(القضاء الليبي) قد يكون من المفيد للذين يطالبون بتطبيق المادة 95 من قانون التنظيم العدلي التي تسمح بتطهير القضاء التدقيق في الحكم الصادر عن المحكمة العليا الليبية في 11-11-1377 (2009). وكان أحد القضاة قد أحيل في 2007 الى المجلس التأديبي الذي أصدر بحقه قرارا بنقله الى وظيفة غير قضائية، فقدم هذا الأخير طعنا دستوريا ضد قانون نظام القضاء (مادة 93) الذي لا يجيز له الطعن فيه بأي طريق من طرق الطعن. وقد خلصت المحكمة العليا آنذاك الى قبول الطعن بعدم دستورية المادة 93 من القانون فيما تضمنته من عدم جواز الطعن في الأحكام التي يصدرها المجلس الأعلى للهيئات القضائية في الدعاوى التأديبية. وقد بحثت المحكمة في حكمها أمورا ثلاثة:
الأول يتصل بحق التقاضي، فرأت أن النص يمس بحقي التقاضي والمساواة أمام القانون وهما حقان أساسيان كرستهما الوثائق الدستورية وأنه يقيد في الوقت نفسه السلطة القضائية في مباشرة ولايتها، وهذا ما سبق للمحكمة العليا أن اعتبرته أمرا غير دستوري في سياق نظرها في تشريعات أخرى مانعة من التقاضي،
الثاني هو مدى توفر مبررات لاستبعاد هذين الحقين الأساسيين، فرأت أنه لم يتبين وجود أي ضرورة أو ظروف استثنائية أو مصالح عليا أو اعتبارات تتعلق بالأمن والنظام العام تسمح باسباغ الحصانة على مثل هذه القرارات الادارية القابلة بطبيعتها للالغاء،
الثالث يتصل بما اذا كانت صفة القاضي تبرر بحد ذاتها تجاوز القواعد العامة في هذا المجال. وفي هذا السياق، أفردت المحكمة حيثية بالغة الأهمية: فبعدما أكدت أن "القضاة وهم من ضمن فئات المجتمع يكون من حقهم كباقي الأفراد اللجوء الى المحاكم لدرء أي مساس بحقوقهم"، رأت أيضا أن صون هذه الحقوق أمر يستوجبه الحفاظ على حسن اداء الوظيفة القضائية: فعلى القاضي "أن يقضي بين الناس بالحق والعدل وهو يعلم أنه محروم من هذا الحق اذا حدث مساس بحقوقه". وهذه الحيثية انما تشكل تنبيها واضحا ازاء خطورة فتح الباب أمام تدابير من شأنها الانتقاص من حقوق القضاة على نحو يجعل أوضاعهم هشة ويؤثر بالنتيجة على حقوق المتقاضين كافة.
 
نشر في العدد الخامس من مجلة المفكرة القانونية