شكلت حملة عامي 1965-1966 التي عُرفت بإسم "تطهير القضاء" أحد أهمّ الأحداث المؤثرة في تاريخ القضاء في لبنان ما قبل الحرب. فتحْت غطاء تحسين إنتاجية القضاء، أقرّ المجلس النيابي موادّ من شأنها عملياً إنهاء خدمة قضاة من قبل مجلس القضاء الأعلى والحكومة من دون أن يتسنّى لهم حقّ الدفاع عن أنفسهم. الكلّ كان موافقاً على ضرورة التدخّل لتحسين إنتاجية القضاء، لكن كثيرين رأوا أنّ التدابير المقترحة لا تُعالج مشاكل تأخير الدعاوى، إنما تزيدها تفاقماً. وإذ استذكر بعض النواب القضاء الكفؤ والنزيه في فترة الإنتداب، فإنهم سجّلوا أن السبب الأول لتراجع القضاء هو تراجع دور هيئة التفتيش القضائي التي باتت تنهشها التدخّلات على نحو أدّى إلى تعطيل دورها وإجهاض المساءلة والمحاسبة داخل القضاء. فتراخَتْ الهمم وتراكمَتْ الملفات وتأخر بتّ الدعاوى. وقد غمز هؤلاء أن تطهير القضاة لا يحلّ المشكلة، طالما أن النظام السائد سيعيد إنتاج الأسباب نفسها التي أدّت من قبل إلى تراجع إنتاجية القضاء. وقد أثبتت الأشهر والسنوات اللاحقة صوابيّة هذه التحذيرات.

ما تغيّر اليوم ليس بسيطاً. فالحرب وزمن ما بعد الحرب تركا آثاراً عميقة وسلبية على أداء القضاء، حيث تعاظمت التدخّلات في أعماله. الحديث عن الإنتاجية عاد إلى الصدارة في ظل تراكم الملفات، وهو أمر محقّ وضروريّ. الكل مع تحسين الإنتاجية، لكن السؤال مجددا هو: كيف؟ وبخلاف الستينيات حيث بدا عدد من النواب على بيّنة من الرابط الوثيق بين التدخّل في القضاء وانهيار الإنتاجية، يتعامل هؤلاء اليوم في ما يشبه الإجماع مع هذه المسألة وكأنّها عيبٌ خاصّ بالقضاة وأنّ تحسين الإنتاجية يتمّ من خلال تعزيز سبل مساءلتهم ومحاسبتهم قبل كلّ شيء وبمعزل عن أيّ اعتبار آخر. ولكن سرعان ما يكتشف سعاة الإصلاح القضائي أنّ لا مجال لتحقيق تقدّم مؤثّر على صعيد الدولة إلا من خلال إصلاحٍ يمرّ بالضرورة بمجموعة من الإعتبارات، أولها إعادة ترتيب العلاقة بين المؤسّسات القضائية والسّلطات الحاكمة التي تغلّها وتعزيز ضمانات استقلال القضاء.

من هذا المنطلق، وفي سياق سعيها لبناء دولة أكثر عدلاً، تعود المفكرة لتنبش صفحات من تاريخ القضاء اللبناني بحثاً عن دروسٍ للمستقبل. وأول الغيث في هذا المجال هو استعادة تفاصيل عملية التطهير القضائي في الستينيات والتي سننشرها على حلقات متتابعة. الحلقة الأولى نخصصها لإقرار التعديلات التشريعية والمناقشات النيابية التي رافقتها، على أن نستعرض في الحلقات اللاحقة السياق السياسي والقضائي الذي جرت فيه عملية التطهير وما أعقبها من تطورات. 

نشر في العدد 36 من مجلة المفكرة القانونية