في 12-1-2016، أصدرت محكمة التمييز الناظرة في استئناف أحكام المطبوعات قراراً برد الدعوى التي قدمها رئيس الوزراء الأسبق فؤاد السنيورة ضد الصحفية رشا أبو زكي وصحيفة الأخبار. وكانت محكمة استئناف بيروت أدانت في 20-1-2014 أبو زكي والأخبار بجرم الذم والتحقير. وأهمية هذا القرار أنه يؤكد أحقية الصحفي في الذم بالسياسي إذا كان الذم فيه مبنياً على وثائق صحيحة، وهو بهذا المعنى يشكل حافزاً للصحافة الإستقصائية وتعزيزاً للمساءلة الشعبية والإعلامية للقيمين على الخدمة العامة. كما أن القرار يرتدي أهمية لا تقل قدراً عما سبق بما يضعه من ضوابط ضماناً لمهنية العمل الصحفي الإستقصائي. ومن أهم الحيثيات الواردة: "وبما أن محكمة الإستئناف اعتبرت أن من حقّ الصحافة تنوير الرأي العام وتوعيته، والصحيح أن من واجبها القيام بذلك والإشارة الى كلّ خلل يعيق الإدارات العامة والمرفق العام ويعيق حسن العمل والأداء فيها، والخلل المشار اليه في المقال يتجسد في عدم وجود قانون موازنة عامة ينظم الحياة العامة، ...وبما أنه يتبين من المقال موضوع الادعاء أنه تناول موضوع الإدارة المالية في الدولة المتمثل في الأداء العام لوزارة المال وللطبقة السياسية بشكل عام في المرحلة الممتدة منذ العام 1993 ولحوالي عشرين سنة، متسائلا عن غياب أسس المراقبة والتدقيق في الحسابات في حينه والتي نشأ عنها غموض وعدم مطابقة في العمليات الحسابية وفي أرصدة الصناديق المالية، ومشيراً إلى أن المأخذ الأكيد هو تحميل الفريق السياسي للرئيس السنيورة تبعات الأخطاء الواردة في الحسابات ... بما يفيد إعادة تقييم مرحلة سياسية سابقة من إدارة الدولة. وبما ان المقال موضوع الدعوى وفي سياق معناه العام قد تضمن انتقادا للرئيس السنيورة باستعمال عبارات قاسية تشكل نقدا لاذعا، إلا ان العبارات المستعملة من كاتبتها سواء أُخذت بمعناها اللغوي الخاص أو بمعناها العام في موقعها من المقال الصحفي- فإنها لا تنطوي على أي تحقير لشخص السيد السنيورة أو أي مساس بشرفه او كرامته، فلا تعتبر بالتالي من قبيل القدح والذم."ثمة قضايا أخرى ما تزال عالقة أمام محكمة التمييز وهي تتصل بحق انتقاد أصحاب النفوذ بحسن نية، ولو بكلمات قاسية ولاذعة، ومن أبرزها قضية القاضية رندا يقظان ضد الأخبار ومايكل رايت وسبينس ضد شربل نحاس. فلنترقّب. (المحرر). 

 
 
في كل مرحلة من مراحل هذه الدعوى التي رفعها رئيس الوزراء السابق فؤاد السنيورة ضدي، كانت تزداد دهشتي، وكذا إصراري على أنه من المستحيل أن نخسر هذه القضية. إذ كان الموضوع محور الدعوى مدعماًبمئات الوثائق التي تسند الوثائق القضائية المذكورة بالتحقيق ذاته، وقد استلم القضاة ملف الوثائق كله هذا من جهة. من جهة أخرى، قمت بالإلتزام بكافة المعايير المهنية المتعلقة بأخذ مختلف الآراء، واتصلت بمكتب الرئيس السنيورة ولم يتم الرد على استفهاماتي. وبالتالي استصرحت عضو لجنة المال النيابية وعضو كتلة المستقبل التي يرأسها السنيورة ووضعت تصريحه داخل الموضوع. فعلياً، لم يكن هناك أي ثغرة يمكن أن يطالني منها قانون المطبوعات، الذي يشوبه الكثير من الخلل
وبالتالي منذ البداية، كان من المفترض أن يتم رد الدعوى. إلا أن القضاء رأى غير ذلك. ذهبت إلى المحكمة أكثر من مرة مع المحامية رنا صاغية، إلى أن صدر الحكم بإدانتي وتغريمي. وكانت دهشتي كبيرة جداً حين أصدرت محكمة المطبوعات في بيروت برئاسة القاضي روكز رزق حكمها هذا، وأرفقته بعبارات تؤكد على مهنيتي. وقد أغضبني هذا الحكم كثيراً، خصوصاً أن المحكمة حينها، بالإضافة إلى غزلها بمهنيتي ومن ثم إدانتي، أطلقت حكماً عليّ، حين وضعت في متن حكمها "أنني ذات توجه معين". هذه العبارة كانت صادمة جداً، إذ خلال المحاكمات لم أتحدث عن توجهاتي، وأصلاً لا يوجد لدي أي توجه سياسي، وكنت أنتقد الكل من دون أي مراعاة حتى للخط السياسي للوسائل الإعلامية التي كنت أعمل بها ومنها "الأخبار".

بعد الاستئناف والضجة التي أحدثها الحكم الأول، لم أشك في إمكان الحصول علي حكم عادل. في كل مرة خلال الاستجوابات كنت أنظر إلى المحامية رنا صاغية وهي تفسر حقي كصحافية بالكتابة والنقد والمساءلة بمصطلحاتها القانونية، وكنت أرى تأثرها وأعرف في كل مرة أن الحق معنا. كيف من الممكن ألا يكون معنا؟ ولكنني كنت أتخوف دوماً من سيادة شعار "القوي دائماً ينتصر"، وكنت أعرف أننا نواجه شخصاً قوياً بنفوذه، وهذا ليس مخفياً.

أبلغتني صاغية بالحكم النهائي صباحاً، لم أصدق في بداية الأمر، "معقول عم تمزح؟" هو أول ما خطر على بالي. إلى أن فسرت لي ما حصل وفسرت لي ما ورد في الحكم. شعرت أن الإعلام اللبناني كله انتصر، خصوصاً الإعلاميون الذين يعملون في الحقل الاستقصائي، والذين يكتبون بتردد أحياناً بعدما وصلت رسالة محكمة المطبوعات في الحكم السابق أنه حتى لو كان لدى الصحافي المستندات وحتى لو طرح قضايا تكشف الفساد وترتبط بحقوق الناس، فمصيره سيكون أمام المحكمة.

الحكم الأخير اعتبر أن كشفنا للفساد حق وواجب، ونظر إلى التحقيق الصحافي على أنه كتلة متكاملة، وأنه يمكن التوجه بكلمات قاسية إلى المسؤولين عن أزماتنا الإقتصادية وأن نسائلهم من دون خوف. وقد ربط الحكم بين الموضوع وبين غياب الموازنة منذ 10 سنوات، ما يشير إلى أن القاضي يعرف تماماً حيثيات هذا الموضوع ويعرف تماماً أنه على أحد أن يرفع صوته لا بل واجبنا أن نرفع صوتنا. وكان على هذا الحكم أن يصدر من 5 سنوات. على أي حال، لم أنزعج من التأخر في صدور الحكم، لا لشيء، وإنما لأن الرئيس السنيورة سيتكبد مصاريف ونفقات 5 سنوات من المحاكمة، و5 سنوات من محاولة إرهابي وإرهاب كل الإعلاميين معي.

نشر في العدد 35 من مجلة المفكرة القانونية