وصل شارل حلو الى سدة الرئاسة عام 1964 خلفاً للرئيس فؤاد شهاب. كانت الدوائر الرسمية آنذاك، حسب حلو، عاجزة عن مواجهة مسؤولياتها "ما دفع بالمواطنين إلى استغلال هذا الأمر بشكل كبير[1]". لذا ارتأى الرئيس الحليف للنهج الشهابي إاطلاق حملة إصلاح للإدارة من شأنها تطهير مؤسسات الدولة من الموظفين الذين أشبعوها فساداً. بدأت الحملة من خلال إصدار قوانين استثنائية في أيلول وتشرين الأول 1965، شملت بالإضافة إلى موظفي الدولة، الجهاز القضائي. وكان هذا الجهاز تعرّض منذ نهاية عهد الرئيس فؤاد شهاب لحملة انتقادات واسعة وصلت إلى حدّ اتهام بعض القضاة بتلقّي الرشاوى واستخدام العدلية لتقوية نفوذهم. وبناء على ذلك، قرر حلو بالتعاون مع رئيس الحكومة آنذاك رشيد كرامي تطبيق خطة إصلاحية تميزت باشتمالها للقضاء. ولهذه الغاية، عمد مجلس النواب إلى إصدار قانون عدّل من خلاله تنظيم مجلس القضاء الأعلى في اتجاه منحه صلاحيات استثنائية تخوّله صرف القضاة. فأفضى الأمر إلى فصل 16 قاضياً عن الخدمة في كانون الأول 1965 وشباط 1966 في سابقة لم تشهدها دوائر العدلية لا قبلها ولا بعدها. ونتطرق في هذا البحث إلى حملة تطهير السلك القضائي، كما عرّفها المعنيّون آنذاك. فغالباً ما تطرح السلطة التنفيذية عناوين عريضة لإصلاح القضاء لتكتفي من بعدها بمحاسبة عدد من القضاة من دون بذل أي جهد لإصلاح النظام المسؤول عن الخلل القضائي. واللافت أنّ النقاشات التي دارت خلال تلك الفترة ما زالت منتجة بالنسبة إلى إشكاليات اليوم، سواء لجهة استعادة أدوات الإصلاح نفسها أو للتشكيك بصحة الإجراءات المتخذة. لذا تبقى استعادة هذه المرحلة من تاريخ لبنان أساسية لكل من يعمل اليوم على الإصلاح القضائي. ونتناول أولأ إقرار قانون تعديل تنظيم مجلس القضاء الأعلى والمناقشات النيابية التي رافقته. ثمّ نستعرض السياق السياسي والقضائي الذي سبق الإعداد للتطهير، لاسيما مشروع التشكيلات القضائية الذي تقدم به وزير العدل إميل تيان قبيل إعلان الدفعة الأولى من المصروفين. وننتقل من بعدها إلى نتائج حملة التطهير الأولى والتي شملت صرف إثني عشر قاضياً من الخدمة والبلبلة التي رافقت هذا القرار. ونختم بدفعة التطهير الثانية التي أنهت حملة الاصلاح المزعومة وأدّت في نهاية المطاف إلى استقالة حكومة الرئيس كرامي. ونحاول خلال عرضنا للوقائع الإجابة على الأسئلة التالية: لماذا تقرر إصلاح السلك القضائي من خلال صرف بعض القضاة فقط؟ ما هي المعطيات التي استند عليها المعنيّون لصرف هؤلاء؟ هل أخذت التوازنات الطائفية في عين الاعتبار؟ وأخيراً، هل نجحت هذه الحملة في تحقيق المتوخّى منها أم أنها جاءت مبتورة واستنسابية شأنها بذلك شأن العديد من حملات الإصلاح التي نفذتها الدولة؟
 
مشاريع عديدة في ظلّ غياب قرار جدي بالتطهير

أبدى الرئيس حلو رغبته بإصلاح الإدارة بهدف "فرض مقاييس جديدة وقاسية على العلاقات بين الدولة والمواطن عبر الادارة" كما جاء في مذكراته. واعتبر أنه من شأن هذا الإصلاح المساهمة في رفع لبنان إلى مستوى الدول الراقية، "حيث لا مجال لرفع الكلفة والخشبوشية بين المسؤولين والمواطنين في الشؤون العامة". وبغية تحقيق هذا الامر، سعى حلو إلى إقرار قانون يسمح برفع الحصانة عن القضاة متذرعاً بنهج العهود السابقة التي رفعت الحصانة عن "القضاة لمدة محدودة لإبعاد العناصر التي لم تكن ترتاح لوجودها[2]". تلقّى حلو الدعم من معظم الكتل في مجلس النواب بعدما شدد العديد من هؤلاء على أنه لم يعد من الجائز استمرار الوضع على ما هو عليه في قصور العدل، لاسيما أن القضاة عرضة لاتهامات واسعة "تتردد في مختلف المجالس السياسية والقانونية[3]". لكنه سرعان ما تبيّن لحلو أنّ رفع الحصانة عن القضاة سيعرّض السلك لتداعيات خطيرة. فسيسمح هذا التدبير بمعاقبة القضاة من قبل السلطة التنفيذية ما سيؤثر على إنتاجيتهم ويخلق جواً من التوتر في العدلية. كما أن من شأن هكذا إجراء تصوير القضاء على أنه سلطة مستضعفة يتحكم السياسيون في إدارة شؤونها. وبالتالي، عدل حلو عن مشروع رفع الحصانة بعدما اقتنع بوجوب التشديد على مبدأ فصل السلطات وعدم طغيان السلطة التنفيذية على السلطة القضائية. وبناء عليه، بدأت حكومة الرئيس حسين العويني بدراسة مشروع يعطي لمجلس القضاء الاعلى سلطات استثنائية لفترة زمنية محددة لتطهير القضاء. فجاء ضمن هذه الاقتراحات:

-       "توسيع صلاحيات مجلس القضاء الاعلى.
-       إجازة نقل القضاة إلى الجهاز الإداري تمهيداً لصرفهم.
-       دعوة القضاة المنوي صرفهم إلى الإستقالة حفظاً على كرامتهم[4]".
 
قانون تعديل تنظيم مجلس القضاء الاعلى

أعدّ وزير العدل آنذاك نسيم مجدلاني المسودة الأولى لمشروع قانون التطهير بإشراف حلو. كان هذا الأخير مصراً على التطهير لأنه لا يريد البقاء "ست سنوات في الحكم وهو يتعاون مع ادارة متهمة بالفساد". كما أنه اعتبر أنّ العدل يمكن أنّ يحقق على مراحل وأنّ مصير عهده مرتبط بنتيجة هذه الاصلاحات وهو بالتالي مستعد لصرف مقربين منه في حال توفرت أدّلة تدينهم[5]. بدا الرئيس عند إطلاق عجلة الإصلاح متحمساً ومتسلحاً بشجاعة لن تثنيه عن تحقيق ما عجز عنه أسلافه. ووفقاً لذلك، اتفق مجلس الوزراء بحضور رئيس مجلس القضاء الاعلى بدري المعوشي ومدعي عام التمييز نبيه البستاني ورئيس هيئة التفتيش القضائي شوكت المنلا على طرح مشروع قانون بتعديل قانون تنظيم مجلس القضاء الأعلى. وأبرز ما جاء فيه:

-       إعطاء مجلس القضاء الأعلى بصفته هيئة خاصة النظر في أوضاع القضاة لجهة الكفاءة المسلكية أو العجز الصحي أو الأهلية لتولي القضاء تلقائيا أو بناء على طلب من مجلس الوزراء، على أن يكون له تبعاً لذلك إنهاء خدمة القاضي.وتتخذ قرارات الهيئة بالأكثرية المطلقة من مجموع الأعضاء الذين تتألف منهم الهيئة وبطريقة الاقتراع السري.وفي هذه الحالة، يرفع القرار فوراً إلى مجلس الوزراء الذي يكون عليه أن يبت به خلال مهلة عشرة أيام من تاريخ وروده على أمانة سر المجلس. وفي حال انقضاء المهلة المذكورة دون البت به، يصبح هذا القرار نافذاً وخدمة القاضي منتهية حكماً دون حاجة إلى استصدار أي نص خاص، وتصفى جميع الحقوق المالية المستحقة للقاضي وفقاً للقوانين المرعية[6].
-       لم يكتفِ المشروع بإعطاء هذه الصلاحية الواسعة للهيئة الخاصة، إنما نص علاوة على ذلك أنه "في حال ورود الطلب من مجلس الوزراء بالنظر في وضع أحد القضاة، يكون على الهيئة أن تبتّ به خلال عشرة أيام من تاريخ وروده إلى أمانة سر الهيئة". ويكون للحكومة "في حال انقضاء المهلة دون البت بالطلب في قرار يتخذ في مجلس الوزراء إنهاء خدمة القاضي".
-       والأخطر من ذلك، اعتبر المشروع أن إنهاء الخدمة بالإستناد إلى هذه المادة لا يقبل "أي طريق من طرق المراجعة بما في ذلك طلب الإبطال لسبب تجاوز حدّ السلطة أو طلب التعويض عن طريق القضاء الشامل".
-       أتاح المشروع لكل قاض أن يطلب خلال مهلة عشرة أيام من نفاذه صرفه من الخدمة أو إحالته على التقاعد، على أن يكون لمجلس الوزراء أن يقبل الطلب أو يرفضه.
-       حدد تعويض القاضي في حالة صرفه من الخدمة على التقاعد بالاستناد إلى الأحكام المنصوص عليها أعلاه، بمبلغ يوازي راتبه الأساسي مع التعويض العائلي فقط عن أربعة أشهر.

وقد جاء في الأسباب الموجبة أن الحكومة رأت حرصاً على استقلال القضاء أن تجعل من مجلس القضاء الأعلى هيئة مراقبة ذاتية دائمة تنظر في أوضاع القضاة وتقترح عند الإقتضاء إنهاء خدمة من لم تعد تتوفر فيه منهم الكفاءة المسلكية أو الأهلية لإشغال منصب القضاء أو العاجز صحياً.
وقد هدفت الحكومة من خلال مشروع القانون إلى إعطاء مجلس القضاء الأعلى صلاحيات إستنسابية سمحت له بالتحكم ليس فقط بعمل القضاة بل بمصيرهم أيضاً. كما أنّ المشروع أغفل تماماً حق القاضي بالدفاع عن نفسه، وأقفل الباب أمام أية آلية تسمح بإبطال القرار أو مراجعته.
وختاماً، يُلحظ أن المشروع هدف أيضا إلى تعديل كيفية تأليف المجلس التأديبي للقضاة العدليين، بحيث يكون رئيس وأعضاء هذا المجلس كافة من قضاة السلك[7].
 
مناقشات المجلس النيابي: النواب يظهّرون واقع القضاء

بدأت مناقشة مشروع تنظيم مجلس القضاء في مجلس النواب في أوائل تموز 1965. وقد تناول النواب العديد من النقاط المثيرة للإهتمام خلال الجلسات. وقد تمحورت أبرزها حول منح القاضي الحق بالدفاع عن نفسه ووضع قانون يأخذ في عين الاعتبار الشكاوى الحقيقية للرأي العام.  فهذا الاخير يلوم القضاء على التأخير في الفصل في الدعاوى وعلى إطالة المحاكمات لسنوات. كما تمّت مناقشة دور التفتيش القضائي وقد أجمعت المداخلات على أهميّة تفعيل دوره لحماية القضاء. وجاء في المداخلات أيضاً تأكيد على تصاعد وتيرة التدخلات السياسية في القضاء بالإضافة إلى انتشار الفساد في العدلية، إن من خلال تنامي ظاهرة السيارات والمنازل الفخمة، أو تأجيل البتّ في بعض الدعاوى بطلب من أحد النافذين.
وفي هذا السياق، اعتبر النائب صبحي المحمصاني أنّ أسباب التأخير تكمن في قلّة عدد القضاة وتدنّي رواتبهم والتي لا تشجع العناصر القوية على الدخول في سلك القضاء. ومن هذه الأسباب أيضاً عدم الاهتمام بالتفتيش الجدي، فالتفتيش عبارة عن تقارير توضع بالأدراج. وقد خلص محمصاني إلى القول بأنه لا يوجد أي معالجة لهذه الأسباب في المشاريع المطروحة.

من ناحيته، ركز النائب كمال جنبلاط على ضرورة التطهير في السلطة التنفيذية ايضاً حيث جزم أن الفساد الحقيقي موجود بين رجال السياسة. ف"أولئك أفسدوا القضاء وجعلوا منه مطية لغاياتهم ولأحقادهم السياسية ولمصالحهم المالية". لكن جنبلاط شدد على أنّ هذا الوضع ينسحب على فئة قليلة من القضاة فيما تشكل الأكثرية "ضمانة معنوية وانسانية كبرى". وطالب جنبلاط أخيراً بوضع "شرعة شرف كنظام للسلوك الشخصي للقاضي فسلوكه الشخصي مرتبط بوظيفته ووظيفته فيها نوع من القداسة، يجب أن يتمشى في سلوكه الشخصي مع هذه القداسة التي تفرضها عليه وظيفته".
أما من جهته، فقد ركز النائب أنور الخطيب على قرار رفع الحصانة عن القضاة. "إن ما يسمى بالحصانة القضائية الموجودة في كل تشريعات العالم قد ألغيت بموجب هذا القانون. القضاة لم يعد لهم حصانة لقد أصبحوا كسائر الموظفين لأنّ هذا القانون يجعل من مجلس القضاء الأعلى هيئة خاصة صالحة في كل حين أن تبحث في أهلية القضاة، وكفاءة القضاة، وعجزهم الصحي". وتناول الخطيب دور التفتيش القضائي حيث اعتبر أنّ من مهمة هذا الأخير الإضاءة على إيجابيات عمل كل قاض وليس فقط سلبياته. "التفتيش القضائي له حسنة هو أنه يسجل السيئات جميعاً... أما إذا كان قاضٍ عالما يفصل الدعاوى كما يجب، نزيه، يقوم بواجبه على أحسن ما يكون، فلا يدوّن شيء في سجله".

وكان لافتاً أيضاً تشديد الخطيب على ضرورة تذاكر مجلس القضاء الأعلى قبل اتخاذه قرارات إنهاء الخدمة من جهة ومنح القضاة المطروحة أسماؤهم حق الدفاع قبل اصدار القرار النهائي في شأنهم.

أما النائب أديب الفرزلي فقد رأى أنّ الإصلاح لا يمكن أنّ ينجح طالما أنّ الجسم المسؤول عن تحقيقه قد شكل على أساس طائفي. "تصوّر أنكم ستشكلون مجلساً يطهر في القضاء ويشكل على أساس الطائفية. يجب أن يشكل على أساس الشرف، على الكفاءة، على أساس التاريخ النظيف للموظف الذي يقوم بعملية التطهير، والا ماذا يفيد؟"

من جهته، طالب النائب ألبير مخيبر بإنشاء هيئة خاصة مهمتها إجراء إحصاءات سنوية تساهم في مراقبة عمل القضاة. "الإحصاء هو أساس في هذه الدولة، فإذا أردتم خيراً لهذا المشروع، يجب أن يزاد عليه هيئة أخرى تدرس الأحكام التي تصدر عن القضاة، وعلى أساسها يمكن للمجلس التأديبي أن يحكم علىالقضاة".

أمّا النائب خاتشيك بابكيان فقد اعتبر أنّ الاصلاح الحقيقي للقضاء لا يمكن أنّ يتجاهل الموظفين في السلك القضائي من وكلاء تفليسه، من مساعدين قضائيين في الأقلام، من مباشرين. "كلنا يعلم بأنه يكفي المدعى عليه أو المدين الأرعن، لكي يستدرج عطف القاضي، أن يتفق مع المباشر ليؤجل قضيته . وعندها يتهم الجسم القضائي بالتأخير، ولكن تكون أسباب التأخير من وراء ذلك العمل الذي يقوم به المباشر أو سواه[8]".

تطلب القانون أربع جلسات مناقشة في مجلس النواب بغية إقراره. وفيما حملت النقاشات الكثير من الإقتراحات القيّمة والتي لا تزال موضوع نقاش حتى اليوم، صدر القانون كما طُرح في صيغته الأصلية بدون أيّ تعديل يُذكر. أُقرّ اذاً القانون في 19 تموز 1965 بالأكثرية فيما خالف النائبان جوزف مغبغب وناظم القادري، وامتنع كلّ من ألبير مخيبر وجان عزيز.
 
أقرّ القانون فاستقالت الحكومة

وأمام كثرة المشاريع والاعتراضات، توقفت الحكومة أمام عقبة رئيسية: من سيتحمّل مسؤولية التطهير؟ ففيما كان رئيس الجمهورية يعدّ القوانين ويحرص على الإشراف شخصياً على الآليات الموضوعة لتطهير القضاء والادارة، كان بعض الوزراء يبدون خشيتهم من تداعيات هذه التدابير على مستقبلهم السياسي خاصة بعيد اقتراب موعد الانتخابات النيابية. وفيما لجأ بعضهم لتقديم استقالته كالوزير فيليب تقلا، اعتبر آخرون أنه لا يجب أن تتحمّل الحكومة وحدها مسؤولية هذه الاجراءات. واعتبر كمال جنبلاط في هذا السياق "أنّ الاكثرية النيابية متفقة على ضرورة الإتيان بحكومة جديدة إذ لا يعقل أن تتوّلى حكومة تضمّ في صفوفها وزراء حزبيين مسؤولية الإصلاح والتطهير[9]". بدا واضحاً حينها أنّ عمر حكومة العويني بات قصيراً وأن ارتباك وزرائها لن يسمح بتطبيق مشروع التطهير. وبدأت المشاورات لتأليف حكومة تمثل جميع الكتل النيابية فتحظى بالتالي بغطاء سياسيّ يسمح لها باتخاذ هذه القرارات الحاسمة. وبالفعل، استقالت الحكومة في أواخر تموز 1965 وكلف حلو الرئيس رشيد كرامي تشكيل حكومة جديدة قادرة على توّلي مهام التطهير.
 
ردّة الفعل القضائية والسياسية بعد صدور القانون

صدر القانون في الجريدة الرسمية في 9 أيلول 1965 ودُعي "القضاة الراغبون في طلب صرفهم من الخدمة أو إحالتهم على التقاعد مهلة عشرة أيام – تبدأ من تاريخ 9 ايلول 1965 وتنتهي في 19 منه – بالتقدم بذلك[10]". أثار القرار الرسمي بلبلة كبيرة في أوساط قصر العدل. فاستغرب القضاة التعرض بهذا الشكل لسمعة السلك القضائي واللجوء الى تجريح القضاة من خلال المسّ بكرامتهم الشخصية. وتساءل البعض عن ردّة فعل الناس عندما يسمعون عن صرف قضاة كانوا قد فصلوا في قضاياهم وأدينوا فيما بعد لإرتكاب مخالفات. واعتبر القضاة أنّ الاصلاح الحقيقي يبدأ في الادارة، السبب الأساسي لإنتشار الفساد وناشدوا مجلس القضاء الأعلى الابتعاد قدر الإمكان عن كل ما يمكن أن يسيء الى سمعة القضاء. وإزاء هذا الواقع، أشار المعنيون في مجلس القضاء الأعلى والهيئة الموحدة (المسؤولة عن تطهير الوظيفة العامة) لصحيفة النهار أنّ تكليفهما بإجراء التطهير دليل واضح على عدم وجود نيّة جديّة في الاصلاح. ورأوا أنّ وراء القرار خطة ترمي الى التنصل من المسؤولية وإلقائها على عاتق فريق من الموظفين، من بينهم فيما يتصل بالقضاء، أعضاء مجلس القضاء الأعلى[11]. كما تساءل القضاة عن "أسباب النقمة الرسمية على أوضاع قصر العدل والمدى الذي وصلت اليه الصحف في نشر الغسيل على السطوح[12]".

وبالفعل، فقد استحوذت القضية على اهتمام واسع من الرأي العام، فواكبها الإعلام بشكل مكثّف وبدأت الصحف بالتسابق للحصول على سبق. وفي هذا الإطار، نشرت جريدة النهار في أيلول 1965 تقريراً سرياً عن القضاء كانت قد أعدّته الجهات القضائية وتناول المشاكل التي يعاني منها السلك. أظهر التقرير خطورة ما يجري في أروقة العدلية. إلا أنّ أوساط قصر العدل لم تولِه اهتماماً كبيراً خاصة بعدما كشف مصدر للنهار أنّ "هناك تقارير سنوية عن أوضاع القضاء تتضمن ما هو أمرّ مما نشرته الصحيفة[13]".

ولقد خلص التقرير بعد ذكر المساوئ إلى اقتراحات عدة، أبرزها:

-         "إجراء تشكيلات تطال جميع القضاة الذين مضى عليهم وقت طويل في مناصبهم وكذلك القضاة الذين سوف لا يطالهم قرار مجلس القضاء الأعلى بالصرف وكانوا عرضة للإنتقاد.
-         تخصيص قضاء لرؤساء اللجان دون أي تعويض ليتفرغ قضاة آخرون للمحاكم العادية فيزيد فصل الدعاوى. مع العلم أن هناك قانوناً صدر بهذا الشأن ولم ينفذ بعد.
-         إلغاء التدريس في معاهد الحقوق للقضاة للغاية ذاتها.
-         تعزيز التفتيش من خلال:
أ‌-     إعطاء مجلسه حق معاقبة القضاة في المخالفات التي لا تستوجب أكثر من التنبيه أو اللوم.
ب‌-بأخذ رأيه في جميع التشكيلات والتنقلات قبل عرضها على مجلس القضاء الأعلى نظراً للخبرة التي لديه عن القضاة جميعهم.
-         تعديل ملاك القضاة والمساعدين القضائيين وزيادة عددهم في المحاكم والأقلام المحتاجة احتياجاً كلياً لهذه الزيادة.

من جهة أخرى، انتشرت أخبار تفيد بأن عملية التطهير هي في الواقع حملة انتقامات شخصية ضد رجالات شمعون في السلطة. وفي هذا السياق، ذكرت جريدة الأنباء أنّ الرأي العام يطالب "بتطهير الإدارة اللبنانية من جماعة شمعون وعهده". واعتبرت الصحيفة أنه إذا كانت الدولة عازمة على "اقتصاص الفساد المعشش في دوائر الدولة من الجذور، فلا إصلاح ما دام جماعة شمعون يعيثون فساداً في دوائر الدولة ودواوينها[14]". لا شيء يجزم أنّ هذا الأمر كان السبب الوحيد للحملة، وهو على الأغلب ليس كذلك. لكن لا يمكن تجاهل رغبة حلو وكرامي بإيصال المقربين من النهج الشهابي إلى المناصب الرئيسية في القضاء. لعلّهم سعوا لذلك لكنهم لم يدركوا بدون أيّ شك أن عواقب هذه الحملة ستكون وخيمة على عهد حلو وحكومة كرامي على حد سواء.
 
نشر في العدد 36 من مجلة المفكرة القانونية

للاطلاع على النسخة الكاملة للمقال، اضغط/ي على الرابط ادناه