيما رفضت نقابة القضاة منطق القوائم ودعت لمحاسبة قوامها الملفات وفي اطار من الشفافية. فكان التعاطي مع مسألة التطهير من أسباب انقسام القضاة وتعارض مشاريعهم.
انخرط المحامون في حديث تطهير القضاء فكان أن بادرت ثلة منهم خلال الأيام الأولى للثورة الى طرد من قاعة الجلسة أحد القضاة  الذين عرفوا بفسادهم المالي والاداري وكان أن تداول بعضهم قوائم بأسماء لقضاة طالبوا باستبعادهم من الدوائر القضائية التي ينتصبون بها. أما الأحزاب السياسية فقد انقسمت بين من ينادي بتدمير المؤسسة القضائية وتعويضها بقضاء شعبي منتخب ومن يقترح تشكيل لجنة من السياسيين يعهد لها النظر في ملفات القضاة وفصل من لا ترضى بهم.
تمسكت الحكومة الانتقالية برئاسة باجي قايد السبسي بتأجيل فتح ملف تطهير القضاء خصوصا بعدما رفض القضاة مشروعا تقدمت به يهدف إلى إنشاء مجلس أعلى للقضاء العدلي الانتقالي وبعدما رفضت جمعية القضاة تمكينها من القائمة التي ذكرت أنها أعدتها وضمت مائتين وأربعة عشر اسما لقضاة ثبت لها تورطهم في الفساد المالي والإداري.
ظل القضاء طوال المرحلة الانتقالية موضع اتهام يستهدفه السياسيون والإعلاميون في تذكير مستمر بالفساد الذي ينخر جسده. فكان أن تحولت جلسات المحاكمات إلى مناسبات يحاكم فيها القضاء مما عمق أزمة الثقة بين المؤسسة القضائية والمتقاضين. وقد أدى تأجيل اصلاح القضاء الى وضع  القضاة تحت ضغط متواصل تجاوز في العديد من  الحالات الانتقاد لأحكامهم ليصل الى أعمال تخريب طالت مقرات المحاكم فحرق العديد من المحاكم في مظاهرات تحولت الى أعمال شغب. وبات القضاة جراء ذلك يتحدثون علانية عن تردي وضعيتهم ويصرحون بأن الحملة التي تستهدفهم لم تعد الغاية منها اصلاح القضاء وفرض استقلاليته وانما ضرب وجود القضاء ذاته واخضاعه مجددا لاملاءات الأطراف السياسية بما يخدم مصالحها.
وبمجرد مباشرة المجلس الوطني التأسيسي والحكومة المنتخبة أعمالهما اثر انتخابات 23-10-11، عاد ملف تطهير القضاء وإصلاحه الى واجهة الحوار في مجالس صناع القرار. فاتخذ القرار بحل المجلس الاعلى للقضاء العدلي وتم التوافق على  إنشاء هيئة مؤقتة للإشراف على القضاء العدلي يكون من صلاحياتها النظر في ملف تطهير القضاء.  ولدت السلطة السياسية حالة فراغ بحلها للمجلس الأعلى للقضاء وتعهدت بسد الشغور الذي مثلته بهيأتها الموعودة. شغلت السياسة أعضاء المجلس التأسيسي فغاب عنهم أنهم تركوا القضاء دون اصلاح وزادوا وضعه ترديا بسبب تراخيهم في معالجة ملفه وتركهم اياه دون  هيئة اشراف. أضحى وزير العدل سلطة الاشراف الوحيدة التي تباشر القضاء الذي عاد  ليخضع بالكامل في التعيينات بالخطط القضائية والنقل لسلطاته.
حولت التجاذبات السياسية وصراعات القضاة تطهير القضاء من استحقاق ثوري الى شعار مستهلك. أضحى الحديث عن تطهير القضاء وإصلاحه مجرد مزايدات مفرغة المضامين: فمن ينادون بتطهير القضاء، ظلوا يراوحون مواقعهم دون أن ينجحوا في ابراز تصورات تبين مسارات التطهير وآلياته. وكان أن بادر وزير العدل في 22-5-2012   بإعلان مباشرته بإرادة منفردة وبقرار صدر عنه استند فيه الى صلاحيات قانونية ورثها عن نظام تسلط وزير العدل على القضاء وتمثل في اعفائه لاثني وثمانين قاضيا نسب لهم فساد مالي وأخلاقي.
أتى قرار الاعفاء ليحرك المياه الراكدة وليحول الحديث عن تطهير القضاء من فضاء المطالبة الى ساحة  التحرك. وبقدر ما كان حديث الاصلاح والتطهير صاخبا شارك الجميع في صناعته  جاء فعل التطهير فرديا. انتقد القضاة قرارات الاعفاء وعبروا عن ادانتهم لطابعها التسلطي وذكروا أن وزارة العدل أعلنت قراراتها دون أن تمكن القضاة المعنيين بها من حقهم في الدفاع عن أنفسهم. وأضافوا أن قرارات الاعفاء لن تصلح القضاء لأنها عمقت خضوعه للسلطة التنفيذية. ورغم الترحيب الشعبي بقرارات الاعفاء، فان ضغط القضاة خصوصا ذلك الذي أطرته نقابة القضاة التونسيين التي بادرت الى إعلان اضراب عن العمل احتجاجا على الاعفاءات أثمرت تعهدا بمراجعة قائمة القضاة المعفيين وبتمكينهم من الاطلاع على ملفاتهم التأديبية سند مؤاخذتهم. وبعدما كان وزير العدل نور الدين البحيري قد صرح بأن قوائم الاعفاء أعدت بدقة متناهية وتم سماع كل من شملتهم وثبت بالدليل القاطع تورطهم في الفساد عادت وزارة العدل لتذكر أنها ستتولى سماع القضاة المعفيين وتواجههم بالتهم التي نسبت لهم. وانتهت الوزارة بعد ذلك لتذكر أنها كونت لجنة من خمسة قضاة نظرت في تظلمات القضاة المعفيين لينتهي مسلسل الاعفاء بالتراجع عن عزل تسعة قضاة أعلن سابقا عنهم وأوقفوا عن العمل ونشرت أسماؤهم في المواقع الاجتماعية مقترنة بصفة الفاسدين. أعيد تسعة قضاة ليباشروا القضاء والسؤال مطروح بشأن قدراتهم النفسية والاجتماعية على ذلك فضلا عن أن تجربتهم تدفع سواهم من القضاة ليسألوا عمن يحميهم من ضيم يماثل ما لحق بزملائهم.
أضحى تطهير القضاء احدى صلاحيات وزارة العدل، وكشف تسلسل الأحداث أن السلطة التنفيذية ممثلة في وزير العدل تسرعت في اعلان الاعفاءات بدليل تراجعها  عن بعض من شملتهم. اعتبرت جمعية القضاة التونسيين أن ما توضح من ارتجال يؤكد ما سبق وذكرته من أن اعلان الاعفاءات أتى في سياق توظيف سياسي لملف تطهير القضاء وكانت الغاية منه التغطية على عجز السلطة السياسية عن ايجاد تصور متكامل لإصلاح القضاء ينطلق من انهاء خضوع السلطة القضائية هيكليا للسلطة التنفيذية بتشكيل هيئة  للإشراف على القضاء العدلي تتمتع بالاستقلالية الهيكلية والوظيفية.
طرح القضاة ممثلين في جمعيتهم فكرة تطهير القضاء وحاولوا صياغة تصورات تقوم على التوافق مع السلطة السياسية تسمح بتحول التطهير من مجرد عملية جراحية تنتهي ببتر العناصر الفاسدة داخل جسد القضاء الى فعل يؤسس لتصورات اصلاح متكاملة تحارب الفساد وتكشف مكامنه وتسمح بعلاجه وتنتهي بالقضاء على مسبباته. بين القضاة أن الفساد في القضاء لم يكن ظاهرة فردية حكمتها نوازع أفراد زاغوا عن قيم العمل القضائي فقط وانما كان نتيجة حتمية لمنظومة قانونية تشجع الفساد وتحميه. وبدا طرح القضاة متكاملا إلا ان المرور من النظرية الى التطبيق جعل القضاة يختلفون في أمرهم ويعجزون عن صياغة مواقف موحدة بينهم تجعلهم قادرين على بلورة خريطة طريق للاصلاح تقنع المجتمع السياسي.
ودافع المحامون بشراسة  عن فكرة تطهير القضاء وإصلاحه الا ان فتح ملف الفساد في قطاع المحاماة كشف عن أحادية طرحهم وسقوطه في التجاذبات القطاعية. فذات  أصوات المحامين التي كانت تنادي بتطهير القضاء من الفساد وتفعيل المحاسبة نجدها اليوم تتمسك بشعار استقلالية المحاماة لتمنع استعمال ما وصفته للقضاة من آليات تطهير من التطبيق في قطاعها. وتزين الساسة في حملاتهم الانتخابية بشعار استقلالية القضاء وتطهيره ونجدهم اليوم يذكرون أن هاجسهم أضحى منع قيام حكومة القضاة بما يستفاد منه أنهم باتوا يخافون استقلالية القضاء ويطالبون بالحد من سلطاته ويباركون تدخل وزارة العدل في ادارته والاشراف عليه.
يبدو أن اصلاح القضاء وتطهيره كانا شعارين أفضى التعاطي معهما الى الكشف عن صعوبة تطبيق الاصلاح في ظل التجاذبات وغياب الارادات الصادقة.
 
نشر في العدد الخامس - تموز من مجلة المفكرة القانونية