في 2009، انتصر ذوو المفقودين قضائيا. فقد انتهى القضاء الليبي الى قبول دعواهم الآيلة الى الزام الادارة العامة بالكشف عن مصائر هؤلاء. وتبعا لذلك، واصلوا اعتصامات أسبوعية أمام محكمة بنغازي متسلحين بالحكم القضائي، فشكلت هذه الاعتصامات شاهدا دائما على الجرائم المرتكبة خلال نظام القذافي، وكانت بمثابة الشرارة الأولى للثورة الليبية التي نشأت في خضم التظاهر الاحتجاجي ضد اعتقال منسق التحرك المحامي فتحي تربل في بنغازي. ويعتقد أن زهاء 1200 معتقلا، أكثرهم اعتقلوا لأسباب سياسية ولم يمثلوا امام أي محكمة، تمت تصفيتهم جماعيا في سجن أبو سليم في يونيو 1996 ولم تعلم السلطات الليبية ذويهم عن مصائرهم حتى صدور الحكم القضائي، أي في 2009. تسنى للمفكرة القانونية الالتقاء بوكيل العائلات، المحامي عبد الحفيظ غوقة (وهو نائب رئيس المجلس الوطني الانتقاليالليبي والمتحدث الرسمي باسمه سابقا ونقيب محامي ليبيا) في بنغازي، وقد سلمها نسخة عن هذه الأحكام وأجرى معها هذا الحديث المقتضب.
بنغازي، 4-7-2012
س.ما كان موضوع هذه الدعوى تحديدا؟ وعلام استندت؟ 
ج. الدعوى هدفت الى التعرف على مصائر الأشخاص المفقودين، وتاليا الى الزام الادارة بالكشف عن مصائر هؤلاء وتحديد أماكن تواجدهم وأسباب اعتقالهم وتمكينهم من زيارتهم والاطمئنان عليهم اذا كانوا على قيد الحياة واذا كانوا غير ذلك، اعلامهم رسميا بما آلت اليه مصائرهم. وقد استندت الدعوى بشكل رئيسي على المبادئ الدستورية وخصوصا الوثيقة الخضراء الكبرى لحقوق الانسان، فقد اردنا احراج السلطة بمنطقها هي، بما التزمت هي به. 
س. كيف تجاوبت الادارات العامة والقضاء مع هذه القضية؟
ج. الادارات العامة سعت الى اعلان عدم صلاحية القضاء العدلي متذرعة بأن قرار الاعتقال الصادر عن قوى أمنية نظامية يبقى قرارا اداريا، وقد ماشاها في ذلك الحكم الصادر عن محكمة شمال بنغازي الابتدائية الصادر في 24-6-2007 باعلان عدم صلاحيته رغم تأكيده على مشروعية الحق المطالب به. الا اننا طعنا بهذا الحكم أمام محكمة استئناف بنغازي التي قضت بالغائه واعادة الدعوى الى المرجع الابتدائي بعدما أكدت أنه صالح للنظر فيها، على أساس أن الدعوى تستند الى الكشف عن مصائر المفقودين بمعزل عن أسباب اعتقالهم. وهكذا، عادت الدعوى الى المحكمة الابتدائية بعدما تأكدت صلاحيتها استئنافا، فحكمت هذه المرة في 8-6-2008 بالزام الادارة العامة ببيان مصير المعتقلين وأماكن تواجدهم وأسباب اعتقالهم واعلام المدعين رسميا بما آل اليه مصيرهم. وهذا ما صادقت عليه محكمة استئناف بنغازي في حكمها الصادر في 11-5-2009. وابتداء من ذلك، بات الأهالي متسلحين بقوة حكم قضائي، فاكتسبت اعتصاماتهم الدورية أهمية اضافية فائقة. كما من آثار الحكم هو أن الأجهزة الأمنية بدأت بابلاغ الأهالي بوفاة أبنائهم وبعرض تعويضات عليهم، لكن غالبية الأهالي رفضوا ذلك.  
س. والآن بعد زوال نظام القذافي، ما هو مطلب ذوي المفقودين؟
ج. ثمة معلومات بأنه، بعد المجزرة الجماعية الحاصلة في 1996، وبفعل تنامي الضغط الدولي في هذا الاطار، تم اخراج الجثث وتقطيعها (فرمها) ورميها في البحر أثناء حكم القذافي، مما يجعل ايجاد جثامين هؤلاء شبه مستحيل. تقدمنا مؤخرا بشكاية جزائية لمحاسبة الفاعلين تمت احالتها الى المحقق العسكري على اعتبار أن الفاعلين كلهم عسكر. ذوو مفقودي سجن سليم يطالبون الآن بالعدالة، وقد تم القبض على عدد من العناصر المتورطين من ذوي المراتب المتدنية حاليا وننتظر استرداد بعض الشخصيات المحتجزين حاليا في الخارج، وعلى رأسهم السنوسي المحتجز في موريتانيا.    
 
  • موضوع الدعوى التي قدمها عبد الحفيظ غوقة بوكالته عن عشرات من ذوي المفقودين في سجن بو سليم:
الزام الادارة بالكشف عن مصائر هؤلاء وتحديد أماكن تواجدهم وأسباب اعتقالهم وتمكينهم من زيارتهم والاطمئنان عليهم اذا كانوا على قيد الحياة واذا كانوا غير ذلك، اعلامهم رسميا بما آلت اليه مصائرهم. الحقوق التي انبنت عليها الدعوى:
  • الحق بالحرية الشخصية، فلا يجوز عزل أي انسان الا بشكل احتياطي وفي مكان معلوم يخطر به ذووه ولأقصر مدة للتحقيق وحفظ الدليل وفقط في حال الاتهام بارتكاب أفعال معينة معاقب عليها في القانون وبأمر من جهة قضائية مختصة.
  • الحق بالحياة الأسرية، طالما أن جهل أماكن تواجدهم يؤدي الى حرمانهم العيش مع أسرهم وحرمان ذويهم من العيش معهم،
  • وضع حد للجحيم الذي تعيش فيه حاليا هذه العائلات وهو لا يزال مستمرا طالما بقيت مصائر هؤلاء مجهولة، (وقد أكدت المحكمة هي أن وضع المعتقلين في أماكن غير معلومة وتاليا منع ذويهم من زيارتهم انما يمثل ضررا معنويا يلحق ليس فقط بهم انما أيضا بذويهم الذين يمنعون من الاطمئنان على أبنائهم وأزواجهم وأشقائهم المعتقلين خلافا للمبدأ الذي يفرض حصر العقوبة بالجاني من دون أن تنصرف على أهله وذويه).
  • حق لجوء المواطن الى القضاء لانصافه من أي مساس بحقوقه وحرماته.
 
من أهم حجج الادارة العامة:
  • عدم صلاحية القضاء العدلي النظر في الدعوى لأن الاعتقال قرار اداري،
  • أن الاعتقال وعدم الكشف عن مصائر المعتقلين أعمال سيادية تخرج عن مراقبة القضاء.
 
مقتطفات من الحكم الصادر عن المحكمة الابتدائية في شمال بنغازي بقبول الدعوى في 8-6-2008
ان الاعمال السيادية هي الأعمال التي تتصل بالسياسة العليا للدولة والاجراءات التي تتخذها السلطة العليا للدولة لمحافظة على سياستها وكيانها في الداخل والخارج والتي يدخل من ضمنها ما يتعلق بالعلاقات السياسية مع الدول الأخرى والمسائل الحربية واعلان الأحكام العرفية أو حالة الطوارئ. أما ما يصدر عن جهة الادارة من أعمال وتصرفات ضد الأفراد تمس حرياتهم وأموالهم فانها تخرج عن مفهوم أعمال السيادة التي يمتنع على المحاكم النظر فيها.    
والمحكمة قبل الخوض في الموضوع تؤكد بأن القضاء هو المنزل الأشرف لعرض المنازعات فيما يشجر بين الخصوم من خلاف، وأن الانسان يسمو ويرتقي بقدر ما يحققه له القضاء من عدل يصون كرامته ويحمي حريته، ويحافظ على حقوقه ضد كل بطش أو قهر او عدوان.
أن القضاء في كل أمة أعز مقدساتها، انه ملاذ المظلوم والدرع الواقي في مواجهة عبث العابثين، فالجميع تحت مظلة القضاء مطمئنون آمنون، ومن ثم لا بد أن يتولى القضاء قضاة فوق كل خوف وبمنأى عن كل ملامة وبعيدا عن كل اغراء والا صارت المحاكم مصدرا للظلم.
وجهة الادارة ايا كان وصفها أو من يمثلها اذا ما خالفت القانون او تعدت على مقتضياته، أو خرجت على أهدافها فانها تحت مظلة القضاء وتحت سلطانه لا استثناء في ذلك، فوحده القضاء الحر النزيه القادر على ردعها وانزال حكم القانون على تصرفاتها المادية التي تخرق وتتجاوز على المبادئ العامة الأساسية للمجتمع والتي تتقاطع مع كافة المبادئ القانونية العليا التي تحرص على حماية الانسان وحرياته الأساسية في أي مجتمع، بحيث اصبحت تشكل قانونا اساسيا مشتركا بين جميع المجتمعات.
..
ليس من الجائز في ظل القوانين سالفة الذكر أن يبقى مكان أبناء وأزواج المدعين مجهولا ومصيرهم غير معروف طيلة هذه السنوات، الأمر الذي يجعل تصرف الادارة لا يعدو أن يكون عملا ماديا بحثا يجيز للقضاء المدني التدخل اذا ما طلب منه ذلك لالزام جهة الادارة بكف هذا الاعتداء أو بالكشف عن مصيرهم لذويهم والافصاح عن من هو حي منهم أو من انتقل الى رحمة الله.
وحيث أن لأمر كذلك وكان ما قام به تابعو المدعى عليهم (الادارة العامة) من اعتقال لذوي المدعين والزج بهم في غياب السجون دون تحقيق مسبق ودون تقديم مبرر لذلك، واسباب هذا الاعتقال وهو عمل غير مشروع يوجب مسؤولية الدولة الأخلاقية والقانونية تجاه مواطنيها وتنتهي معه المحكمة الى الاستجابة لطلب المدعين..     
 
 
نشر في العدد الخامس من مجلة المفكرة القانونية