تتعقّد في لبنان أواصر العلاقة بين الأولغارشية الحاكمة المثلّثة الأضلع أي الطبقة السياسية،  المصارف والمؤسسات المالية والمؤسسات الدينية. وليس مستغرباً أن تظهر هذه العلاقة في وجوه مباشرة كثيرة كالإنتخابات، الدين العام الداخلي، التعيينات الوزارية والإدارية والعسكرية والأمنية والقضائية، البروتوكولات الرسمية والدينية... كما في وجوه غير مباشرة أو مبطّنة متعدّدة كالتوظيف في القطاعين العام والمصرفي، الخدمات المناطقية، تمويل قطاعي التعليم والصحة... ولعلّ مثالي تجاذبات سلسلة الرتب والرواتب وكيفية تمويل المحكمة الدولية (في ظلّ حكومة الرئيس ميقاتي) تُظهران بوضوح تشابك المصالح بين المصرفيين والساسة ورجال الدين والأعمال. لكنّ المُستغرب أن تتشابك مصالح أضلع هذه الأوليغارشية في ميادين يُفترض أن يكون الضلع الديني الأبعد عنها ككازينو لبنان.

يهدف هذا المقال إلى إظهار كيف يُؤدي توزيع الحصص والأرباح في كازينو لبنان بطرقٍ صريحةٍ إلى إيصال جزءٍ من العائدات إلى الهيئات والجمعيات ذات الطابع الديني أو الملحقة بالمؤسسات الدينية بطريقة غير مباشرة، بتجاوز صريح للنصوص الدينية التي تحرّم أو أقله لا تكره لعب الميسر.

البوكر المكشوف، بين حصص الدولة والسلطتين السياسية والمصرفية

مع وضع ما يُسمّى "شركة إنتراأو Intra Invest Co SAL" وما يُحكى عن صناديق سوداء تضمّ نسبة من أرباح الكازينو جانباً، فإنّ مجرّد النظر إلى بعض الأسماء الظاهرة للأشخاص، الطبيعيين[1] والمعنويين[2]، المساهمين في كازينو لبنان كفيلٌ بإظهار العلاقة المتداخلة وغير المُستغربة بين الضلعين السياسي والمصرفي للأوليغارشية الحاكمة.[3]

تتمّ عملية التوزيع الأولى لعائدات الكازينو بشكل ظاهر بين الدولة والمساهمين السالف ذكرهم.فمنذ إقرار قانون القمار في 4/8/1954، لا يجب أن تقلّ عائدات الدولة عن 40% من مجموع الدخل السنوي غير الصافي الناتج عن الألعاب بحسب المادّة 2 من القانون السالف ذكره. وبعد الحرب، تحديداً في العام 1994، صدر القانون رقم 320 الذي أعاد تحديد عائدات الدولة ب 30% في العشر سنوات الأولى، 40% في العشر سنوات الثانية و50% في العشر سنوات الثالثة.

البوكر المستور، بين حصص الدولة والسلطات الدينية

رغم أنّ قانون القمار اشترط في مادته الأولى لترخيص استثمار نادي القمار وللسماح بلعب الميسر أن يبتعد مكان هذا النادي عن بيروت وطرابلس وصيدا مسافة لا تقل عن 15 كيلمتراً لأسباب مرتبطة بالجغرافيا-الطائفية (ليست بحاجة لشرح)، إلا أنّه احتفظ لكافة مكونات الديمغرافيا-الطائفية بحصصها من عائدات الدولة من نادي القمار. ورغم إلغاء بعض نصوص قانون القمار (4/8/1954) المخالفة لأحكام القانون 320 لعام 1994 إلّا أن تحديد كيفية توزيع عائدات الدولة لا يزال قائماً وفق قانون القمار القديم.

بعد التوزيع الأول بين الطبقة السياسية والمصارف، تُقتطع من عائدات الدولة حصّة مخصّصة مواربةً للمؤسسات الدينية. حيث أنّ تشابك مصالح ونفوذ أضلع الأوليغارشية الثلاثة تجعل من الصعب تجاهل إحداها في توزيع مغانم الكازينو. فبحسب المادة 6 من قانون القمار المقرّ في مجلس النواب والموقّع من الرئيس كميل شمعون ورئيس مجلس الوزراء عبد الله اليافي، تحديداّ النقطة الثانية منه، تحوّل 20% من عائدات الدولة من الكازينو إلى الوزارة التي تعنى بالشؤون الإجتماعية (لم تكن وزارة الشؤون حقيبة مستقلّة في حينه بل كان وزير الشؤون لديه بالأساس حقيبة أُخرى وكان يقترح على مجلس الوزراء كيفية توزيع العائدات[4])؛ فتكتمل بذلك أضلع الأوليغارشية. فالنظر إلى نفقات وزارة الشؤون الإجتماعية كفيل بإظهار القطبة المخفية، هذه القطبة التي لم تغيرها بعد الحرب تواقيع المجلس النيابي والرئيس الياس الهراوي ورئيس مجلس الوزراء رفيق الحريري على القانون 320/1994. حيث أنّ 96.75% (أي 000 000 775 193 ل.ل.) من موازنة وزارة الشؤون الإجتماعية (البالغة 000 500 272 200 ل.ل.[5]) تُعطى إلى "هيئات لا تتوخّى الربح" والتي تتضمن مجموعة، غير محدّدة في الموازنة، من الجمعيات والهيئات والنوادي الدينية أو ذات الطابع الديني أو المرتبطة بالمؤسسات الدينية، فيما يُعطى أيضاً 000 000 400 ل.ل. إلى كاريتاس من وزارة الشؤون ولكن من خارج حصّة ال "هيئات التي لا تتوخّى الربح"[6]. أي أنّ جزءّ كبيراً من تمويل المؤسسسات والهيئات والجمعيات الدينية عبر وزارة الشؤون الإجتماعية هو بالأصل من كازينو لبنان. فانخفاض أرباح الكازينو، يؤدي إلى انخفاض عائدات الدولة منها، مما يُخفّض المبلغ المخصّص لوزارة الشؤون، فينعكس هذا الأمر سلباً على موازنة الهيئات ذات الطابع الديني والخيري والرعوي.

وعلى سبيل المثال فقد بلغت الإيرادات المتوقّعة لصالح الدولة من الكازينو 000 000 000 165 ل.ل. عام 2012[7]. وباحتساب 20% منها أي 000 000 000 33 ل.ل. تظهر قيمة التحويلات التي تصل إلى وزارة الشؤون الإجتماعية؛ ثم، عبر هذه الأخيرة، يصل مبلغ لا يمكن تحديده بدقّة إلى الجمعيات والهيئات المرتبطة، مباشرة أو غير مباشرة، بالمؤسسات الدينية أو ذات الطابع  أو البعد الديني. وهذا الأمر يعني أنّ حصّة وزارة الشؤون الإجتماعية من عائدات الدولة من الكازينو توازي 17% من تقديمات وزارة الشؤون إلى "الهيئات التي لا تتوخّى الربح" وكاريتاس، والبالغة 000 000 175 194 ل.ل.، أي أنّ 20% (حصّة الوزارة) من ال 40% من عائدات الكازينو (حصّة الدولة) تذهب إلى مؤسسات غالبها ذات طابع ديني. وهذا الأمر يدفعنا إلى القول بأن عدداّ من الهيئات والجمعيات المُلحقة أو المُدارة بشكل أو بآخر من الطوائف الدينية تحصل على جزءٍ من إيرادات الكازينو. وبوضوح تبلغ حصّة السلطات الدينية 8% من أرباح كازينو لبنان أي أنّ ارتفاع عائدات الكازينو يُؤدي إلى زيادة المساعدات إلى الهيئات ذات الطابع الديني والخيري والرعوي.

قد تكون هذه النتيجة مفاجئة لغير الإقتصاديين؛ إلّا أنّها تلتقي مع "اسطورة النحل"[8] لبرنارد ماندفيل والتي تشير إلى إمكانية استيلاد الخير العام من الرذائل الفردية التي تدفع نحو الازدهار الإقتصادي.
 
نشر في العدد 34 من مجلة المفكرة القانونية


[1] عباس سليم حلبي، ميشال فؤاد فرنيني، نبيل إنطوان كرم، منير خالد فتح الله، خلدون خالد مرعبي، حسين بهجت درويش، إيلي أنيس غريّب، فريد نقولا الحداد، يوسف ساسين الراعي، أمال بديع فهد، محمد هاشم عبد الرحيم طبارة، حسان عبد الرحيم زيات، ألبير بطرس سعادة، حميد ابراهيم كريدي، فريد إميل سليمان، مجيد عارف جنبلاط، هشام محمد ناصر، فادي زاهر تميم وجورج نخلة؛ دون إغفال ذكر آل أبيلا.
[2] فالمساهمون من المصارف في الكازينو هم: Blominvest Bank SAL، Banque Libano-Française SAL، Bank Audi SAL،National Institute For Guarantee of Deposits SAL ، F.F.A. (Private Bank) SAL، Credit Commercial & Foncier SAL، National Bank of Kuweit (Lebanon) SAL.             
[3] الأسماء المنشورة حول المساهمين الطبيعيين والمعنويين في الكازينو تعود إلى مستندات موثوقة (غير منشورة علناً) أتحفّظ عن ذكر مصادرها حالياً؛ يُمكن الكشف عن المستندات في وقت لا حقٍ ومناسب إذا إقتضى الأمر.
[4] تغيّر واقع وزارة الشؤون الإجتماعية : كانت قديماً حقيبة مستقلّة حيث كان لكل وزير عدّة حقائب (فحين إقرار قانون القمار عام 1954 كان رشيد كرامي وزيراً للإقتصاد وللشؤون الإجتماعية) ثم ألحقت بوزارة العمل (منذ حكومة رشيد كرامي الثالثة في عهد الرئيس شهاب عام 1959 إلى نهاية حكومة شفيق الوزان الأولى في عهد الرئيس الجميل عام 1984)، ثم عادت مستقلة لوزير بعدّة حقائب (منذ حكومة رشيد كرامي الأولى في عهد الرئيس الجميل عام 1984 إلى حكومة رشيد الصلح في عهد الرئيس الهراوي عام 1992)، ثم أصبحت وزارة دولة للشؤون الإجتماعية والمعاقين (في حكومة الحريري الأولى في عهد الرئيس الهراوي عام 1992) إلى أن تحوّلت إلى وزارة الشؤون الإجتماعية (بوزيرٍ ليس له حقيبة أُخرى منذ حكومة الحريري الثالثة عام 1994) واستمر الواقع على هذا الحال إلى اليوم.
[5]مشروع الموازنة، الجزء 1، مجموع الباب رقم 24 مضافاً إليه من الجزء 2 (أ)، مجموع الباب رقم 24.
[6] المبلغ المتبقي من موازنةوزارة الشؤون الإجتماعية (000 500 097 6  ل.ل.) لديه استعمالات أخرى.
[7]مشروع الموازنة، الإيرادات، الباب 2: الإيرادات غير الضريبية، الفصل 26: حاصلات ادارات ومؤسسات عامة / املاك الدولة، البند 261: حاصلات من ادارات ومؤسسات عامة غير مالية، الفقرة 26101، بيان التبويب: ايرادات كازينو لبنان.