انعقد في كانون الأول 2015 مؤتمر باريس للمناخ، الدورة الواحدة والعشرون للدول الأطراف، شاركت فيه 195 دولة سعت خلاله إلى الوصول إلى اتفاق دولي جدي بشأن التغيير المناخي. وبعد سجال دام نحو أسبوعين، توصل المجتمعون إلى وضع اتفاقية تضع حداً للتدهور المناخي وتعيده إلى التحكم المطلوب. عن المؤتمر وما يطرحه من تحديات عالمية ووطنية، تحدث الخبير البيئي ناجي قديح للمفكرة القانونية. وخلال المقابلة، شرح قديح مسيرة النضال الذي سارت عليه المؤتمرات العالمية حول المناخ منذ تسعينيات القرن الماضي وصولاً الى مؤتمر باريس وما نتج عنه (المحرر).
 
المفكرة: إنها المرة الأولى التي نتعرض فيها في مجلتنا لظاهرة المناخ. هل يمكن أن تشرح لنا أبعاد هذه الظاهرة؟
قديح:تاريخياً، ظاهرة المناخ بدأت تتبلور في المعاهد ومراكز الأبحاث العلمية والمراصد التي كانت تتابع مستويات التلوث في الهواء والغلاف الجوي للكرة الأرضية على كافة المستويات وتدرس معدلات ارتفاع درجات الحرارة. وفي السبعينات، بدأ يتبلور فريق من العلماء مقتنع بأن ارتفاع معدلات ثاني أوكسيد الكاربون سيؤدي إلى مزيد من الإرتفاع في درجات الحرارة مما قد يؤدي إلى تغيرات مناخية مرعبة ولها آثار خطيرة على توازن المناخ في العالم وعلى الاقتصاد العالمي واستقرار الحياة البشرية وعلى المنظومة البيئية ككل. وقد أحاط بهؤلاء العلماء عدد من المؤيدين البيئيين والسياسيين. لكن بالقابل، كان هناك مجموعة من الباحثين والعلماء يقولون أن هذه ظواهر طبيعية تتكرر مع الدورات الجيولوجية والمناخية للكرة الأرضية ولا علاقة لها بالنشاط البشري. وفيما رأى الفريق الأول ضرورة في إعادة النظر في النشاط البشري والتحكم به للتخفيف من تفاقم هذه الظاهرة، ألقى الفريق الثاني المسؤولية كاملة على العوامل الطبيعية مقللاً من أهمية أيّ مسعى للتحكّم بهذه الظاهرة. وعند أيّ طرح على المستوى الدوليّ في هذه المسألة، تقوم الأوساط الإقتصادية ذات المصلحة بعدم إجراء أي تغيير للنّشاط البشريّ بتحريك وتنشيط هذا الفريق من العلماء. وهذا المشهد تجلّى بوضوح خلال مؤتمر كوبنهاغن (2009) حيث كان لا يزال هذا الفريق قويّاً.

في التسعينيات، حصلت الإتفاقية الإيطارية لتغيير المناخ وقد تبنت موقف الفريق الأول لجهة أسباب التغيّر المناخي وكيفية التعاطي معه. وقد دعت هذه الإتفاقية إلى بذل الجهود والعمل على الحد من الإنبعاثات والتخفيف منها والعودة الى معدلات ما قبل الثورة الصناعية كاستراتيجية، ودعت الى التعاون الدولي في هذا الموضوع. وقد تولّد عن ذلك نقاش محتوم حول الدول المسؤولة عن وصول الأرض إلى هذا الوضع. طبعاً، ربط المسألة بالثورة الصناعية يؤدي إلى إلقاء المسؤولية على الدول الصناعية التي حققت نمواً كبيراً بمستوى معيشتها ودخلها وفي التنمية الاقتصادية والاجتماعية. ولكن، وفي سياق المفاوضات بهذا الشأن، طُرحت مسألة أن هناك مجموعة من الدول التي تشهد تنمية اقتصادية مهمة وسريعة وتعتمد في انتاجها للطاقة على الفحم الحجري الذي هو الأكثر تلويثاً وعلى الوقود الأحفوري. وبنتيجة هذه االنقاشات، أقرت الدول الصناعية بمسؤوليتها عن الوصول الى هذه الظاهرة، ولكنها طرحت موضوع إشراك الدول النامية الملوّثة بالمسؤولية ولو بدرجات متباينة. وهذا ما بات يعرف بمبدأ الشراكة في المسؤولية المتباينة. في المراحل اللاحقة من المفاوضات من الــ2000حتى 2005، تمت المصادقة على برتوكول كيوتو. ولكن كل الاتفاقات والإلتزامات التي تضمنها هذا البرتوكول حول تخفيض مستوى الانبعاثات للدول الكبرى خلال جدول زمني معين لم تنفّذ لأن الأطراف كانت بإنتظار بعضها البعض.
وقد حدا ذلك بالدول إلى عقد مؤتمر كوبنهاغن في 2009 سعياً للتوصل إلى اتفاقية دولية تحلّ محلّ بروتوكول كيوتو (الذي انتهى العمل به في 2012) وتكون فعالة ومقبولة وقابلة للتنفيذ من قبل الجميع. لكن هذا المؤتمر وصل إلى فشل ذريع، وإن بقيت أبواب المفاوضات مفتوحة. والسبب الرئيسي لهذا الفشل هو الصراع بين الماردين الأميركي والصيني حول المسؤوليات المتباينة.

هناك ست سنوات بين كوبنهاغن ومؤتمر باريس. وإذا راجعنا الأحداث المناخية التي حصلت في العالم، نلاحظ ارتفاع عدد الكوارث البيئية بحدّة على نحو غطّى الكرة الارضيّة من زلازل الى فياضانات الى انهيارات للتربة، وقد ترافق ذلك بخسائر بشرية واقتصادية لافتة. هناك، وقف الجميع مدهوشين أمام الكوارث التي ستحصل إذا لم يتم أخذ أي إجراء. وفي موازاة ذلك، بدأ التيار الذي يرد ارتفاع الحرارة لعوامل طبيعية يندثر، فبتْنا أمام إجماع ليس له مثيل من كل علماء العالم مفاده أن التغيير المناخي أسبابه ازدياد النشاط البشري، وأننا سوف نكون أمام تغيرات كارثية غير قابلة للتوقع كم ستكون مرعبة ومكلفة إذا لم نحدّ منه.
 
المفكرة: قلت أن مؤتمر كوبنهاغن كان محكوماً بالتجاذب الأميركي الصيني، كيف انقسمت الدول في مؤتمر باريس؟
قديح:تميز المؤتمر ببروز كتلة جديدة مكوّنة من 80 دولة، أطلقوا على أنفسهم إسم "الدول الأكثر تأثراً بتغيير المناخ". ووفقا لهذه التسمية، تضم هذه الدول الدول المكونة من جزر مهددة بالغرق والدول التي تهددها الأعاصير أو الجفاف. وكان شعارهم الأساسي هو تخفيض الحرارة فلا يتجاوز ارتفاع الحرارة أكثر من درجة ونصف عن المعدلات المستقرة في 2050، وذلك على نقيض الاتجاه الآخر الذي كان يعد ارتفاعها حتى درجتين مقبولاً، في عام 2100. وقد أدى نشوء هذه الكتلة إلى إعادة تصنيف الدول على قاعدة جديدة، خصوصاً بعدما تحالفت الولايات المتحدة الأميركية والإتحاد الأوروبي مع هذه الكتلة بهدف الضغط على الصين والهند للسير بالحلول وتحمل مسؤوليتها. وقد انضمّ إليها عدد من الدول النامية وفي مقدمتها الدول الأفريقية الراغبة بالحصول على مساعدات. ومنذ بدء المؤتمر، طالبت الولايات المتحدة الأميركية بإعادة النظر بالمبدأ الذي أقر سابقاً في التسعينيات بالمسؤولية التاريخة المشتركة والمتباينة لأنه منذ ذلك الوقت، تعزز دور الدول النامية في الاقتصاد العالمي، وبات يتعين تحميلها مسؤولية أكبر مما كان ملحوظاً في السابق. وعليه، على الصين والهند مثلاً أن تتحملا مسؤولية أكبر، أن تحدّا من الإنبعاثات لديهما وأن تغذّيا الصندوق الاخضر لا أن تتلقيا المساعدة منه كما كان مطروحاً سابقاً.

 ومقابل هذه الكتلة، برز تقارب صيني هندي سعى إلى كسب الوقت وإرجاء مساعي التوافق إلى أربع سنين أخرى. لكن، حين قوي حضور الدول الأكثر تأثراً واقتربت منها دول كثيرة، شهد موقف الوفد الصيني مرونة. كان من المفروض أن ينتهي المؤتمر نهار الجمعة ولكن تم تمديده إلى نهار السبت. صباح السبت بدأت الأمور تنفرج وبدأت الحواجز تتساقط، بعدما وافق الصينيون على تدوير الزوايا في اللحظات الأخيرة. وعند الساعة الثالثة من بعد ظهر السبت، كانت الأمور منتهية.
 
المفكرة: وما هي المواقف التي اتخذها لبنان والدول العربية فيه؟
قديح: الدول العربية كلها اصطفّت وراء السعودية التي تميز دورها في السعي إلى عرقلة المفاوضات خشية أن يؤدي الإتفاق إلى الحدّ من استخدام الوقود الأحفوري وخاصّة النفظ في انتاج الطاقة وبالتالي الحد من مواردها. وقد عبرت السعودية عن هذا الموقف بأسلوب لا يخلو من الاستفزاز، وبدا بمثابة إعتراض على أيّ توافق. وما فاقم من هذا الموقف الحادّ هو الإعلان الصادر عن الدول االصناعية السبعة قبل مؤتمر باريس بشأن "استراتيجة القرن"، ومفاده إنهاء استخدام الوقود الأحفوري كمصدر للطاقة في نهاية القرن الواحد والعشرين، والتحوّل الكامل للطاقة المتجددة. خلال المؤتمر، كانت السعودية ضدّ هذا الكلام نهائياً وكانت مع تعزيز استخدام الطاقة بمصادر للطاقة المتجددة ولكن من دون الاستغناء عن الوقود الأحفوري، أو وضع أي استراتيجيات أو خطط لتقليص استخدامه.

ولكن الاتجاه العام للمؤتمر لم يكن كذلك. فالحد من استخدام الوقود الأحفوري كان أمراً محسوما والتفاوض يحصل حول الفترة الزمنية والهدف المراد بلوغه على صعيد الحدّ من إرتفاع الحرارة.
 
المفكرة: ما هي أبرز النتائج التي توصل إليها مؤتمر باريس؟ وهل تم وضع آليات تنفيذية لالتزامات الدول؟
قديح: في مؤتمر باريس، تحوّل الحديث من تخفيف الإنبعاثات تبعاً لإستعمال الوقود الأحفوري إلى إزدياد الإعتماد على الطاقة المتجددة وهذا الكلام استراتيجي أكثر. البحث كان يحصل حول مقدار إشراك الطاقة المتجددة في تلبية حاجاتنا على المدى الطويل، وتاليا في استبدال تدريجي للوقود الأحفوري بها. بقدر ما تكون نسبة الإعتماد على الطاقة المتجددة أكبر، ونصل إليها ضمن مهل أقصر.
هناك العديد من الإتفاقيات البيئية الملزمة. ولكن لا يوجد أي اتفاقية تتضمن عقوبات أو بنوداً جزائية. الأهم هو وضع آليات حول كيفية تغذية الصندوق الأخضر وتحديد الآليات التي تمكن دولاً معينة من الإستفادة منه.

المفكرة: ما هي النتائج العملية للمؤتمر على لبنان؟
قديح:لبنان بلدٌ صغيرٌ ومساهمته بالإنبعاثات قليلة. لبنان وصل الى المؤتمر وهو لم ينفذ التزاماته السابقة التي لم يضع لها دراسات أصلاً. وجاءت كلمة وزير البيئة محمد المشنوق في المؤتمر بمثابة رزمة من الوعود والإلتزامات المجردة عن أي آلية تنفيذية. وفي حال كان لبنان راغباً بالإستفادة من عطاءات الصندوق الأخضر، فعليه أن يضع دراسات واضحة قابلة للتنفيذ.

نشر في العدد 35 من مجلة المفكرة القانونية