من اقتراحات القانون العالقة أمام لجنة الإدارة والعدل النيابية، الإقتراح بتعديل قانون الإثراء غير المشروع. وكان رئيس اللجنة النائب روبير غانم قدّم هذا الإقتراح بغية تخفيف القيود والمعوقات التي حالت دون تطبيقه حسبما ورد في أسبابه الموجبة. ورغم الإيجابيات الواردة فيه، فهو يتضمن أحكاماً قد تؤدّي في حال إقرارها إلى إعاقة تطبيقه، أقله في القضايا الني يتورط فيها وزراء بفعل الحصانات الدستورية. وهذا ما سيسعى هذا المقال إلى معالجته.
 
في لمحة مقتضبة عن تطور قانون الإثراء غير المشروع

القانون الأول عن الإثراء غير المشروع صدر في 18/2/1953 في ظلّ عهد رئيس الجمهورية الراحل كميل شمعون. وقد عُرف هذا القانون الذي لم يُطبّق يوماً، باسم "قانون من أين لك؟" وتقوم فلسفته على إمكانية تجريد قيمين على خدمة عامّة من الأموال التي يعجزون عن إثبات اكتسابها بصورة مشروعة. وقد اعترض تطبيق هذا القانون إشكالات عدّة: ففضلاً عن غياب الإرادة السياسية بالمحاسبة، لم يتضمّن القانون مواد واضحة بشأن كيفية تقديم المعنيين به التصاريح اللازمة بممتلكاتهم. كما لم يصدر المرسوم بتعيين أعضاء الهيئة الخاصة التي أنشأها القانون للنظر في حالات الإثراء غير المشروع. وبعد الإنتقادات الكثيرة الموجهة لحكومات ما بعد الطائف بعدم إصدار المرسوم المذكور، وفي ظلّ تراشق الإتهامات بالفساد، حصل ما يشبه التسابق بين التيارين السياسيين المتنازعين آنذاك (وهما تيار رئيس الوزراء الراحل رفيق الحريري والتيار المؤيد لانتخاب اميل لحود رئيساً للجمهورية) على وضع مشاريع واقتراحات قوانين لتفعيل قانون الإثراء غير المشروع[1]. ففيما سعى التيار الأول (ممثلا بوزير العدل آنذاك بهيج طبارة) إلى دفع الاتهامات بالفساد أو بالتساهل إزاء الفساد، سعى التيار الثاني إلى تقديم اقتراح قانون مضاد من خلال النائب بطرس حرب، تفنيداً لمشروع الحكومة الذي يهدف وفق هذا التيار إلى منع محاسبة الفاسدين الكبار وليس العكس. وقد تعزّز الترويج للرغبة بمكافحة الفساد مع تولي رئيس الجمهورية الأسبق إميل لحود رئاسة الجمهورية[2]. فأقرت الهيئة العامة للمجلس النيابي مشروع القانون وسط مخاوف جدية لقوى سياسية إزاء تفعيله، في إطار حملات المحاسبة التي شهدها عهد لحود في سنته الأولى.

ولكن، الوقائع اللاحقة أثبتت أن النتيجة التي توصل إليها المجلس النيابي عام 1999 أوصدت أبواب تطبيقه أكثر مما أتاحت مجال تفعيله وذلك لأسباب عدة:

الأول، أنه فرض تسديد كفالة عالية على المتضرر الراغب بتقديم شكوى ضد أي شخص كان، قدرها 25 مليون ليرة لبنانية؛ وذلك تفادياً للشكاوى غير الجديّة وصوناً لكرامة المعنيين بهذا القانون، ومنهم رؤساء ووزراء ونواب وقضاة.

الثانية، وبناء على الاعتبارات السابقة نفسها، وضع القانون عقوبة رادعة على الشاكي في حال منع المحاكمة عن المشكو منه أو إبطال التعقبات بحقه. فللمرجع المختص في هذه الحالة تغريم الشاكي بما لا يقل عن 200 مليون ليرة يضاف إليه العطل والضرر وبالسجن ثلاثة أشهر كحد أدنى.وعلى ضوء ذلك، بدت أي شكوى بمثابة مجازفة كبرى، كل ذلك في ظل نظام قضائي ينتقص إلى ضمانات الإستقلالية والشفافية. وما يزيد الأمر قابلية للإنتقاد هو حصر الإختصاص القضائي بقاضي التحقيق الأول في بيروت دون سواه، الأمر الذي يجعل تطبيق المنظومة كلّها في يد قاضٍ واحد، فيسهل إذ ذاك استمالته أو ممارسة ضغوط عليه. وعليه، وفيما خلا تقديم التصاريح الذي نظّم القانون آلية واضحة لتقديمها، بقي هذا القانون حبراً على ورق، بمعنى أنه لم يتهّم أي كان بالإثراء غير المشروع على أساسه.

ويلحظ أن الفترة السابقة لتعديل قانون الإثراء غير المشروع والمناقشات النيابية الحاصلة في 1999 شهدت تجاذباً بشأن إمكانية ملاحقة الرؤساء والوزراء على خلفية الحصانات الدستورية. ففي مؤتمر صحافي عقده طبارة في 1998، أشار إلى أنّ "هناك حالات يحصل فيها إثراءٌ غير مشروع دون أن يكون الإثراء ناتجاً عن جرم جزائيّ مثال الإثراء الذي يحصل عن طريق الاستملاك"، رافضا بذلك أن يجعل الإثراء غير المشروع جرما بحد ذاته. وقد برر ذلك بأن القيام بخلاف ذلك (وهي الوجهة التي اعتمدها بطرس حرب في اقتراحه) إنما يؤدي إلى تعطيل القانون لإصطدامه بالحصانات والتراخيص والأذونات"[3]. وإنطلاقاً من ذلك، رأى طبارة أن بالإمكان مباشرة الملاحقة بناء على هذا القانون من دون اللجوء إلى أي من أصول رفع الحصانة في قضايا الإثراء غير المشروع التي لا تشكل جرائم جزائية، فيما أنه يقتضي مراعاة هذه الأصول في الحالات الأخرى أي كلما تمّ الإثراء غير المشروع بنتيجة جرم جزائي. وفي هذه الحالة، لا تباشر الدعوى مثلا ضد وزير إلا بعد اتّهامه من قبل ثلثي أعضاء المجلس النيايي، ويتولى محاكته اذ ذاك المجلس الأعلى لمحاكمة الرؤساء والوزراء. وعملاً بهذا المنطق، نصل إلى حالة شاذة قوامها أنه يكفي تسريب أن الإثراء قد يكون حصل نتيجة جرم جزائي،ـ لتتوقف الملاحقة بانتظار رفع الحصانة وهو في وقع الحال أمر صعب الحصول. على نقيض ذلك، أوضح وزير العدل في أولى حكومات عهد لحود، القاضي جوزف شاوول أن الحصانة الجزائية لا تفيد الوزراء في قضايا الفساد، اذ هي تعتبر بطبيعتها خارجة عن إطار وظائفهم التي تشملها وحدها الحصانة الدستورية. وعليه، اعتبر شاوول أن بإمكان ملاحقة الوزراء أن تتم وفق هذا القانون من دون اللجوء إلى آليات رفع الحصانة، حتى ولو كان الجرم جزائياً[4]. وقد خلص تبعاً لذلك إلى القول بأن تضمين القانون مداة تتيح تجاوز الحصانات الوزارية في حالات الإثراء غير المشروع لا يتعارض قط مع الدستور الذي يعطيهم هذه الحصانة. وعليه، أصرّ على إبقاء المادة الخاصة برفع الحصانات على حالها، رافضاً تعديلها بحيث يستثنى منها صراحة حصانات الوزراء المنصوص عليها صراحة في الدستور[5].
 
إزالة العراقيل أمام تطبيق القانون، أم تعزيزها؟

الإقتراح الجديد العالق حالياً أمام لجنة الإدارة والعدل تضمّن تعديلات بشأن ما اعتبر عوائق أمام تطبيق القانون.
فهو خفض أولا الكفالة المرفقة بالشكوى من 25 مليون ليرة الى 15 مليون ليرة. وهو مبلغ يبقى مرتفعا وقد يثني كثيرين عن القيام به.
وهو أدخل ثانيا تعديلا هاما على المادة 15 من القانون الحالي المتصلة بالغرامة الواجب تسديدها في حال عدم ثبوت الشكوى. فأجيز للمشكو منه الادعاء على الشاكي بالافتراء في حال توفر شروطه أو إلزامه ببدل العطل والضرر (سوء النية)، مع إلغاء النص على عقوبة الغرامة المرتفعة والحبس الجاهزة والمشار اليها أعلاه.

بالمقابل، فقد برز عائقٌ كبير بموجب التعديل الحاصل. فتَحْتَ غطاء التشدّد إزاء الإثراء غير المشروع، تمّ اعتباره جرماً جزائياً يعاقب عليه بحدّ ذاته، حتى ولو لم يتم بفعل ارتكاب جرم جزائي. وبذلك، أصبح الاصطدام بالحصانات المنصوص عليها في الدستور بشأن الوزراء والنواب أمراً مرجّحاً، في جميع الحالات. وما يعزز ذلك أن النص المقترح قد اعتمد عبارات مختلفة بحيث استبدل عبارة :"مع مراعاة أحكام الدستور" بعبارة: "مراعاة الحصانات المنصوص عنها دستوريا". المادة الأولى تشمل فقط الحالات التي يرى الإجتهاد أنها تتعارض مع هذه المادة. وهي تشمل طبعاً الحصانة الخاصة برئيس الجمهورية والمنصوص عليها في المادة 60[6]من الدستور، ويحتمل الاختلاف بشأن اشتمالها على حصانة الوزراء المنصوص عليها في المادة 70[7] على ضوء ما ذكرناه أعلاه نقلاً عن المناقشات النيابية في 1999. المادة الثانية تبدو في صياغتها وكأنها تلتزم بجميع الحصانات المنصوص عليها في الدستور، بما فيها المادة 70 الخاصة بالوزراء، على نحو حاسم، لا يترك محلاً للإجتهاد.
 
عقوبات جزائية غير رادعة

أخيراً، نشير إلى أن اقتراح القانون تضمّن مادة جديدة تفيد بالمعاقبة على الإثراء غير المشروع بالحبس من ستة أشهر إلى 3 سنوات وبالغرامة من 10 ملايين إلى 50 مليون ليرة. ولا يحول هذا النص دون تطبيق أحكام قانون العقوبات سيما المادة 205 منه [8] عند ثبوت  جرائم أخرى أدت إلى الإثراء غير المشروع. هنا، يجدر التساؤل عن مدى تناسب العقوبة مع فعل الإثراء غير المشروع، ولا سيما بالنسبة إلى الجرائم التي يشكل الجشع المالي محركها الأساسي. وما يزيد الأمر قابلية للإنتقاد أن الشخص يلزم برد المبلغ الذي تم اكتسابه بشكل غير مشروع، من دون أي زيادة.  
 
تصريحات سرية

ألزم اقتراح القانون على غرار قانون 1999 الرؤساء والوزراء والنوّاب والقضاة والموظّفين غير العسكريين بالتصريح عن أموالهم وأموال زوجاتهم وأولادهم القاصرين تحت طائلة عقوبات معيّنة ( المادة 4). لكنه وعاد وأبقى على سرية التصاريح ما يفقدها فعاليتها. فكيف سيتسنى للرأي العام أن يسائل في حال عجزه عن التثبت من تنامي ثروات هؤلاء.
 
نشر في العدد 35 من مجلة المفكرة القانونية 


[1]فارس خشان، ست سنوات في وزارة العدل مع الوزير بهيج طبارة، دار النهار، بيروت، 2000، ص 177 وما يليها.
[2] المرجع نفسه.
[3]المرجع نفسه.
[4]المناقشات النيابية لمناقشة مشروع قانون الإثراء غير المشروع، 1999: حسب كل علماء القانون وكل الإجتهادات، إن الإخلال بالوظيفة ليس السرقة والاحتيال والتزوير ولا افتعال أي جنحة أو جناية يعاقب عليها القانون. قانون الإخلال بالواجبات هو الإخلال بالإدارة بسوء نية أو بحسن نية ولكن ليس فيه جنحة".
 
[5] المناقشات النيابية، مذكور أعلاه.
[6] لا تبعة على رئيس الجمهورية حال قيامه بوظيفته إلا عند خرقه الدستور أو في حال الخيانة العظمى
 أما التبعة فيما يختص بالجرائم العادية فهي خاضعة للقوانين العامة. ولا يمكن اتهامه بسبب هذه الجرائم أو لعلتي خرق الدستور والخيانة العظمى إلا من قبل مجلس النواب بموجب قرار يصدره بغالبية ثلثي مجموع أعضائه ويحاكم أمام المجلس الأعلى المنصوص عليه في المادة الثمانين ويعهد في وظيفة النيابة العامة لدى المجلس الأعلى إلى قاض تعينه المحكمة العليا المؤلفة من جميع غرفها.
[7]لمجلس النواب أن يتهم رئيس مجلس الوزراء والوزراء بارتكابهم الخيانة العظمى أو بإخلالهم بالواجبات المترتبة عليهم ولا يجوز أن يصدر قرار الاتهام إلا بغالبية الثلثين من مجموع أعضاء المجلس
 [8]إذا ثبتت عدة جنايات أو جنح قضى بعقوبة لكل جريمة ونفذت العقوبة الأشد دون سواها.على أن يمكن الجمع بين العقوبات المحكوم بها بحيث لا تزيد مجموع العقوبات المؤقتة على أقصى العقوبة المعينة للجريمة الأشد إلا بمقدار نصفها.إذا لم يكن قد قضي بإدغام أو بجمع العقوبات المحكوم بها أحيل الأمر  على القاضي ليفصله.