القضاء خسر معركتين كبيرتين في أسبوع واحد، معركتين سيكون لهما من دون ريب تأثير كبير على ثقة المواطنين بالقضاء والقانون.

المعركة الأولى خسرها المجلس الدستوري في 7 كانون الثاني في موقعة الطعن في قانون استعادة الجنسية. فرغم أن القانون خالف أحد أهمّ المبادئ الدستورية حين حصر انتقال الجنسية المطلوب استعادتها عن طريق الرجال، لم يجد أكثرية أعضاء المجلس الدستوري حرجاً في ردّ الطعن، وعملياً في إعلان دستورية القانون. وما يزيد هذا القرار قابلية للإنتقاد هو أن هؤلاء لم يعلنوا الأسباب التي استندوا إليها لبلوغ هذه النتيجة المخزية، فجاء قرارهم خالياً من التعليل لهذه الجهة. هذه الأسباب غير المعلنة نستشفّها من تصريح أدلى به أحد هؤلاء (القاضي صلاح مخيبر) لجريدة الأخبار. وقد جاء فيه أنّ القانون تمديدٌ للقانون السّابق الذي عماده حرمان المرأة حقها في منح الجنسية، مما أخرج مسألة المساواة من دائرة البحث. بهذا المعنى، يكون المجلس قد انقلب على الدستور وعلى سبب وجوده، حين أسند تقييمه للقانون المطعون فيه ليس إلى أحكام الدستور بل إلى قانون قديم غير دستوريّ بداهةً. فغطى بذلك مخالفة جديدة بمخالفة قديمة، فاتحاً باباً واسعاً لتأبيد المخالفات الدستورية. وقد ذهب مخيبر أبعد من ذلك حين تحدّث عن "فزاعة التوطين" رغم أن لا علاقة لها مطلقاً بقانون استعادة الجنسية الذي استثنى المتحدّرين من أصول اختاروا جنسية دولة منفصلة عن السلطنة العثمانية، ومنها فلسطين. وأخطر ما في هذا التصريح هو أنه يفيد انقلاباً ثانياً للمجلس على دوره الأساسي: فهذا الدور يتمثّل في تحصين التّشريع في مواجهة الفزاعات والمصالح الفئوية والعواطف، وهو يضمحلّ تماماً حين يصبح المجلس تربةً خصبةً لهذه الفزاعات والمصالح والعواطف. وطبعاً، في ظلّ قرار مماثل، يفقد أعضاء المجلس الدستوري مشروعيتهم بالكامل، طالما أنه خانوا القيم التي أؤتمنوا عليها وتاليّا الشعب الذي وهبهم رواتب سخيّة جدّاً. وهم فعلوا ذلك في القضية اليتيمة الوحيدة التي عُرضت عليهم في 2015. وحده القاضي طارق زيادة رفض التمييز ضد المرأة، فجاء رأيه المخالف بمثابة نجمة مضيئة تشير إلى المستقبل الذي لا بدّ أن يتجّه لبنان إليه. فتحيةً له.

والمعركة الثانية، خسرتها محكمة التمييز العسكرية حين أخلت سبيل الوزير السابق ميشال سماحة، المتهم في قضية محاولة قتل والمشاركة في مخطط إرهابي وحيازة أسلحة ومتفجرات. وهي بذلك بدت وكأنها تسير في اتجاه التساهل الذي سارت فيه المحكمة العسكرية الدّائمة نفسه. فبمعزل عن خطورة الرجل (وقد ثبت أنه كذلك لضلوعه في مخطط إرهابيّ)، فإنّ الإفراج عنه يشكّل ترهيباً للمواطنين الذين يشعرون على ضوء تطوّرات هذه القضية بأنهم مكشوفون أمام مخاطر كهذه، فضلاً عن أنّه مؤشّر إضافيّ على استمرار انتفاء المحاسبة، حتى في أكثر الجرائم خطورة.
 
 نشر في العدد 35 من مجلة المفكرة القانونية