فريق المفكرة القانونية (عمل جماعي)
الزمان: 2012، المكان: مكتب حماية الآداب العامة في مخفر حبيش، طبيب شرعي يجري باشارة من النيابة العامة في بيروت فحصا حسيا على الاجزاء الحميمية من اجساد عدد من الشبان لاثبات هوياتهم الجنسية وتحديدا مدى صحة قيامهم بافعال "لواط" (اي علاقات مثلية). واللافت ان الملف المذكور كان خاليا من اي دليل حسي على قيامهم بعلاقات مماثلة، سوى أن أحدهم يتصرف ويتكلم "بنعومة" مشبوهة بنظر أحد رتباء المخفر. ويؤكد أكثر من طبيب شرعي قيامه بذلك بنسبة تبلغ ثلاث أو أربع مرات شهريا، رغم اقتناع غالبيتهم بعدم جدواها بل بعدم أخلاقيتها. وقد عقدت المفكرة القانونية في 23-5-2012 ندوة حول هذه الفحوصات لكسر الصمت بهذا الشأن والمطالبة بوقفها كما وجهت لكل من وزير العدل ونقابة الأطباء رسائل بهذا المعنى. وهي هنا تنشر بعض الخلاصات التي توصلت اليها على ضوء المقابلات التي أجراها فريقها مع عدد من الأطباء الشرعيين وعدد من الشبان الذين تعرضوا للفحص المذكور (المحرر).
الحالات التي يتم فيها الكشف:
أول ما يجدر ذكره في هذا المجال هو توسع النيابات العامة في اللجوء الى هذه الفحوصات. وهذا ما نتبينه في حالات عدة لا يتوفر فيها أي دليل على قيام أي من الأشخاص موضوع الفحص بعلاقات مثلية، كأن يحصل تبعاً لادعاء امرأة ضد ابنها الراشد على أساس أن ابنها يتشبّه بالنساء، مما يحمل على الشك بممارسة اللواط"[1][2]أو في حالات وشى فيها شخص ملاحق بأسماء أشخاص مدعيا ممارسته اللواط معهم أو بناء على معلومات. كما تم مؤخرا اخضاع ثلاثة شبان للفحص بعدما تم ضبطهم وهم يلعبون الورق في "فان" قرب دارة أحد السياسيين، وقد تم اعتقالهم للاشتباه بأنهم يراقبون هذه الدارة من دون أن يكون هنالك أي التباس من أي نوع كان على ممارسة الجنس. وقد بدا واضحا أن اخضاعهم للفحص حصل على خلفية أن احدهم ذات ملامح ناعمة وهي الحادثة التي فتحت عمليا النقاش بهذا الشأن، من خلال الندوة المشار اليها أعلاه[3].
ويجري مبدئيا الفحص فور اعطاء النيابة العامة اشارة بهذا الخصوص، شرط توفر طبيب شرعي مناوب. ويلحظ انه في بعض الحالات التي تم توثيقها، ارجئ الفحص الى اليوم التالي لعدم جهوزية أي طبيب مما أبقى الأشخاص المعنيين محتجزين في المخفر لليلة كاملة.
هكذا تجري هذه الفحوصات في المخافر:
أول ما نسجله هنا هو مكان اجراء الفحص. وهنا أشار عدد من الأطباء الشرعيين أن الكشف على الرجال يتم في مكتب حماية الآداب، في احدى غرف التحقيق غير المعدة ولا المجهزة لاجراء فحوصات كهذه وحيث تبقى الانارة ضعيفة وخافتة. وقد أجمع الأطباء الشرعيون على وجود تمييز بين المرأة والرجل في هذا المجال: ففيما تجري فحوصات الأجزاء الحميمية للمرأة (فحص العذرية وفحص الاغتصاب) في عيادة الطبيب أو في مستشفى أو مستوصف حفظا لخصوصيتها[4]حسبما أفاد عدد من أطباء تسنى الاستماع اليهم، صرح غالبهم أنهم يعاينون الرجال في المخفر، ما عدا واحد صرح أنه يطالب أيضا بإحضار الرجال الى العيادة الا في حالة طلب صريح من النائب العام او مسؤول رفيع المقام بانتقاله اليه[5].
أما بالنسبة الى التدابير المتخذة لحماية الخصوصية، فقد أعلمنا الأطباء بالاجماع بأنه يتم الكشف على كل شخص على انفراد بعد تسكير باب الغرفة. وقد قال أحد الأطباء إنه يقفل الباب بالمفتاح وأشار أحدهم بأن رتيب التحقيق يقف عادة في الخارج.
ولكن، هل يتحاور الأطباء مع الأشخاص الذين يخضعون للفحص قبل اجرائه؟ وهل يطلبون موافقتهم عليه؟
هنا صرح جميع الأطباء بأنهم يتحاورون بداية مع الشخص المعني بالفحص بهدف ايجاد جو من الثقة تمهيدا لتسهيل القيام بالفحص مع الحرص على معاملة الشخص المعني بلطف. ومن المقولات المستخدمة في هذا الصدد: "كن متعاونا، فتنتهي الأمور خلال خمس دقائق". وقد لوح عدد منهم أن هذا الفحص يسبب حرجا لبعض الأشخاص، ولا سيما الذين هم "شرفاء" أو من "عوائل شريفة" وفق تعبير أحدهم.
أما بخصوص الموافقة، فقد أقر الأطباء بأنهم لم يستحصلوا على موافقة خطية من أحد. لكن لم يحصل وفق هؤلاء أن رفض أي منهم الفحص.
بالمقابل، تبدو الرواية مختلفة بعض الشيء عند الاستماع الى الأشخاص الذين تعرضوا للفحص أو الى ممثلين عنهم كجمعية حلم.
فقد صرح أحد هؤلاء بانه لم يتمّ اعلامه من قبل الضابطة العدلية أنه سوف يخضع لفحص المثلية بل أن المحامية هي من أعلمته بذلك، وقد أُخرج من زنزانته وأدخل الى غرفة فيها مكتب وسرير. كما أشار الى أن الاعلان عن كشف الطبيب قد ترافق بعبارات تخويفية تهدف الى انتزاع الاعترافات (يراجع شهادة الشاب المنشورة في الاطار المحاذي). لا بل أن هذا الشاب اشار الى احتمال سعي الطبيب نفسه الى انتزاع هذا الاعتراف. فالطبيب "لم يذكر اسمه لكنه قال لي انه سوف يكشف علي لمعرفة اذا كنت أمارس اللواط، وسألني اذا كنت قد مارست اللواط سابقا فأجبت بالنفي. قال لي: "اذا قلت انك لم تمارس اللواط وتبين العكس من الكشف، فسوف يكون العقاب بحقك أقسى. قد لا يكون ذلك تهديدا لكنني شعرت انه كذلك".
كما أكد ممثل جميعة "حلم" خلال الندوة المشار اليها أعلاه أن أحد أعضاء الجمعية قد أرغم على الفحص رغم رفضه له، بل أكد أنه تم الامساك به من ذراعيه من قبل رجال الشرطة تمكينا للطبيب من اداء دوره.
أما عن كيفية اجراء الفحص بحد ذاته،  فقد أجمع كل الأطباء الذين قابلناهم بأنه يقتصر على فحص الشرج ومن الخارج فقط. ففحص القضيب بدائي ليس له أي فائدة علمية ولا يمكّن من معرفة ما اذا كان الشخص يمارس اللواط أم لا حسب أحد الأطباء.
وفي هذا الصدد، نسجّل رواية احد الشبان الذين تعرضوا للفحص: "بعد ان سألني ما اذا كنت قد مارست اللواط من قبل، طلب مني ان اخلع ثيابي، ثم قال لي: طبّ وشدّ.. ودلني كيف أمسك بمؤخرتي وأشدّها لفتحها واظهار الشرج. وقد قمت بما طلبه لكنه اردف بعصبية: "يلا شدّ". ثم أخذ صورتين لشرجي. كان يضع قفازات ولم يلمسني ابدا باستثناء مرة واحدة ليؤشر لي من اين اضع يدي للشدّ. بعد ان اخذ الصور، نظر الى الحاسوب، فسألته ماذا تبين له، اجاب انه سوف يرى لاحقا. لم يقم بأي شئ غير أخذ الصور." فحوصات لا تثبت شيئا:
الجواب الذي يجمع عليه الأطباء الذين تسنى الاستماع اليهم هو أن الاثبات القاطع الوحيد على حصول علاقة مثلية بين شخصين هو وجود سائل منوي في الفجوة الشرجية، بما يؤكد حصول عملية الادخال. لكن هذا الأمر يفترض أمورا ثلاثة، حصول عملية ادخال من دون واق ذكري وثانيا أن يكون الادخال قد حصل قبل 48 ساعة من اجراء الفحص وهي المدة التي تبقى خلالها خلايا الحيوان المنوي حية، وثالثا، استخدام أدوات من شأنها اكتشاف هذه الخلايا واستخراجها وهو أمر لا يحصل الا في حالات الاغتصاب وذلك تجنبا للأكلاف المرتفعة على حد تعبير أحد الأطباء الشرعيين. وهذا الأمر يعني أن ايجاد دليل قاطع في حال الكشف في معرض الاشتباه باللواط الرضائي هو أمر مستعص، وهو مستحيل عمليا لاحجام الأطباء عن استخدام الأدوات المذكورة.
بالمقابل، لا يشكل شكل الشرج أبدا اثباتا حاسما على هذه العلاقات وذلك لاحتمال أن يكون ناتجا عن مسببات أخرى. فكل مظاهر الشرج من اتساع واحمرار وشكل قمعي وندوب من غير الممكن أن تكون قطعية وهي لمصلحة النفي أكثر منها لمصلحة التأكيد. لذا ممنوع الجزم في كل هذه الحالات وفق أحد الاطباء. كما قال لنا آخر بأن الشكل القمعي للشرج قد ينتج عن علاقات مثلية لكنه ليس قاطعا ولم يحصل أن رآه يوما.
وغالبا ما يسعى الأطباء الى تعزيز فرضية المثلية أو دحضها الى الاستفسار عن المسببات الأخرى التي من شأنها أن تعطي الشرج شكلا مشابها للشكل الذي قد ينتج عن العلاقات المثلية المتكررة. وهكذا، أخبرنا أحد الأطباء بأنه يبحث عما اذا كانت هناك اعاقات خارجية من وقت الطفولة اذ أنها قد تؤثر على شكل الأعضاء. ويسأل الشخص الذي يخضع للفحص ما اذا كان يعاني من أمراض جنسية أو اكتام وذلك لأن الاكتام يشدّ العضلات ويسبّب جروحا في الشرج.
وهذا ما تؤكده بأية حال بعض المراجع المنشورة في هذا المجال. ومنها ما ذكره بصورة جليّة الطبيب الشرعي د. الياس الصايغ في كتابه المنشور في 1997 تحت عنوان "الطب الشرعي العملي: مقتطفات خبرة وقانون" حيث ورد: "يجب التنبيه الى أن اللواط اذا تمّ بلطف ورضا فهو لا يترك أي أثر يساعد على التشخيص حتى في حال التكرار"... وأن علامات اللواط المختلفة قد تحصل بسبب ادخال أي جسم غريب في الشرج غير الاحليل..." حتى ينتهي الطب الشرعي الى النتيجة الأخيرة انه ليس هنالك من اشارة أو ظاهرة أو دليل مقنع يؤكد أو يجزم بحصول اللواط أو نفيه وأنه بالاضافة الى السرعة في الكشف والمعاينة وأقوال الشهود يبقى اللجوء الى المختبر للتأكد من وجود شعر أو مني حول الإست أو في الشرج والبراز حتى يصار الى تأكيد وقوع هذا الفعل وهو أمر صعب اللجوء اليه والقيام به بالسرعة المطلوبة... كما أن الأعراض قد تشاهد عند أشخاص موثوقين لا شك حول أخلاقهم وتصرفاتهم وانها قد تُشاهد أو تُفقد تماما عند اللوطيين المعروفين"، ليخلص الى الاقرار بأنه يستنكف "في أكثر الأحيان عن القيام بهذه المهمة التي بعد تجريدها من القرائن والثوابت وخلوها من أي عنصر من عناصر الجرم والتأكيد تمسي هراء وافتراء لا يقرّه علم أو فن أو يسمح به منطق أو ضمير".
ومنها ما ذكره الطبيب الشرعي د. حسين شحرور في كتابه "الطب الشرعي مبادئ وحقائق" بأن الاتساع الشرجي وحده لا يمكن أن يُستعان به كعلامة تدل على وقوع اللواط أثناء الحياة. وأن بروز الخط المشطي الشرجي يجب ألا يقود الى الاعتقاد بوجود تمزقات أو شقوق وعليه لا بد من الدقة والتأني قبل ابداء الرأي..."
وفي هذا المعنى، ورد في كتاب الطبيب الشرعي د. زياد درويش "أن كلا من هذه العلامات قد تفقد في المعتاد على اللواط أو أنها توجد في من لا يشك بسلوكهم وليس هناك علامة واحدة تدل دلالة أكيدة على اعتياد اللواط... "
كما يؤكده بشكل قاطع تصريح الدكتورة لورنا مارتن، أستاذة الطب الشرعي في جامعة كيب تاون، جنوب افريقيا لجهة أن "النظريات التي تقوم عليها هذه الفحوصات لا قيمة لها من الناحية الطبية، غريبة وبالية...هراء"[6]. وتجدر الاشارة الى أن هذه الفحوصات منسوبة الى ما يعرف بوالد الطب الشرعي تارديو وقد اقترحها في 1857.
 
ومن خلال التدقيق في بعض التقارير التي وضعها أطباء شرعيون، يهم لفت النظر الى أن عنوان التقرير هو غالبا "تقرير طبيب شرعي على اشتباه بممارسة اللواط"، والى الاشارة الى نوع ووسيلة الاعتداء مما يؤشر الى استخدام النموذج المخصص للاغتصاب. ثم تتم الاشارة الى فحص للجهاز التناسلي من ناحية اللواط الحاد (أي المعالم ما دون اربعة أيام)، ومن ثم بواسطة الفحص للجهاز التناسلي من ناحية اللواط المزمن.
وفي تقرير طبيب آخر، يتبين لنا ذكر الكشف الحسي على كامل الجسم، وأيضا الاشارة الى وجود عدة أوشام على الكتفين وأسفل البطن على الجهة اليمنى (عدد خمسة بمجملها)- ما يدعو الى التساؤل حول القيمة الثبوتية للأوشام.    
 
ولكن، ما هي الخلاصات التي يتوصل اليها الأطباء في تقاريرهم على ضوء ضعف الاثباتات التي يمكن استنتاجها من فحوص مماثلة؟
بالطبع، الخلاصات هنا تأتي مبهمة وبشكل تساؤلات أكثر مما هي أجوبة: وهكذا، خلص أحد التقارير الى أن "المعالم للأعضاء التناسلية ولا سيما الشرجية والمصرة والعضلات والشكل تشير بأنه لم يمارس اللواط الحاد أو بشكل معنّف خلال الفترة الزمنية الأخيرة، ولكن جدير الذكر عن ارتخاء المصرة وانعدام المنعكس الشرجي المكتشف وبالأخص استنادا لافادته بأنه لا يشكو من أية أمراض اطلاقا قد تشكل عوارض شبيهة، أنها علامات تظهر أثناء ممارسة اللواط المزمن ولكنها لوحدها غير كافية للجزم بموضوع ممارسة اللواط المزمن".
وفي تقرير آخر، ذهب طبيب أبعد من ذلك فصرح أنه "بنتيجة الكشف لا يوجد أية علامات تدل على ممارسة اللواط وأن فحص الشرج طبيعي. نلفت الى أن عدم وجود آثار للفعل الجنسي في الشرج لا ينفي عمليا احتمال ممارسة اللواط".
ولا نبالغ اذا قلنا أنه ازاء هذا الواقع، وفي ظل غياب الأدلة العلمية، فان كل الممارسات الطبية التي يقوم بها الأطباء الشرعيون هي أقرب الى الأحجية منها الى العمل الطبي المهني.
في مدى قانونية اللجوء الى هذه الفحوصات؟ فحوصات تتعرض للخصوصية ومهينة للكرامة الانسانية:
"أنا شخصيا لم أمارس اللواط من قبل وكنت أعلم أن الفحص ليس دقيقا بكل الحالات. ولكن كنت خائفا من هذا الكشف. لقد شعرت أن هذا الفحص مهين ومذل لأن شخصا يلمس جسدي وينتهك خصوصيتي." بهذه الكلمات، عبّر أحد الشبان الذين تعرضوا للفحص عن شعوره بالاهانة. وهذا ما وثقته أيضا منظمة هيومان رايتس واتش من خلال بعض شهادات لشبان تعرضوا لهذا الفحص، نورد بعضا منها هنا: ""آه، انهم يظهرون لك الكثير من الاحترام! يستولون على رقبتك، يدفعون بظهرك بقوة، يفتحون أردافك، هذا الفحص ليس بفحص طب شرعي انما هو سفك دماء. أولئك الأطباء يعاملوننا معاملة الخنازير". وفي شهادة شخص آخر خضع أيضا للفحص، قال "ليس هناك من احترام، وقد بكيت لكلماتهم، منذ متى وأنت تُستعمل؟ ماذا علّقت في مؤخرتك؟ ما هو عدد الرجال الذين ناموا معك؟ لم يكن هذا ما قالوه، انما قالوا تعابير أسوأ من ذلك. وقد وجدت نفسي أجهش بالبكاء، عندها قالوا "هذا يكفي، أيتها الفتاة الصغيرة". وما يزيد الاعتداء على الخصوصية فداحة هو اجراء الفحوص في المخافر، أحيانا بوجود رتباء كما ثبت من خلال شهادات عدة.
وانطلاقا من ذلك، ذهبت منظمةHuman Rights Watch " في تقريرها الصادربتاريخ 17 كانون الأول 2008 حول هذه الكشوفات الطبية في بلدان عدة من مصر وصولا الى زمبابواي، الى حد وصفها بـ"تشوّهات تجتاح خصوصية الجسم الانساني، تجري من دون موافقة الشخص المعني بالفحص في اطار السجن- وتشكل بحد ذاتها "تعذيبا". "فكشف الطبيب الشرعي على شرج الرجل هو انتهاك مهين- وضرب من ضروب التعذيب وهناك مسؤولية على الدولة التي تمارسه كما وعلى الجسم الطبي" وفق ما صرح به نديم حوري،نائب مدير منطقة الشرق الأوسط في المنظمةفي ندوة عقدت في 23-5-2012.
وقد بنت المنظمة موقفها على حد تعبير حوري على أمرين: (1) أن هذا الكشف على الأجزاء الحميمية يتم من دون الحصول على موافقة خطية وبأية حال يستحيل اثبات الطابع الحر لهذه الموافقة طالما أنه يتم في فترة الاحتجاز، وغالبا من دون محام. و(2) أنها تنتهك بأية حال الحق بالخصوصية وبكرامة الانسان ومن شأنها أن تؤثر على الصحة النفسية والعقلية للفرد موضوع الكشف. وهذا ما ذهبت اليه أيضا منظمة العفو الدولية، بحيث اعتبرت أن الفحوصات الشرجية القسرية تخالف الحظر المطلق للتعذيب وغيره من ضروب المعاملة القاسية أو اللاإنسانية أو المهينة. فعدا عن أن فحوصات كهذه قاصرة عن اثبات العلاقات المثلية، فانها "في كل الأحوال تعسفية، مسيئة ومهينة بشكل عميق[7].
فحوصات مخلة للآداب الطبية:
رغم تفاوت مواقف الأطباء الشرعيين حول طابعه المهين، فان واحدا منهم فقط صرح لنا بأنه يرفض صراحة القيام بفحوص مشابهة، متذرعا بانشغاله بمهمّة خبرة أخرى، وذلك على اعتبار أنه طبيب شرعي وليس محققا بميول الأشخاص الجنسية. أما الآخرون فقد أعربوا أنهم يقومون بالكشف، رغم قناعة بعضهم بأنه مهين، وذلك تنفيذا لاشارة النيابة العامة التي تمثل بالنسبة اليهم القانون. وهكذا، وبدل أن يعمد الطبيب الشرعي الى انارة النيابة العامة حول الطابع المهين لهذا الفحص، تراه ينفذ تعليماتها من دون أي اعتراض أو تحفظ. لا بل أن أحد الشبان أشار الى أن الطبيب أعلمه أن وضعه سيكون اسوأ في حال تم اكتشاف مثليته التي ينكرها من خلال الفحص، مما يجعل الطبيب بمثابة محقق يضع وظيفته تحت تصرف النيابة العامة ليس لاثبات فعل معين انما لانتزاع اعتراف على حصوله. 
وعليه، يظهر بوضوح أن اجراء الفحص المذكور يشكل مخالفة للآداب الطبيةالموثقة بالقانون الصادر في 22-2-1994، والتي تلزم الطبيب، برفض استغلال مؤهلاته المهنية، للمساعدة أو الاشتراك أو القبول بأية معاملة غير إنسانية، ولو تحت التهديد.
كما أنه يشكل مخالفة لمبادئ الأمم المتحدة المتعلقة بآداب مهنة الطب[8]والتي تنص على أنه مخالف لهذه الآداب أن يقوم الأطباء باستخدام مهاراتهم على نحو يؤثر على صحة الشخص العقلية والجسدية، على حد تعبير نديم حوري. بالاضافة الى أن الأطباء الذين يقومون بها، بصورة قسرية، انما يخرقون واجباتهم الأخلاقية تجاه الأشخاص الخاضعين للفحص. وكل شخص تعرّض لتعسف مماثل يجب أن يؤمن له العلاج المناسب والحماية من أي تصرف تعسفي قد يتعرّض له في المستقبل (منظمة العفو الدولية)[9].
فحوصات مخالفة لقرينة البراءة:
من الثابت أيضا أن اللجوء الى هذه الفحوصات بات في حال تعارض تام مع مبدأ جوهري وهو "قرينة البراءة". فعدا عن أن لجوء النيابات العامة اليه من دون أي دليل جدي يسمح بالاعتداء على أي كان واخضاعه لمعاملة مذلة ومهينة ويفتح واسعا باب الابتزاز (وهذا ما تم توثيقه في حالات عدة تم ذكرها أعلاه)، فان النتيجة التي قد يؤدي اليها الفحص –والتي عبرت عنها تقارير عدة- تذهب في الاتجاه نفسه وفق اجماع الأطباء الذين تم الاستماع اليهم بحيث لا يمكن أن يتجاوز مرتبة الشك الذي يغلب عليه النفي وفق تعبير أحد الأطباء الشرعيين كما سبق بيانه.
وتاليا، فان غاية اللجوء الى هذا الفحص، ليست الحصول على دليل ادانة، انما على دليل براءة، مما يشكل مسا واضحا بقرينة البراءة ومخالفة اضافية للقانون. وحين نعلم أن الادعاء على أساس المادة 534 من قانون العقوبات غالبا ما مورس على أساس هذه الفحوصات التي هي عبارة عن مجرد شكوك واحتمالات يغلب عليها النفي، نستدرك حجم المشكلة في هذا المجال. فآن الأوان لأن نقر قرينة البراءة بنص... وآن الأوان ليعاقب من يمس بها.

نشر في العدد الخامس من مجلة المفكرة القانونية

[1]"الطب الشرعي مبادئ وحقائق"- الدكتور حسين شحرور- 1995
[2]هذا التقرير من اعداد وتنفيذ جمعية حلم، بالتعاون مع المؤلفين، وبدعم مالي من مؤسسة فورد .
[3]وهذا ما يؤكده د. حسين شحرور في كتابه "الطب الشرعي مبادئ وحقائق"، بقوله انه في بعض الأحيان"قد يلفق أحدهم التهم بادعائه أنه نام مع المتهم وفي الصباح وجد ملابسه غير مرتبة، او أنه أعطي عقارا ما أفقده الوعي، وذلك بهدف ابتزاز المتهم أو ٳلحاق الضرر به".
[4] يؤكد احد الاطباء ان هذا الامر حصل تبعا لمقال نشر في النهار في اوائل العقد السابق بشأن فحص جرى على امرأة في مكتب حماية الآداب العامة.
[5] وتنقل الناشطة في حقوق الانسان تينا نقاش أن هذه القاعدة المتبعة في فحص النساء خارج المخافر قد تم تكريسها اثر تقدمها بشكوى الى نقابة الأطباء في بيروت ونشر مقال في ملحق النهار. ويراجع في هذا الخصوص، كتاب نقاش المنشور على الموقع الالكتروني للمفكرة القانونية، كما يراجع ملحق النهار الصادر في 21-6-1997 (منشور أيضا على الموقع الالكتروني).
[6]Human Rights Watch, This Alien Legacy, December 18, 2008
[7]Human Rights Watch, This Alien Legacy, December 18, 2008
[8]United Nations, Principles of Medical Ethics relevant to the Role of Health Personnel, particularly Physicians, in the Protection of Prisoners and Detainees against Torture and Other Cruel, Inhuman or Degrading Treatment or Punishment, G.A. res. 37/194, annex, 37 UN GAOR Supp. (No. 5 1) at 211, A/37/51 (1982), Principle 4. The "Declaration of Tokyo" ("Guidelines for Medical Doctors concerning Torture and Other Cruel, Inhuman or Degrading Treatment or Punishment in relation to Detention and Imprisonment"), adopted by the 29th Assembly of the World Medical Association, Tokyo, Japan, October 1975, details comparable ethical principles.
 
[9]When Doctors torture: the anus and the state in Egypt and Beyond”. Scott Long