في مقاله الصادر في العدد 32 من مجلة المفكرة القانونية، تناول نزار صاغية ضمن أمور عدة موضوع صناعة هشاشة المواطن اللبناني في ظل نظام المقامات أو الزعامات السياسية [1]. فتحدث عن تحجيم الحقوق الإجتماعية وتراجع خدمات الضمان الإجتماعي وإهمال المدارس الرسمية وغياب الدور الفاعل لوزارة الصحة. كذلك تحدث عن حرمان المواطن والمراهنة على حاجته من باب تأطيره ووضعه في حالة هشة تسهل إستتباعه ودفعه خارج القانون أحياناً. أريدأن أتوسع هنا في هذا النقاش وأُضيف بُعداً آخر لصناعة الهشاشة في لبنان يتجلى في تهجير المواطن وإستبعاده، فضلاً عن تأطيره واستتباعه. ولبلورة هذا الجدال سوف أتطرق الى موضوع التطوير العقاري والتغيرات المادية والسكانية التي تشهدها معظم أحياء بيروت.

فكما هو معلوم، أدى التدفق الهائل للأموال الخارجية الى لبنان في العقد الماضي، مصحوباً بتعديل قوانين البناء وزيادة عوامل الإستثمار، إلى تحويل بيروت برمتها الى ورشة إعادة إعمار.فقد بنيت الكثير من المباني الفخمة والأبراج الشاهقة الجديدة على أنقاض مبانٍ كائنة هُدمت لإفساح المجال للمطورين العقاريين للشروع بمشاريع عمرانية حديثة ومربحة على حساب محو النسيج الحضري القائم والقضاء على أنماط الحياة الإجتماعية والإقتصادية المألوفة. وكثُر في الآونة الأخيرة الحديث عن تهجير السكان من منازلهم ومناطقهم، خاصة في سياق حراك المستأجرين القدامى الرافض لقانون الإيجار المستحدث الذي يُلغي قيود ضبط الإيجارات (السارية على العقود القديمة التي وقعت قبل تموز 1992) ليرفعها تدريجياً الى سعر السوق. ومن شأن هذا الأمر أن يسهّل عمليّة طرد سكانها وهدم المباني التي كانوا يقطنونها واستبدالها بمبان أخرى تستهدف فئة إجتماعية أكثر قدرة من الناحية المادية. وقد تحدث البعض عن تواطؤ المالك القديم مع المطوّر العقاري بهدف طرد المستأجر القديم والإنتقام منه، علماً أن بدلات الإيجارات القديمة بقيت، رغم الزيادات المتتالية، شديدة التدنّي مقارنة مع بدلات الإيجارات الجديدة (أي تلك الخاضعة لعقود وقعت بعد تموز 1992). 

مما لا شك فيه أن قانون الإيجار القديم قد أدى الى حدوث الإخلاءات القسرية، المباشر منها وغير المباشر، بحق بعض المستأجرين القدامى. والتعديل الجديد لهذا القانون يهدد بإلقاء البعض الآخر على قارعة الطريق نظرا إلى غياب الاستراتجيات البديلة لتوفير السكن اللائق لفئات الدخل المنخفض. ورغم هذا، تبقى التفسيرات التي ترسم شرخاً بين مالك قديم ومستأجر قديم تفسيرات مجتزأة لا تفي بصورة كاملة عن الواقع. فليس جميع أصحاب العقارات القديمة متواطئين وليس جميع المستأجرين القدامى ضحايا. والعكس صحيح. فمثلما هناك أمثلة عن أصحاب مُلك أجحفوا بحق المستأجرين القدامى لملكهم أو أساءوا اليهم، هناك أمثلة عن مستأجرين قدامى استغلوا واستفادوا من قانون لم يعّد بالأساس لهم [2]. ومن المهمّ التوقّف عند الأسباب الجذريّة التي تؤدّي إلى الانتهاكات والنزعات الإستغلالية، وهي أسباب يمكن أن تعزى بشكل كبير إلى هشاشة المواطن اللبناني.ففي ظل النظام النيوليبرالي المهيمن وتقصير الدولة اللبنانية في تحمل مسؤوليتها في قطاع الإسكان الميسر وغيره من القطاعات الإجتماعية الأخرى، أضحى الكثير من ذوي الدخل المتوسط والمحدود، سواء كانوا من المالكين أو المستأجرين القدامى أو الجدد، بوضع هشّ يذيّله الخوف والقلق. فنظراً الى إرتفاع أسعار العقارات والبناء، أصبح الوصول إلى السكن صعباً للغاية لمن يرغب بشراء أو إستئجار منزل. ونظراً الى الإرتفاع الهائل لأسعار المواد الغذائية وكلفة التعليم والرعاية الصحية الخاصة، كثرت الضغوط المالية على الكثير من الأسر، خصوصاً مع الحاجة الى دفع "فواتير مزدوجة" للكهرباء والمياه لملء الفجوة في توفير القطاع العام لهذه الخدمات. وفاقم انعدام الأمن الاجتماعي وغياب ضمانات البطالة والشيخوخة هشاشة الأغلبية الساحقة من الناس. كذلك فاقمت الأزمة السورية الوضع المعيشي للبعض نظراً الى المنافسة على فرص العمل في الوظائف الموسمية وغير الرسمية.

ومما لا شك فيه أن هشاشة البعض دفعتهم الى الاشتراك في صناعة الهشاشة عبر إنتهاك حقوق الآخرين [3]، أو عبر الخروج الجائر عن القانون والجنوح الى السرقة والجريمة. وبسبب قلقهم وطموحاتهم، بحث آخرون عن الفرص المؤاتية للتغلب على هشاشتهم وكافحوا في سبيل بقائهم وتقدّمهم. وبكلتا الحالتين، كان هناك من خضع لنظام المقامات وانصاع وراء زعيم ما يستجدي حمايته أو رحمته أو واسطته. وكان هناك من تأذى أو تهمش.

وبالعودة الى القطاع العقاري وتاثيره على الفئات الهشة من سكان بيروت، نرى أن إقبال كبرى الشركات العقارية على شراء الأراضي وتطويرها كان فرصة للبعض وخسارة بالنسبة إلى آخرين، أو الإثنين معاً (أي فرصة وخسارة بنفس الوقت) نظراً الى التناقضات والإنقسامات الداخلية بين أفراد العائلة الواحدة وأحياناً ضمن مشاعر وتصرفات الشخص الواحد. فقد أتت طفرة البناء ووعود الشراكة المربحة بين المطورين العقاريين وذوي الدخل المحدود أو المتوسط من أصحاب الممتلكات العقارية القابلة للتطوير، بغضّ النظر إن كانوا من عداد السكان المقيمين في ملكهم أو من عداد المالكين القدامى لمبانٍ سكنية أو تجارية خاضعة لقانون الايجار القديم، كطريقة فعالة وأكيدة لتحسين أحوالهم المعيشية والوصول الى الأمان الإجتماعي المرجو. فبحسب الإستطلاعات الميدانية، ما من أحد يجبر صغار المالكين (خاصة بحالة الملكيّات المشتركة والمتشابكة) على بيع  بيوتهم وعقاراتهم أو الإنتقال من مناطقهم. هم يفعلون ذلك تلقائياً تحت الضغوطات العائلية وإغراءات السوق العقارية. فرغم تعلق بعضهم الشديد بمنازلهم والأحياء السكنية التي ترعرعوا فيها، هم في نهاية المطاف يفعلون ما هو لمصلحتهم وما يضمن راحة بالهم ويقيهم هاجس العوز والعجز والمرض. الأمر عينه ينطبق على بعض المستأجرين القدامى في مرحلة ما قبل التعديل الأخير على قانون الإيجارات. فقد شكل بدل الإخلاء (الذي وصل أحياناً إلى 40%من قيمة بيع المأجور) بالنسبة الى بعض المستأجرين فرصة  للحصول على السيولة لتيسير أمورهم. حتى أن البعض ساعد صاحب الملك في إيجاد مستأجر جديد أو شخص متمكن يرغب في الشراء. أما هم فتركوا بيوتهم طوعاً إلى مناطق أقل تكلفة بعد حصولهم على تعويض مُرضٍ.

بالتالي، يمكننا القول أن قرارات هؤلاء بمغادرة منازلهم ومناطقهم، وإن بدت في الظاهر طوعية، تأتي بأغلبيتها نتيجة هشاشتهم ومخاوفهم وإحتياجاتهم وطموحاتهم في بلد لا زالت ضمانات الحماية الإجتماعية  فيه محدودة وغير كافية. فالحاجة إلى السيولة والرغبة في مستقبل أفضل لأولادهم ولتحصين أنفسهم بوجه المصاعب والمحن هي أحد أهم الأسباب التي تفسر قبولهم بالإنسلاخ عن ماضيهم ومحيطهم والانتقال إلى مناطق أخرى. وهكذا، يُمكن أن نعزو السبب الرئيسي لانتقالهم الجغرافي إلى السياسات الإجتماعية القائمة (السياسات الإسكانية، سياسات الرعاية الصحية، سياسات التعليم المجاني، وضمانات الشيخوخة والبطالة)، والسياسات ذات الصلة (سياسات التخطيط والتطوير الحضري والسياسات الضرائبية)، التي تعزز هشاشتهم وتضيق سبل العيش عليهم  وتجبرهم على المفاوضة على موقعهم الجغرافي وبيعه لمن يقدم العرض الأفضل. 

 ولا يقتصر الأمر على التهجير القسري للمستأجرين الكائنين (القدامى والجدد منهم)، والتهجير الطوعي المفعم بالضغوطات والإغراءات المادية لصغار المالكين وبعض المستأجرين القدامى. فالسياسات القائمة وغياب الروادع التي تحدّ من الإرتفاعات الجنونية لأسعار العقارات والبناء، تعزز أيضاً التهجير الإستبعادي [4] لفئات الدخل المتدني والمتوسط من السكان الإحتماليين لمنطقة ما، أي الراغبين بالشراء أو الإستئجار في هذه المنطقة لو كانت الأسعار فيها والتسهيلات الشرائية لا تتناسب مع قدراتهم وأوضاعهم المادية. وبسبب هذا، يضطرّ الكثيرون من المنتميين لهذه الفئات على التنازل عن ميزة الموقع الذي يطمحون اليه ويُحكمون بالعيش بمناطق معينة تتناسب مع أوضاعهم المادية  وإن كانت هذه المناطق غير مثالية وبعيدة نسبياً عن أماكن عملهم.

هذا لا يعني أن الاسواق العقارية هي وحدها التي تتحكم في الخيارات السكنية للناس. كما هذا لا يعني أنه بإمكاننا أن نرسم حدوداً واضحة بين قلب المدينة وأطرافها على أساس طبقي. فالإنتماءات الدينية الطائفية هي حتماً عامل مهمّ في إعادة تكوين الهيكلية الإجتماعية والمكانية في لبنان. وتوطد سياسات صناعة الهشاشة هذه الإنتماءات من خلال خطابات سياسية وشعبية تعزّز العصبية الطائفية والخوف من "الآخر" وتساهم في قرارات الكثير من اللبنانيين حول أمكنة سكنهم. كما أن للآخر و"الغريب"، الحصة الوافية في حديث الكثير من سكان بيروت عن التغيّرات التي طرأت (أو تطرأ) على مناطقهم وتتسبب في تهجيرهم وهجرة أولادهم. والغريب هنا يتغير حسب المتحدث، ليشمل من هم غرباء عن لبنان وعن بيروت وعن الحي الذين ينتمون اليه والطوائف الدينية والعائلات التي تدعي الأسبقية والأحقية في الأماكن التي تسكنها أو “هُجرت” منها [5].

ويأخذ الحديث عن التهجير منحًى آخر من خلال إصرار الكثير من اللبنانيين على ربط سياسات صناعة الهشاشة بسياسات الهجرة الطوعية والهجرة القسرية. ففي غمرة حديثهم عن التهجير الناجم عن فورة البناء وارتفاع أسعار العقارات والإيجارات، يلجأ البعض بشكل لافت إلى مقارنة الحقائق الإجتماعية من لبنان مع "الدول المتقدمة"، ويستفيضون بالحديث عن أقرانهم الذين هاجروا إلى إحدى هذه الدول وحصلوا على "الجنسية الأجنبية" وبالتالي على كافة الضمانات الإجتماعية التي يحتاجون إليها للعيش الكريم. ومن ناحية ثانية، يدفع عدم الأمان الإجتماعي ومظاهر اللامساواة والشعور العام بالإحباط، جراء قلة فرص العمل والفساد المستشري في الإدارات العامة وتحكّم النخبة القليلة في موارد البلاد، بالكثير من اللبنانيين إلى الإعتقاد بأن هناك خطة تآمرية لتهجيرهم الجماعي من لبنان.

 والهجرة، بأشكالها المختلفة، الشرعية وغير الشرعية منها، هي بلا أدنى شك إحدى عواقب سياسات صناعة الهشاشة في لبنان وحلم وهاجس الكثير من اللبنانيين خاصة الشباب. ومنهم من لم يتردد عن إرتياد “قوارب الموت” بحثاً عن مستقبل أفضل ورفضاً لواقع أليم. فهل هجرتهم وتهجيرهم واغترابهم هو الحل؟

للإطلاع على النص مترجما الى اللغة الإنكليزية يمكنك الضغط هنا 

 نشر في العدد 34 من مجلة المفكرة القانونية 

[1]نزار صاغية،أبعدمنالطائفية: لمن/ ضدمنينبضقلبالمدينة؟المفكرةالقانونية-لبنان، العدد32، تشرين الاول 2015.
[2]قانون حق السكن بدلا من قانون تحرير الايجارات. المفكرةالقانونية-لبنان، العدد 26، آذار 2015.
[3] نزار صاغية، صناعة الهشاشة. المفكرةالقانونية-لبنان،العدد 25، شباط 2015.
 [4]التهجير الإستبعادي (displacement exclusionary) هو مصطلح مبني على عمل Marcuse Peter.
 
[5] Mona Khechen, “The Remaking of Ras Beirut: Displacement beyond Gentrification” (forthcoming).