لا تتوفر معلومات كثيرة حول مشكلة إنعدام الجنسية في ليبيا. فلا المفوضية السامية للأمم المتحدة لشؤون اللاجئين (١) ولا أي مصدر رسمي آخر يملك رقماً عن عديمي الجنسية في البلاد. لكن ثمة مؤشرات بأنّ انعدام الجنسية قد يشكل مسألة ذات شأن كبير في ليبيا. فالتركيز على هوية ليبيا العربية وسياسات "التعريب" المرتبطة بذلك والتي طبقت خلال فترة حكم الرئيس السابق معمر القذافي (١٩٦٩ – ٢٠١١)، أوجدت على ما يبدو عوائق أمام الحصول على الجنسية من قبل مجموعات عدة من الأقليات غير العربية الموجودة في البلاد (٢). ومن بين هؤلاء البربر (الأمازيغ)، والطوارق، والتبو. لقد حُرم عدد كبير من الأفراد المنتمين لهذه المجموعات من أية أوراق رسمية في أوقات مختلفة، وبعضهم قد يكون بالفعل معدوم الجنسية (٣).

فيما يبقى أن نرتقب كيف سيتم التعاطي مع هذه الأقليات في ليبيا ما بعد الثورة، تشير التقارير الأولية أنّ أي حالة من انعدام الجنسية الموجودة داخل هذه المجموعات لن يتم حلّها قريباً. وسيكون ضرورياً التأكد من أنّ وجود الأقليات غير العربية معترف به كلياً وأن تكون القوانين المتعلقة بالجنسية ومنحها مطبقة بأسلوب غير تمييزي. ومن أجل ذلك، هناك حاجة لتحليل أفضل لوضع الطوارق ومجموعات الأقليات الأخرى، من أجل فهم وضعهم الحالي فيما يتعلق بالجنسية، واستكشاف الحلول لحالات انعدام الجنسية حيثما وُجدت.

يعالج هذا القسم بعض التحديّات المرتبطة بتعريف انعدام الجنسية في ليبيا، عبر التركيز على وضع مجموعة من التي ذكرناها أعلاه، أي التبو. لقد تأثرت أوضاعهم أيضاً بالسياسات التاريخية المرتبطة بالتعريب. حين يحاول المرء فهم الوضع القانوني للتبو، يظهر المزيد من التعقيد في الخلاف بين التشاد وليبيا حول السيادة على "قطاع أوزو". لقد أدى الخلاف بين الطرفين إلى غموض حيال مسألة حصول سكان المنطقة أو المرتبطين بها على الجنسية، وهي مشكلة طالت التبو بشكل خاص لأسباب عدة.وقد استند هذا القسم على مقابلة شاملة مع عضو المجلس الوطني للتبو السيد محمد السنوسي. فقد قدمت معلوماته المكثفة والرسمية عن وضع التبو رؤية فريدة لحالهم داخل المجتمع الليبي وتحت حكم القانون الليبي. 

التبو قبيلة صحراوية بدوية تقليدية عاشت طويلاً في المنطقة الواقعة بين حدود ليبيا وتشاد والنيجر الحاليين. لا توجد إحصاءات يمكن الركون لها حول حجم القبيلة اليوم، إذ تتراوح التقديرات ما بين ١٢٠٠٠٠ شخص إلى بضعة مئات الآلاف موزعين بين هذه الدول (٦). يعيش في ليبيا عشرات الآلاف، وتاريخياً كانوا يتركزون في مناطق جنوب شرق البلاد القليلة السكان، وخصوصاً في جبال التيبستي، على طول الحدود مع التشاد.

يعرف الجميع أنّ التبو عانوا مطولاً من الاضطهاد والقمع في ليبيا (٩). كان ذلك أكثر شدة في ظلّ نظام القذافي، حين كان لسياسات التعريب والنقاء العرقي تأثير كارثي على كل الأقليات غير العربية في البلاد. لقد عرّف الإعلان الدستوري في العام ١٩٦٩ ومن ثم "إعلان قيام سلطة الشعب" في العام ١٩٧٧، عرفا ليبيا كدولة عربية، مع لغة رسمية هي العربية فقط. كان التبو ضحايا تمييز متعاظم وأجبروا على ترك أماكن عيشهم المعتادة:

قبل القذافي، لم تكترث السلطات الليبية كثيراً بالصحراء التي عاش فيها التبو، أو فيهم بشكل أخص، لكن سرعان ما تغيّر الوضع. ابتداء من العام ١٩٧٣، بدأ القذافي بدفع التبو خارج الصحراء، وأعلنها منطقة عسكرية، وبنى قواعد عسكرية في عدد من الأماكن. كان ذلك جزء من سياسة التعريب الأكبر التي طبقها القذافي في كلّ البلاد، وشملت دعوة عرب من الدول المجاورة للانتقال إلى ليبيا وتهميش الأقليات غير العربية مثل التبو. تم تهجير التبو (١٠).

لقد أدى تهجير التبو على نطاق واسع إلى تفرقهم في ليبيا وفي بعض الأحيان إلى خارج الحدود في دول مجاورة. في ظلّ حكم القذافي، حُرم التبو أيضاً من القدرة على الحصول على التعليم، والطبابة وخدمات أساسية أخرى (١١).

خلال السبعينات، تحت حكم القذافي، سعت ليبيا للسيطرة على المنطقة المشار إليها بقطاع أوزو، وهي منطقة غنية بالمعادن وكانت تابعة لجار ليبيا الجنوبي أي التشاد. اجتاحت القوات الليبية القطاع وأقيمت قواعد عسكرية للإبقاء على السيطرة. وبدأت السلطات المدنية الليبية بتسجيل سكان قطاع أوزو كمواطنين ليبيين ومنحتهم أوراقاً رسمية وفقاً لذلك. في الوقت عينه، كان التبو يجبرون على الانتقال إلى هذه المنطقة والتسجيل للحصول على أوراق ثبوتية من الإدارة المدنية التي أقيمت في أوزو:

حين سيطر القذافي على قطاع أوزو، قرر أن يجعل كل التبو يعيدون تسجيل أنفسهم في أوزو. ومن أجل ذلك، انتقل التبو من كل أنحاء البلاد إلى أوزو للتسجيل ومُنحوا أوراقا ثبوتية، ودفاتر عائلة وجوازات سفر (جديدة) كمواطنين ليبيين (١٢).

التبو الذين عاشوا سابقاً في بلديات ليبية مختلفة ومُنحوا أوراقا ثبوتية منها، أتوا بأعداد كبيرة إلى أوزو للحصول على أوراق رسمية جديدة.
بعد عدة سنوات من الخلاف تم التوصل إلى وقف لإطلاق النار في العام 1987. حين لم يتمكن الطرفان من التوصل إلى اتفاق بشأن الأراضي الحدودية بين ليبيا والتشاد، تم طرح المسألة أمام المحكمة العدل الدولية، مع موافقة الطرفين على الالتزام بقرار المحكمة. صدر الحكم في ٣ شباط / فبراير ١٩٩٤ لصالح التشاد، أي بأنّ قطاع أوزو أرض تشادية (١٣). هكذا حلت المسألة واعترفت ليبيا بالحدود كما قررتها المحكمة.

لكن الصراع الطويل بين التشاد وليبيا حول قطاع أوزو أدى إلى تساؤلات حول وضع الجنسية للساكنين في المنطقة أو المرتبطين بها.في العام ١٩٩٦، أصدر القذافي المرسوم رقم ١٣ (١٤٨٥) من أجل تنظيم مسألة التمتع بالجنسية بعد إعادة أوزو إلى السيادة التشادية. وتقول الفقرة (د) من المرسوم إنّ "من يحمل أوراقاً ثبوتية صادرة عن المنطقة [أوزو] يعتبر أجنبياً ويخضع لأحكام القوانين المطبقة على الأجانب". وبدا وكأنّ ذلك سيكون قاعدة عامة حتى لو كان حاملو الأوراق من أوزو أجبروا على فعل ذلك وأنّ أصلهم من مكان آخر في ليبيا.  وبغض النظر عن التاريخ، فقد بدا وكأنّ التبو أكثر من تأثر بهذا المرسوم، وأصبحوا في خطر انعدام الجنسية:

بعد عقد على ذلك، في العام 2007، بدأت السلطات الليبية تنفيذ سياسة سحب وثائق الجنسية بشكل واسع من التبو، "معتبرة أنّهم ليسوا ليبيين بل تشاديين"(15). مجدداً، لا دليل على حصول أي تخمين لقانون الجنسية التشادي أو وضع الجنسية لدى أي من الأفراد المتأثرين، بل تم تطبيق السياسة بشكل أحادي واعتباطي. نتيجة لذلك، يمكن القول إنّ السياسات العائدة لعامي 1996 و2007 حيال الأشخاص الذين يحلمون وثائق من أوزو أدت إلى حصول حالات انعدام جنسية. ولم يتم حتى اليوم القيام بأي مسح أو تحليل لتأثير هذه المراسيم والوضع القانوني للأشخاص المستهدفين.

يزداد الغموض المحيط بالوضع القانوني للتبو – وأي جماعة أخرى مسجلة في أوزو خلال الاحتلال الليبي للقطاع – يزداد تعقيداً مع التغيير في السياسة في الشهور الأخيرة لحكم القذافي. في محاولة لتجنب أي معارضة أو فتح أي جبهة جديدة لثورة محتملة ضد الحكومة في الجنوب، ألغى القذافي مرسوم 1996 الذي سحب الجنسية من أي شخص مرتبط بأوزو. لكن من غير الواضح إلى أي حد تم ايصال هذا الامر الى السلطات المدنية والمحلية في وقت كانت فيه البلاد في فوضى كاملة. أكثر من ذلك، فيما يبدو أن بعض التقدم حصل لناحية السماح لبعض الأشخاص باستعادة جنسيتهم الليبيبة خلال الثورة في ليبيا، يبقى من غير الواضح ما هي القوة القانونية التي تتمتع بها اليوم المراسيم التي أصدرها القذافي في أيامه الأخيرة. على سبيل المثال، فيما قيل أن مرسوم 1996 ألغي في العام 2011 وتم الاعتراف بسكان أوزو كمواطنين مجدداً، حصلت مشاكل مع تسجيل الناخبين في انتخابات 2012 وبقي وضعهم مشككاً به. في هذا الإطار، قال مراقبو الانتخابات إنّ 1085 ناخباً أزيلوا من سجلات الانتخابات في الكفرة، مع إعطاء أسباب كان منها أنّ الموضوع يتعلق بالناس الذين "كانوا يسكنون في منطقة أوزو وليسوا بالتالي مواطنين" وفق مرسوم 1996 (16). بغض النظر عن الموضوع، فإنّ حجم ومدى انتشار مسألة انعدام الجنسية بين التبو اليوم غير معروف.
 


[1]صفحة ليبيا على موقع المفوضية السامية للأمم المتحدة لشؤون اللاجئين على الرابط التالي http://www.unhcr.org/pages/49e485f36.html

[2]  "مجموعة حقوق الأقليات الدولية" معلومات حول ليبيا تم تعديلها في آب أغسطس ٢٠١١ على الرابط التالي: http://www.minorityrights.org/4171/libya/libya-overview.html#current.








[10]مقابلة مع السنوسي، تشرين الثاني نوفمبر ٢٠١٢.


[12]مقابلة مع السنوسي، تشرين الثاني نوفمبر ٢٠١٢.


[14]مقابلة مع السنوسي، تشرين الثاني نوفمبر ٢٠١٢.



[17]مقابلة مع السنوسي، تشرين الثاني نوفمبر ٢٠١٢.