"المحكمة الروحية هشة، والقضاة يهتمون لأمر الرجل ويقفون في صفه". هو الإستنتاج الذي توصلت اليه  ميرنا (اسم مستعار) بعد ثلاث سنوات مرت على تقدمها بدعوى بطلان زواج أمام المحكمة المارونية. فبعد تعرضها وأبنائها لعنف زوجها، قررت أن تتقدم بدعوى بطلان زواج، مستندةً الى عنف مثبت بتقارير الطبيب الشرعي وفيديوهات. ولضمان إبقاء أولادها معها الى حين البت بدعوى البطلان ومن ثم الحضانة، أخذت ميرنا أولادهاوإنتقلت الى بيت آخر. وعلى الرغم من العنف المثبت، وسيرة الزوج السيئة لهذه الناحية، لم يصدر منذ بدء الدعوى أي قرار، إلا بعض القرارات الإعدادية المتعلقة بمنح الأب حق المشاهدة، ومحاولات عديدة ومستمرة لإعطائه حقّ اصطحاب أولاده. من بين هذه المحاولات مثلاً، ما إكتشفته ميرنا من تواطؤ أحد الأشخاص في المحكمة مع زوجها، من خلال إرساله إلى طبيب يحصل منه على تقرير يفيد بسلامته النفسية، وينقض به سائر التقارير المبرزة والتي تثبت العكس. تعتقد ميرنا أن المحكمة ستتخّذ الآن قراراً يسمح للأب بإصطحاب أولاده على الرغم من سلوكه العنيف. والحال أن القاضي لم يخفِ توجهه هذا عندما أخبر ميرنا أنه "يهتم بأن يعطي الأب حق إصطحاب أولاده". وما يزيد الأمر سوءاً بالنسبة للأم، أن المحكمة المارونية لا تستمع إلى الأولاد عندما تتخذ قرارات مماثلة.

في الثامن من شهر كانون الأول الحالي دخلت "الإرادة الرسولية" الرامية الى تسهيل دعاوى البطلان أمام المحاكم الروحية حيز النفاذ. والإرادة عبارة عن تعديل لقانون الكنائس الكاثوليكية الشرقية. وهي تنص على "استبدال كامل العنوان السادس والعشرين من مجموعة قوانين الكنائس الشرقية، الفصل الأول، الباب الأول، الخاص بدعاوى إعلان بطلان الزواج". لا تسري هذه التعديلات على الدعاوى القائمة ومن بينها قضية ميرنا الا جزئياً، لناحية الإستئناف.

"المحاكمة الأقصر": تسهيل البطلان لدى الكاثوليك

أهم ما جاءت به هذه الإرادة هو فتح باب أمام "المحاكمة الأقصر" في قضايا بطلان زواج، بالإضافة الى إلغاء إلزامية الاستئناف في دعاوى البطلان، وضمان مجانية التقاضيمع مراعاة حقوق العاملين في المحاكم. وينص التعديل على أن تقصير أمد الدعوى يتعلق بالانتظام عام، بحيث يكون للقاضي إتباع أصول المحاكمة الأقصر متى إكتملت شروطها حتى لو لم يطلب المتقاضون ذلك.

وعلى الرغم من صيغة الـ "استبدال" في الإرادة، يعتبر رئيس محكمة بيروت للروم الكاثوليك أندره فرح في حديث مع المفكرة القانونية، أن "الرسالة البابوية أدخلت فقط بعض التعديلات ولم تلغِ باقي الأحكام القانونية". يجد فرح أن الإرادة تتمحور بشكل أساسي حول "استعادة دور الأسقف في أبرشيته". وهو لهذه الناحية يلتزم بقراءة مجلس الأساقفة الروم الكاثوليك. والأخير كان قد اجتمع مؤخراً لمناقشة آلية تطبيق الإرادة. وأفضى الإجتماع الى نتيجة مفادها أن "الأسقف هو القاضي في أبرشيته وهو الذي يصنف الدعاوى بين الأقصر والعادية ويقرر في الدعاوى الأقصر". ويشدد فرح على نقاط ثلاث يجدها أساسية: التسهيلات لا تعني أن الباب بات مفتوحاً أمام دعاوى البطلان بدون ضوابط، فمن الضروري إثبات توافر شروط البطلان في كل حالة. كما يشير إلى أن الدعوى لم تصبح مجانية بالمطلق.

وبالعودة الى مضمون الإرادة، فهي توضح معايير الإصلاح التي انبنت عليها. أولاً وقبل كل شيء عدم إلزامية الحصول على حكمين متطابقين ببطلان الزواج في المرحلتين الابتدائية والاستئنافية. بالمقابل تحفظ الإرادة حق الإستئناف في الدعاوى الزوجية "إحتراماً لمبدأ قانوني قديم"، أي حق التقاضي على درجتين. وللأساقفة حصة أساسية في "الإصلاح". فتتأمل الإرادة بداية منهم أن "لا يفوّض الأسقف بالكلية الى دوائر الأبرشية وظيفته القضائية في الشأن الزوجي"، وذلك "بشكل خاص في المحاكمة الأقصر التي تقرر لبتّ حالات البطلان الأكثر وضوحاً". ثم تعود الإرادة لتكريس "حق الأساقفة في تنظيم السلطة القضائية داخل كنيستهم". والأهمّ، "جعل دعاوى الزوجية أكثر مرونة" من بين المعايير الإصلاحية. ويضاف الى ما تقدم "العمل على تأمين مجانية التقاضي مع الحرص على تأمين البدل العادل واللائق للعاملين في المحاكم".

والعمومية في عبارة "جعل دعاوى الزوجية أكثر مرونة" تجد تفسيرها في التعديلات التي تطال الإجراءات الخاصة بالبطلان، بغضّ النظر إن كان يستحق أن يخضع للمحاكمة الأقصر أم لا. وعلى سبيل المثال كان يشترط سابقاً "رضى النائب القضائي" لمكان إقامة المدعى عليه، لانعقاد إختصاص محكمة المدعي. وكان يشترط هذا الرضى أيضاً، لينعقد اختصاص محكمة "المكان الفعلي" الذي يجب أن تجمع فيه معظم البيانات. 

 وجاءت الإرادة لإختصار التعقيد لهذه الناحية بحصر الإختصاص بمحكمة أحد المتداعين أو كليهما لسكنه أو شبه سكنه أو محكمة مكان جمع البيانات بدون أي شروط سابقة على إنعقاد الإختصاص. كما تلزم الإرادة الأسقف أن يتولى "بشكل مباشر دعاوى البطلان"، أو "ينشئ محكمة" لأبرشيته يوّكلها بعض الأمور. ولو تعذر إنشاء المحكمة فتتيح الإرادة له أن "يوكل الدعاوى الى قاض ومعاونين مشهود لهم بالسمعة الحسنة". بهذا تكون قد ألزمت الأساقفة بتولي هذه الشؤون ما يخفف من ضغط الدعاوى عن المحكمة، ويسرّع سير دعاوى البطلان كافة.

عند استلام القاضي للدعوى، عليه أن يدقق في أساسها، أي وجود شروط جوهرية للبطلان وفقاً للتعاليم الكاثوليكية. وبناءً عليه، يقبلها أو يرفضها. فإذا قبلها، وفي حال كانت موقعة من الطرفين، يعرضها على محامي الوثاق ويقرر بعد ذلك ما إذا كانت تخضع للمحكمة المختصرة أم العادية ويبلغ قراره مباشرة الى الطرفين. ولا تفتح الإرادة الباب واسعاً أمام تطبيق الدعوى الأقصر. فالحالات التي "يحق فيها للأسقف قبول المحاكمة الأقصر"، تنحصر بشرطين: أن "يتقدم بالدعوى أحد الزوجان أو كلاهما على أن يكونا على توافق". كما يجب أن "تتوفر ظروف وقائع وأشخاص معززة بوثائق لا تحتاج إلى أي إستطلاع أو تحقيق أدق من شأنها أن تظهر بطلان الزواج بوضوح".

وفي مطلق الأحوال، وبعد صدور الحكم في أساس البطلان، يكون للطرفين ولمحامي الوثائق خيار الاستئناف. ويمكن لمحكمة الإستئناف أن ترفض الدعوى أمامها لو إتضح لها أن الغاية منها هي المماطلة. أما إذا لم يستأنف الحكم يصبح للطرفين حق عقد زواج قانوني جديد.

لا يحمل التعديل أي شيء جوهري يذكر، كربط العجلة بأسباب البطلان نفسها، أو أسباب طلبه. فلا تجد التوصية في العنف الزوجي مثلاً سبباً لإعتبار الدعوى تستحق أن تكون مختصرة. لا بل تقتصر لناحية العنف على ذكر "العنف الجسدي المؤثر في الرضا"، لإعتبار الزواج باطلا. هذا الأمر يؤكده فرح. ويضيف أن الدعوى لا يمكن أن تتخذ المسار الأقصر في ظل وجود أي نزاع بين الطرفين، حتى لو كان النزاع على الحضانة فقط. بالتالي، وعلى الرغم من إمكانية البت بشأن الزواج بالتوازي مع قضية المشاهدة والإصطحاب، وترك مسألة الحضانة للنظر فيها خلال وقت أطول لو لزم الأمر، الا أن تفسير فرح هو أول تفسير معرقل لنص الإرادة التي لا  تتضمن ما ينفيه أو يؤكده.

والحال أن هذا التعديل الطفيف بالنسبة للطوائف الكاثوليكية، على أهميته في ظل تعددية قوانين الأحوال الشخصية، يبقى وحيداً بين قوانين جميع الطوائف الأخرى.

دليل وتدريب للمحامين

وبهدف إدخال الأصول الجديدة حيز التنفيذ بسهولة أكبر، عقدت جلسة مع مجموعة من المحامين في الكنائس الكاثوليكية، تم خلالها إطلاعهم على مضمون الإرادة الرسولية والغاية منها. من بين المحامين، المحامية نايلة حاتم التي توضح لـ"المفكرة القانونية" أن الغاية الأساسية خلف هذه الرسالة هي دفع الكاثوليك الذين تركوا طائفتهم ليتمكنوا من إبطال زواجهم للعودة الى طائفتهم. بالإضافة الى الحد من هذه الظاهرة بالنسبة للذين لم يريدوا الأخذ بهذا الحل. وفي التفاصيل أن الكنائس الكاثوليكية كانت في السابق لا تعترف بالبطلان أو الطلاق الحاصل أمام مرجعيات أخرى في حال عاد الشخص الى طائفته الكاثوليكية بعد إنهاء الإنفصال عن زوجه. أما الآن فباتت تعترف به، وتسهل معاملات البطلان، ما يتيح للكاثوليك بالعودة الى طوائفهم.

وقد تم توزيع "الإرادة الرسولية" وعنوانه "يسوع العطوف الرحيم"، باللغة العربية على المحامين. ويرد البابا فرنسيس "قراره بإصدار القواعد الإصلاحية في هذه الإرادة الرسولية الخاصة بالشرقيين" الى "خصوصية التنظيم الكنسي والقانون الخاص بالكنائس الشرقية". ويأخذ البابا عن الشرقيين نظرتهم للأسقف على أنه "قاض وطبيب"، ليقول أن "السلطة القضائية تشكل المكان المميز حيث يحمل الأسقف من خلال تطبيق مبدأي التدبير والرحمة، رحمة الرب الشافية الى المؤمنين المحتاجين اليه". ويضيف البابا أن كل ما أورده في الإرادة "يندرج في خطى أسلافي الذين أرادوا معالجة دعاوى بطلان الزواج بالطرق القضائية، لا الإدارية، ليس لأن طبيعة الأمور تقتضي ذلك، بل بضرورة حماية حقيقة الوثاق المقدس بأقصى درجة، وهذا ما تؤمنه ضمانات النظام القضائي".

وتندرج أحكام الإرادة ضمن قسمين، يتمحوران حول "إصلاح قوانين أصول المحاكمات"(القسم الأول) و"قواعد أصول المحاكمات في معالجة دعاوى بطلان الزواج"(القسم الثاني). وينطوي كل من الفصلين على 6 فصول، تتعلق بـ" المرجع الصالح والمحاكم، حق الطعن في الزواج، فتح الدعوى والتحقيق فيها، الحكم والطعون وتنفيذه، المحاكمة الزوجية الأقصر أمام الأسقف، المحاكمة الوثاقية"، يضاف اليها في القسم الأول "أحكام عامة" أهمها، ضرورة "تنبيه الطرفين في الحكم الى ما قد يلزمهما من واجبات أدبية أو مدنية تجاه بعضهما البعض أو إتجاه أولادهما من أخل توفير ما يلزم للمعيشة والتربية".

وتعتبر هذه الإرادة ملزمة للمحاكم الكاثوليكية، ويورد البابا في متنها ما يؤكد إلزاميتها. "إن ما رسمته في هذه الإرادة الرسولية آمر أن يكون صحيحاً وفاعلاً بالرغم من أي تدبير معاكس ولو كان جديراً بالتقدير".