شاهدت صحافية فيديو مجتزأ لمسرحية "لماذا رفض سرحان سرحان ما قاله الزعيم عن فرج الله الحلو في ستيريو 71" للكاتب الراحل عصام محفوظ والمخرجة لينا خوري، فاعتقدت أنها تمسّ بالديانة المسيحية. قررت في مقالها اتهام القيّمين على العمل "بإهانة المسيحيين" من خلال "الاستهزاء بطقوسهم". هاجمت المخرجة والممثل الذي يلعب دور الكاهن "والذي لا ينتمي الى الديانة المسيحية". واعتبرت أن من شارك في العمل "سخر من الطائفة المسيحية" وأن عليه تالياً أن ينال عقابه. دقيقتان ونصف كانت كفيلتين بإصدار تلك الأحكام من كاتبة اعترفت بأنها لم تشاهد العمل ولم تتطلّع على نص المسرحية من قبل. ختمت مقالها بمناشدة أجهزة الرقابة الأمنية والدينية التدخّل لمنع استمرار هذه "الإساءة" معتبرة أن "التطاول على الدين بهذه الطريقة مكلف جداً[1]". وبالفعل، تحرّك المركز الكاثوليكي للإعلام في أقلّ من 24 ساعة وطلب منع عرض المسرحية مجدداً لحين اطلاعه عليها[2]. لم يتّصل بمخرجة العمل لاستيضاحها، لم يكلف نفسه عناء مشاهدتها أو الإطلاع على النصّ. اكتفى بمقال صحفي تحريضي في عمقه وبمجموعة من المواقف على الفايسبوك ليطالب بتعليق حرية التعبير إلى أن يتسنى له هو الاطلاع على المسرحية والتدقيق فيها. وبكلمة أخرى، الشبهة وفق هذا المركز تكفي للمطالبة بمنع حرية الإبداع الفني والتعبير.

"طلبت من الأمن العام رفض عرض المسرحية مجدداً الى حين اطلاعنا عليها بحكم بروتوكول التعاون بيننا الذي يقضي بسحب أفلام أو مسرحيات تمسّ بالدين. نحن نعمل سوياً منذ حوالي 20 سنة تحت الضوء". قالها الكاهن عبدو أبو كسم، مدير المركز الكاثوليكي للإعلام في حلقة تلفزيونية مؤكداّ بذلك ما بات معروفاً.

فقد جرت العادة على إستشارة المؤسسات الدينية في الأروقة الداخلية لمبنى المديرية قبل إعطاء ترخيص بالعرض. ولكن، الجديد هنا هو الصراحة الخطابية التي رافقت هذا التدخل حيث ذكر للمرة الأولى وجود بروتوكول بين المركز والأمن العام، وإن بقيت شروط هذا البروتوكول سرية. واذ جاهر أبو كسم بهذه العادة التي كانت تحصل "تحت الضوء"، في المطبخ الداخلي، بدا وكأنه يعلن تدشين مرحلة جديدة تخرج فيه هذه العلاقة من العتمة إلى العلن. ومردّ اندفاعه إلى إعلان هذه العلاقة هو على الأرجح استياؤه إزاء ما رآه تجاوزاً من قبل الأمن العام في استشارة المركز. وهذا ما يتأكد في تصريح عضو آخر في المركز الكاهن فادي تابت. فهذا الأخير لم يجد حرجاً في مساءلة الأمن العام عن السماح بعرض "سيناريو بهذه التفاهة والاستخفاف بالمسيحية". كما أنه عاد وذكره صراحة بواجباته تجاه المركز الكاثوليكي، "فمن المفترض أن يمرّ العمل على المركز لأخذ موافقته، فموافقته تعتبر شرطاً أساسياً للعرض[3]". وبالتالي، ركّز عضوا المركز على وجوب احترام دوره في الموافقة على عرض المسرحيات والأعمال الفنية الخاضعة للرقابة على المؤسسات الدينية المعنية كلما تضمنت ما قد يشكل تحقيراً أو انتقاصاً للدين، قبل السماح بعرضها. وبكلام آخر، جاء الإعلان عن العلاقة التي انبنت تحت الضوء بمثابة احتكام للرأي العامّ، المسيحي بالدرجة الأولى، وصولاً إلى شرعنة الأعراف المعمول بها كقواعد معروفة من العامّة وملزمة، فلا تتكرر مخالفتها.

وفي حال التسليم بذلك، تصبح حرية الإبداع والتعبير رهن تقدير مؤسسات طائفية غير رسمية، لا تجد حرجاً في تحريض أتباع الطوائف ضد هذا العمل أو ذاك، كلما تحسّست من قول أو مشهد فيه. وتصبح في موازاة ذلك المؤسسات الرسمية المكلفة قانوناً بمهمة الرقابة مجرّد أدوات لتنفيذ أوامرها ومراعاة هواجسها. واللافت أيضا في هذه القضية، هو أنها كشفت عن المدى الذي قد تصله مراعاة "هذه الحساسية"، بحيث تصبح الشبهة حول عمل معيّن كافية لمنعه، من دون أيّ تدقيق جدّي.

نشر في العدد 34 من مجلة المفكرة القانونية.
 


[1] ريتا الجمّال. بالفيديو...مسرحية لبنانية تهين "المسيحية" وبطلها ممثل معروف. موقع "ليبانون ديبايت"، 7 كانون الأول 2015
[2] الامن العام كان قد وافق على عرض العمل باعتبار ان المسرحية التي كتبت عام 1971 وعرضت حينها لا تمس بالمعتقدات المسيحية.
[3] http://bit.ly/1YtONTT. تمت زيارة هذا الموقع في 16 كانون الأول 2015.