مقابلة مع القاضي محمد عنبر،
المفكرة القانونية، الرباط  
(القضاء المغربي) "كلنا الأستاذ عنبر، نداء الى جميع القضاة الى الحضور يوم 6-7-2012 بمحكمة النقض للتضامن مع الأستاذ عنبر. ونريد من هذا اليوم أن يصبح ملحمة في تاريخ الدفاع عن استقلال السلطة القضائية. وغني عن البيان أن هذا الحدث سيعرف تغطية اعلامية موسعة على المستويين الوطني والدولي. عاش نادي قضاة المغرب وكلنا الأستاذ عنبر".
بهذه الكلمات، دعا أ. ياسين مخلي رئيس نادي قضاة المغرب جميع هؤلاء من خلال صفحة التواصل الاجتماعي لنادي قضاة المغرب الى التضامن مع القاضي محمد عنبر، الذي أحيل مؤخرا الى المجلس التأديبي، على خلفية رفضه الالتحاق بمركز عمله الجديد، احتجاجا على نقله تعسفا من دون رضاه. وبالفعل، بناء على هذه الدعوة، تلاقى عشرات القضاة أمام محكمة النقض التي أغلقت أبوابها أمامهم فاجتمعوا في باحتها الخارجية ورفعوا عليها يافطة تحذر من المس باستقلالية محكمة النقض.
المفكرة القانونية تسنى لها الالتقاء بالقاضي عنبر مرتين في الرباط، وذلك في شهري شباط (11 فبراير) وحزيران (8- 9 يونيو)، وقد نشرت في عددها الرابع مقابلة معه تحدث فيها عن انشاء نادي قضاة المغرب. وهي تنشر هنا حديثها الثاني معه الذي تم على مرحلتين: خلال لقائه في الرباط وفي أعقاب اليوم التضامني معه من خلال البريد الالكتروني (المحرر).
 
س. بداية، هل بامكانكم شرح ملابسات قضية نقلكم للقارئ العربي؟
خلال شهر نوفمبر، وبعد مرور أقل من شهرين على مشاركتي في تأسيس نادي قضاة المغرب وانتخابي فيه، تم نقلي من منصبي كرئيس غرفة لدى محكمة النقض الى وكيل ملك في المحكمة الابتدائية في دائرة أبي جعد، وهي أبعد منطقة في المغرب. وقد حصل كل ذلك من دون أي طلب مني، فأنا سأبلغ سن التقاعد بعد خمس سنوات ولا أرغب حاليا بالانتقال الى أي محكمة اخرى. وهذا القرار انما يحمل في طياته ثلاثة أمور: الأول، اهانة مباشرة بحيث ينقل قاض بلغ آخر درجات الترقية من منصب رفيع لشغل منصب وكيل نيابة في محكمة صغيرة ونائية وهو أدنى منصب في النيابة العامة، والثاني، عقوبة مقنعة يراد منها معاقبتي على مشاركتي في تأسيس النادي، والثالث، اقصائي عن منصب نائب رئيس النادي، طالما أن منصب وكيل الملك يعد مسؤولية ادارية في هيئة قضائية، وهو أمر يضعني في موقع تناف مع أي منصب قيادي داخل النادي. وتبعا لتقدمي بشكاية جزائية ضد وزير العدل السابق من جراء ذلك، قام وزير العدل الجديد المعين عقب الانتخابات باعادة النظر في القرار المذكور، فحاول التخفيف من حدته انما مع الاصرار على نقلي من محكمة النقض، فنقلني الى منصب نائب وكيل الملك في الرباط وهو منصب اداري آخر يؤول الى تجريدي من منصبي كنائب رئيس في النادي وفق نظامه. وهذا القرار، الذي أبلغني اياه الوكيل العام للملك في الرباط عبر الهاتف وتاليا خلافا للأصول، لا يصحح الأمر اطلاقا وان سعى من خلاله الوزير الى تخفيف حدة الاهانة الموجهة الي في القرار السابق.  
س. منذ تأسيسه في آب (أغسطس)، انتسب الى النادي وفق رئيسه ياسين مخلي ما يزيد على ألفين وسبعمائة قاض أي ما يعادل ثلاثة أرباع قضاة المغرب، فلماذا يتقصدونكم أنتم بالذات؟       
ج. عند تأسيس النادي، كان مجمل المنتسبين اليه من الشباب. أنا كنت العضو الوحيد آنذاك من أعضاء محكمة النقض. وبتقديري، سبب هذا الأمر انزعاجا لدى أصحاب القرار الذين لم يكونوا يرغبون بأي تمثيلية للنادي في محكمة النقض، ليتسنى لهم وصف النادي بأنه مؤسسة شباب متحمسين ينتقصون الى الخبرة وللطعن بتمثيليته. ان انضمامي الى النادي يشكل من هذه الزاوية تحديا كبيرا لنمط تفكير معين يراد منه ابقاء علاقة الهرمية قائمة بين كبار القضاة وشبابهم، كما يريد ابقاء تقليد الصمت سيدا لدى هؤلاء. وبالواقع، أنا انضممت الى النادي في مراحل تأسيسه الأولى لقناعتي بأنه خير أداة لاصلاح ما عانيت منه طوال حياتي القضائية. فأنا أتحدر من عائلة فقيرة ودخلت الى كلية الحقوق يحدوني ايمان بمبادئ سامية بشأن استقلالية القضاء ومنعته. ما رأيته خلال حياتي المهنية لم يكن للأسف منسجما مع هذه المبادئ. وما انضمامي الى النادي الا تعبير عن الأمل بتحسين الأمور.  
س. ما هي الاجراءات التي قمتم بها ضد قرار نقلكم؟ 
ج. بالنسبة الى القرار الأول، أنا طلبت تزويدي بأسباب النقل لكن هذا الأمر لم يحصل، مما يؤكد أن نقلي تم من خارج أي مصلحة يقتضيها حسن ادارة المرفق القضائي. فقدمت شكاية جزائية ضد وزير العدل السابق والرئيس الأول لمحكمة النقض والوكيل العام للملك لدى محكمة النقض اللذين شاركاه في قرار نقلي. فهذا النقل غير المبرر يشكل اتفاقا بين هؤلاء على التعدي على استقلاليتي، وهو أمر مخالف للقانون وخصوصا للدستور الجديد في فصليه 108 و109 اللذين ينصان ما يلي: (لا يعزل القضاة ولا ينقلون إلا بمقتضى القانون) و(يعاقب القانون كل من حاول التأثير على القاضي بكيفية غير مشروعة). وهذه المخالفة تقع تاليا تحت الفصل 322 من القانون الجنائيالذي يقول انه إذا حصل اتفاق على اعمال مخالفة للقانون، إما بواسطة اجتماع أفراد أو هيئات تتولى قدرا من السلطة العامة، إما بواسطة رسل أو مراسلات، فإن مرتكبي الجريمة يعاقبون بالحبس من شهر واحد إلى ستة أشهر ويجوز كذلك أن يحكم عليهم بالحرمان من بعض الحقوق المدنية ومنها تولي الوظائف أو الخدمات العامة لمدة لا تتجاوز عشر سنين. وقد رفضوا بداية تسجيل الشكوى، فطلبت حضور مفوض قضائي ليعاين هذا الرفض، فاضطروا اذ ذاك الى تسجيلها. فضلا عن ذلك، قدمت طعنا ضد القرار الأول أمام محكمة النقض عملا بالدستور الجديد الذي فتح باب التظلم والطعن في هذا المجال. أما بالنسبة الى القرار الثاني الذي لم أتبلغه رسميا بعد انما فقط من خلال اتصال هاتفي والصحف، فقد طعنت فيه أيضا أمام محكمة النقض. وأنا على قناعة تامة بأن وزير العدل اتخذ قرار نقلي من محكمة النقض خلافا لقناعاته وبتأثير من قوى تهدد استقلالية القضاء. وقد صدر قرار بإحالتي على المحاكمة التأديبية لرفضي التوصل بالعمل في منصبي الجديد. ولكن كيف يعقل لومي لعدم تنفيذ قرار لم اتبلغه اصولا؟ 
س. هل تشعرون بأن ما يحدث لكم هو شبيه بدرجة او بأخرى لما حصل في أواخر 2010 للسيد جعفر حسون[1]؟
ج. الأشخاص المكونون للمجلس هم نفس الاشخاص الذين حاكموا الاستاذ جعفر بعد فبركة ملف له، إلا ان موضوع النازلة يختلف تماما عن موضوع الاستاذ جعفر، فأعتبر نفسي أنني أنا المشتكي وهم المشتكى منهم لأنهم هم من خرق الدستور وباقي القوانين وما زالوا مستمرين في الخرق والشطط ولا من يسائلهم.
س. كيف تقومون اليوم التضامني معكم؟ وهل تظنون أن اليوم التضامني معكم سيؤثر ايجابا أو سلبا على كيفية التعامل مع ملفكم؟
هذا اليوم لقي نجاحا في اوساط قضاة المملكة لأنهم كلهم يعتبرون أن تضامنهم هو تعبير عن دفاعهم المستميت عن استقلاليتهم عن أية سلطة ولو كانت منتسبة لجسمهم، فهم يتضامنون مع الشرعية ضد عدم المشروعية، ويتضامنون من أجل الاستقلال عن السلطة التنفيذية المجسدة في شخص وزير العدل. فهذه فكرة تراود كل قاض بالمملكة مما يجعل التضامن كليا وشموليا، وجسده حضور كافة ممثلي المكاتب الجهوية بالمملكة لنادي قضاة المغرب والذين عبروا عن مؤازرتهم لي وتضامنهم معي في الدفاع عن استقلال القضاء والقضاة ضد أي تهديد. ولهذا التضامن تأثير إيجابي علي بعد كل ما راكمته التجربة المغربية من اعتداءات وتهديدات للقضاة في استقلاليتهم عبر التاريخ. مهما يكن، لا يمكن إلزامي بتنفيذ قرار يمس باستقلاليتي، وإلا سأكون مخلا بأحد أهم واجباتي المهنية.
س. ما هي أبرز الجهات التي تضامنت معكم؟ وهل تبلغتم بيانات تضامن من خارج المغرب؟
ج. هناك جمعيات مهنية وحقوقية مغربية عدة عبرت عن تضامنها معي. بالمقابل، لم أتلق حتى اللحظة أي تضامن من خارج المغرب.
أي تمثيلية للقضاة؟
قرر نادي قضاة المغرب في 9-6-2012 الانسحاب من ورشة الحوار الوطني حول اصلاح القضاء احتجاجا على استبعاده عن الهيئة العليا للحوار وتاليا التنكر لصفته التمثيلية رغم أن عدد المنتمين اليه بلغ 2700 من أصل 3700 قاض وفق القيمين عليه...
وكان وزير العدل قد برر حصر تمثيلية القضاة بالودادية الحسنية للقضاة في الهيئة العليا للحوار بكون رئيسها معينا من قبل الملك.
 
نشر في العدد الخامس -تموز من مجلة المفكرة القانونية

[1] القاضي جعفر حسون انتخب لولايتين عضوا في مجلس القضاء الأعلى وكان لفترة طويلة أحد القضاة القلائل الذين يتفاعلون مع منظمات المجتمع المدني متخذا مواقف جريئة دفاعا عن استقلالية القضاء، وقد شكل طوال العقد المنصرم محركا أساسيا للقضاة ولعجلة اصلاح القضاء. ومن المعبر جدا أن يكون النادي قد نشأ في مارس 2011 ، فيما تم عزل القاضي حسون في ديسمبر 2010 أي قبل أشهر قليلة، بتهم مختلفة أبرزها الاخلال بسرية مداولات مجلس القضاء الأعلى ولكن أيضا بقضايا رشوة.