في 10-11-2012، عُقد أوّل زواج مدني بين لبنانيين على الأراضي اللبنانية. وانتهى وزير الداخلية السابق مروان شربل إلى الموافقة على تسجيله بالإستناد إلى رأي الهيئة الإستشارية العليا في وزارة العدل بعد جدل طويل حول حقّ غير المنتمين لطائفة بعقد زواجهم مدنيّاً في لبنان. كما وافق شربل على تسجيل 11 عقداً لاحقاً عملاً بالرأي نفسه. وفي أجواء توحي باستقرار قانوني حول هذه المسألة، كرّت سبحة الزيجات المدنية في لبنان. ومع تغيّر الحكومة وتعيين وزير داخلية جديد وهو نهاد المشنوق، توقّف تسجيل عشرات عقود الزواج المدني وسط تساؤلات سرعان ما حسمها المشنوق في تصريحه الشهير بدعوة المواطنين الراغبين بعقد زواج مدني بالسفر إلى قبرص. وقد أعلن اقتناعه بعدم قانونية هذه العقود بالاستناد إلى رأي هيئة الاستشارات والتشريع (وهو الرأي الذي كانت رفضته الهيئة الاستشارية العليا التي تشكل مرجعا استئنافيا لها ضمن تنظيمات وزارة العدل). وقد أدى إمتناع وزارة الداخلية عن تسجيل هذه الزيجات إلى وضع 50 ثنائياً في حالة قانونية مبهمة، والأهمّ إلى إظهار مدى هشاشة أوضاعهم مع ما يستتبع ذلك لجهة ثني مجمل الراغبين بعقد زواج مدني عن القيام بذلك في لبنان. وتبعاً لذلك، كيف عسى يتصرف الأزواج الذين لم تسجّل زيجاتهم بعد؟ هل سيلجؤون إلى القضاء، متحمّلين الأكلاف أو عبء الإنتظار؟ وماذا إذا جاءت النتيجة سلبية؟ هل يقصدون قبرص بناء على دعوة وزير الداخلية أم يخضعون للمحاكم الروحية بعدما أعاد هذا الوزير تكريسها كطريق وحيدة لإبرام عقد زواج في لبنان؟ وبالطبع، تصبح هذه الأسئلة أكثر الحاحاً على ضوء تطور أوضاعهم العائلية، وأهمها الحمل أو الإنجاب. هذه هي بعض الأسئلة التي طرحناها على عدد من الأزواج، والتي نستعرضها مع الإجابات عليها أدناه.

اللجوء إلى القضاء لوقف التعسّف

بعد أشهر على خطاب الوزير من دون تحقيق أي تقدم في محاولات التواصل معه، اختار بعض الأزواج أن يسلكوا طريق القضاء لتثبيت حقّهم. والإصرار على اللجوء الى القضاء، إنما يجد خلفيته في قناعتهم بأن القضاء سيقف إلى جانبهم، لا سيّما أنّه سبق للعديد من القضاة أن أصدروا قرارات منصفة جداً ومعاكسة لما هو شائع. ويعتبر هؤلاء أن القضاء يشكل الأداة القانونية الوحيدة (وبمثابة الخرطوشة الأخيرة) بمواجهة قرار الوزير غير القانوني من وجهتهم.

إحدى هذه القضايا، رفعها المحامي خالد مرعب بوكالته عن زوجين أمام قضاء الأمور المستعجلة سعياً لتسجيل الزواج ضمن أقصر المهل. يشرح مرعب لـ"المفكرة القانونية" أنه ارتكز إلى وجود خطر محدق ناتج عن الحمل. وما يزال الطلب قيد النظر. وقد استند مرعب في طلبه الى "حقّ لا بل واجب قاضي الأمور المستعجلة حماية الحقوق من أي عمل من شأنه إلحاق ضرر قد لا يعوض". ذلك أن "عدم تسجيل عقد الزواج المعقود بين الموكل وزوجته سنداً للقوانين والمراسيم وبصورة قانونية قد يؤدي إلى ضرر جسيم بالحقوق العائلية ولا سيما لدى ولادة مولودهما الذي سيتعذّر تسجيله".

الدعوى الثانية التي تمّ رصدها تعود إلى ثنائي آخر طلب منّا عدم نشر وقائع قضيته، بانتظار الحكم القضائي.
 
مكرهٌ أخوك... لكنه بطل

الثنائي الثالث الذي تواصلنا معه كشف عن وضع إجتماعيّ مختلف. يوضح الزوج "س" أنه هاجر إلى إحدى دول الخليج منذ 2013 لضيق حاله المادي، وأنه تزوّج مدنياً في لبنان بعدما طمأنه نضال درويش إلى إعتراف الدولة أخيراً بهذا الحق. ويضيف "س" في حديث مع "المفكرة القانونية" أنه يؤمن بمسلّمتين: "الزواج المدني هو الأصل والديني إستثناء، لا يجب أن يشار إلى طائفة أحد أصلاً على أوراقه الثبوتية". ويضيف أن أوضاعه المالية لم تكن تسمح له بتحمل مصاريف السفر للزواج في قبرص. وبخلاف وضع سواهم من الأزواج، وجد هذا الثنائي نفسه أمام ضرورة قصوى في تشريع وضعه، مع قرب سفر الزوجة للإلتحاق بزوجها في الخليج. ومرد ذلك هو أن المساكنة خارج إطار الزواج تشكل جرما جزائياً في هذا البلد، وفقاً لأحكام الشريعة الإسلامية، وهو لا يعترف بأي عقد زواج لأجانب غير مصادق عليه من دولتهم. وتحت وطأة هذه الضرورة، وبعدما شعر الزوجان أن "الموضوع أكبر من التطمينات" التي كانا يتلقيانها، قرّرا عقد زواج ديني. وليتم تزويجهما أمام المحكمة السنية في طرابلس، كان على "س" أن يحصل على "إفادة إثبات مذهب" من دار الفتوى. وكان على زوجته أن تحصل على "شهادة عماد، تثبت أنها من "أهل الكتاب". هذا الإجراء فُرض عليهما لأنهما كانا شطبا سابقاً مذهبيهما كإجراء ضروري لعقد الزواج مدنياً في لبنان بين لبنانيين. المفاجأة كانت أنّ المحكمة الشرعية رفضت عقد الزواج. "لا يمكن أن نزوجك قبل أن تعيد أنت وزوجتك إشارة المذهب إلى سجلات النفوس". هذا هو الرد الذي تلقاه الزوجان. وقد بدا تصرّف المحكمة في هذا الإطار بمثابة ضغط إضافي لمنع الأفراد من شطب مذاهبهم تحت طائلة تعليق حقوقهم الشخصية ومنها الزواج. "زواجنا المدني لا ينفّذ بسبب العرقلة الإداريّة، ولا نستطيع عقد زواج شرعي قبل إرجاع الإشارة بناءً على أهواء قاضي المحكمة الشرعيّة. وإعادة الإشارة يحتاج إلى محكمة مدنيّة قد تطول لأشهر". ببساطة يقول "س": "سافرنا أنا وزوجتي إلى حيث أقيم منذ سنة، وعشنا نمط حياة شبه سرّي، ولا ندري متى وكيف قد نتعرّض لموقف ما. لا نعلم... وبقينا على هذه الحالة حوالي ستة أشهر عندما ذهبنا إلى قبرص. وتزوّجنا. وبعد بضعة أسابيع، أصبح لدينا إخراج قيد عائلي تمّت مصادقته من السفارة الخليجيّة في بيروت".

الثنائي الرابع الذي تم الاستماع اليه يعلن رفضه للزواج الديني والمؤسسة الدينية ككل. وفقاً لما يقوله الزوج "ح" لـ"المفكرة". بناءً على هذه القناعة، أراد الزوجان عقد زواجهما مدنياً. إتاحة الزواج المدني في لبنان شجعهما على القيام بهذه الخطوة فيه "دعماً للمجتمع المدني". ولكن الأمور سارت عكس ما توقّعا، ولم يتم تسجيل الزواج. كان الثنائي قد بدأ قبل زواجهما بالتحضير الى رحلة سفر طويلة، وقاموا بحجز التذاكر وتسديد ثمنها والتحضير للرحلة. "لم نكن بوارد تفويت كل ما أعددنا له، لذلك قررنا أن نذهب إلى قبرص لعقد زواج جديد". وهنا يوضح الزوج ح. أن الحصول على تأشيرة في العديد من الدول التي سيزورونها أسهل بالنسبة للمتزوجين. لم يفكر الثنائي باللجوء الى القضاء قبل الذهاب إلى قبرص لضيق الوقت قبل موعد الرحلة. وبما أن الزوجة إيطالية الجنسية، تمكن "ح" من تسجيل ملاحظة على الفرق في التعامل مع تسجيل عقد الزواج الحاصل في قبرص. "في السفارة الإيطالية حصلنا على التصديق خلال دقائق ولم نتكلف أي رسوم خلافاً للسفارة اللبنانية التي طالبتنا بالكثير من المستندات وحملتنا حوالي 40 يورو رسوم تصديق".

إنعكاس آثار عدم تسجيل العقود على الأزواج يبدو متفاوتاً بحسب حاجة كل ثنائي لإثبات هذا الزواج. ولكن جميعهم يجمعون على هاجس واحد يتعلّق بالإنجاب. وهم يشعرون أنهم قادرون على الإستمرار في المعركة ما داموا في لبنان ولا وجود لحمل. زوجا الثنائي الخامس من جهتهما لم يذهبا الى قبرص بعد، لم يحاولا أن يتزوجا بالشكل الديني وهما أساساً على دراية أن الكنيسة لن تقبل بتزويجهما ما لم يعيدا الإشارة الطائفية إلى أوراقهما الثبوتية. القرار حتى الآن بالنسبة للثنائي هو أن يتريّثا في مسألة الإنجاب. ولكن في حال حصول حمل سيلجآن إلى قبرص. تقول الزوجة "م": "لا نريد أن يصبح لدينا طفل ونحن غير قادرين على الحصول له على هوية أو أي أوراق ثبوتية ولا أن ندخله مدرسة". تضيف أن زواجهما بالشكل المدني كان "للمساهمة أن يكون بلدنا بالصورة التي نراه فيها". لم يلجأ هذان الزوجان إلى القضاء رغم علمهما بوجود دعاوى أمامه لأزواج مثلهم، وهما يعلّقان الأمل على نتائج هذه الدعاوى، بعد أن فهما من اللجنة المؤلفة من جميع الأزواج ومحامين أن نتائج هذه الدعوى تحدد كيفية سير الأمور لاحقاً. يشير الزوجان أنهما إستشارا محامين من أصدقائهم فوجدوا أن بعضهم لا يعلم شيئا عن الزواج المدني في لبنان وقد تفاجأوا بالفكرة ككل. أما الآخرون، فإما أخبروهم أنّ لا أمل في هذه القضية وإما نصحوهم بالزواج خارج لبنان. مسألة تطرح إشكالية دور المحامي في القضايا الإجتماعية ومدى إطلاعه عليها في لبنان، ومدى شعوره بضرورة العمل لدعم هذه القضايا بدل التسليم بسيادة الواقع.

نشر في العدد 35 من مجلة المفكرة القانونية