تواصلت الجلسة مع رئيس مجلس القضاء الأعلى جان فهد على يومين متتاليين زهاء سبع ساعات. حدّثنا فيها الرئيس فهد عن سيرته القضائية، إبتداءً من ترشحه لمباراة الإنتساب إلى القضاء في خضمّ الحرب اللبنانية، وصولاً إلى منصبه الحالي، مروراً بمختلف المراكز التي شغلها في القضاءين العدلي والعسكري. في هذا العدد، سنكتفي بنشر الجزء المتصل بتوجهات المجلس وخططه، والعوائق التي يجابهها في تنفيذ هذه الخطط. ليست قليلة النقاط التي عبرت فيها "المفكرة" عن إختلافها مع طروحات الرئيس فهد، لكن كان من المهمّ والمفيد جداً الإستماع مليّا إلى كيفيّة مقاربة المسائل القضائية من قبله، تعميقاً لفهمها من مختلف جوانبها. خلال الحديث، برزت توجهات واضحة لدى الرئيس فهد، منها الآتية:
  • أنه قانع بأن آليات عمل المجلس تحتاج إلى مأسسة وتحديث، فالأمور كانت تتم فيما مضى وفق الطرق التقليدية  كأن تجري التشكيلات القضائية بناء على المعرفة الشخصية أو الإنطباعات العامة ووفق البيانات الشهرية للإنتاج والعقوبات المسلكية إن وجدت دون أن يكون هناك إضبارات تقييم، أو أي معلومات موثّقة عن نشاط المحاكم. ورأى الرئيس فهد أن إنشاء أمانة السرّ والسعي إلى تأمين موارد بشرية ومادية لها أتيا في هذا الإطار،
  • أولوية الإصلاح لديه هي تحسينصورة القضاء عبر تطوير إنتاجية المحاكم، فيستعيد المتقاضون ثقتهم بقضائهم، ويدافعون عنه من تلقاء أنفسهم ويتراجع منسوب التدخّل والمراجعات في أعماله. وبهذا المعنى، يرى الرئيس فهد أن وقف التدخّل في الشؤون القضائية يكون في قيام الجسم القضائي نفسه بتحصين ذاته ضده وقيامه بعملية تنقية ذاتية وتطوير العمل القضائي والأجهزة المعاونة للقضاء، من محامين ومساعدين قضائيين وخبراء،
  • أنه أوجد نظام الهئيات الاستشارية لإشراك القضاة أنفسهم في إدارة المنظومة القضائية والمساعدة في تطويرها، لكن مشاركة القضاة تبقى ضمن الترتيب التنظيمي للقضاء وبالتالي ضمن الحفاظ على دور الرؤساء الأول الاستنافيين ومجلس القضاء الأعلى. فعلاقة مجلس القضاء الأعلى بالقضاة هي شبيهة بعلاقة أب الأسرة بأولاده، فهو يسمعهم ويستشيرهم ويبقى صاحب القرار باعتباره المسؤول عن حسن سير القضاء وكرامته واستقلاله بموجب القانون،
  • إن حذره إزاء إنشاء جمعية أو نادٍ للقضاة نابع عن غموض سندها القانوني، وعدم وضوح القيمة المضافة التي قد تؤديها مثل هذه الهياكل،
  • له قراءة واقعية مرنة للعلاقة مع السلطة التنفيذيةخصوصاً في ظلّ آلية إصدار التشكيلات القضائية الواجب حصولها حاليا بمرسوم، وفي ظل مبدأ التعاون والتوازن بين السلطات المحلوظ دستورياً إلى جانب مبدأ الفصل بين السلطات. وهو يفضل في هذا المجال أسلوب الإنفتاح والإقناع على أسلوب الإنغلاق والصدّ. فإذا طرحت السلطة التنفيذية تعييناً غير مناسب، يسعى إلى إقناعها بعدم سدادته على ضوء المعطيات والمعلومات المتوافرة. كما أنه يحفظ دوماً مكاناً لحلحلة الأمور مع السلطة التنفيذية. وقد بدا حريصاً على تحميل القضاة الذين يتودّدون إلى السياسيين المسؤولية الكبرى لأيّ تدخّل سياسيّ في القضاء. فأكثرية مطالب السلطات السياسية في التشكيلات القضائية وفق ما أفادنا به تهدف إلى تقديم منافع اجتماعية للقضاة أنفسهم، كنقلهم إلى هذه الدائرة أو هذه المنطقة.
  • أخيراً، خلال الحديث، سجّل الرئيس فهد إنفتاحاً لافتاً على التعاون مع المنظمات الحقوقية. وهو إذ سلّمَنا نسخة عن خطته الخمسية، فإنه طلب من المفكرة إعلامه بكيفية مساهمتها في تنفيذها،
وقد حاوره كل من سامر غمرون ونزار صاغية وجويل بطرس من المفكرة القانونية.
 
المفكرة: ما هي أبرز التحديات التي واجهتها كرئيس مجلس قضاء أعلى؟

الرئيس فهد: لست جديداً على مجلس القضاء الأعلى. فقد سبق تعييني عضواً فيه على دورتين، الأولى في العام 1999 والثانية في العام 2009. وقد استطعت من خلال ذلك أن أجمع بين خبرة المجلس من جهة وخبرة القاعدة من جهة أخرى. فخلال مدة ولايتيَّ في المجلس تعرّفت على طبيعة عمله، لاسيما أنني كنت أشغل منصب أمين سرّه في الولاية الأولى. كما أن عملي في المحاكم واحتكاكي الدائم بزملائي ساهم في تكوين رؤيتي لمطالب القضاة وحاجات المحاكم والمتقاضين. وقد تكوّنت لدي قناعة بوجوب تطوير عمل المجلس من خلال مأسسته. ففي الماضي ونظراً لعدد القضاة القليل ولعدد الدعاوى المحدود، كانت العدلية تسير وفقاً للطرق التقليدية وعلى الجهود الشخصية ولا سيما أن القيّمين عليها كانوا يعرفون جميع القضاة، وكانت هذه المعرفة تغني المجلس عن تنظيم ملفات شخصية للقضاة لديه. لكن العدلية باتت تضمّ الآن أكثر من 500 قاضياً وأعداد الملفات تزداد بشكل كبير، وبالتالي، بتنا بحاجة لمأسسة عمل المجلس والاعتماد على نظام معلوماتي لتسيير العمل القضائي. أن المجلس لم يعد يستطيع مواجهة التحديات إذا استمر العمل فيه وفق الطرق التقليدية، وأصبح لزاماً علينا أن نضع نظاماً إدارياً حديثاً يواكب العولمة والتجدّد ورؤية لمستقبل القضاء ودوره. من هذا المنطلق، وضعت فور تعييني في منصب الرئيس الأول لمحكمة التمييز خطّة خمسيّة لإدارة عملية التحديث والتحوّل في المحاكم بالإضافة إلى معايير علمية وموضوعية لإجراء التشكيلات القضائية ولقد طرحت الخطة والمعايير على أعضاء مجلس القضاء الأعلى، وتمّت مناقشتها من قبلهم وإقرارها. ونعمل حاليّاً في المجلس وفق هذه الخطة ونسعى لتطبيق البنود الواردة فيها مستندين في ذلك إلى دعم وزارة العدل والإتحاد الأوروبي.
 
المفكرة: ما هي الآلية المتبعة لتطبيق هذه الخطة؟

الرئيس فهد: أنا أؤمن بالعمل الجماعي. قمت مع مجلس القضاء الأعلى بإنشاء خلايا عمل متخصصة من ضمن مجلس القضاء الأعلى ومن خارجه تتوزع المهام فيما بينها؛ منها الدائم كلجنة التدريب المستمر ولجنة معالجة الاختناق القضائي، ومنها المؤقت لدراسة أي مشروع يطرح على مجلس القضاء كلجنة إعداد مشروع نظام التقييم القضائي. كما جرى استحداث أمانة سرّ للمجلس تشكل جسماً إدارياً مساعداً لمجلس القضاء الأعلى في مهامه وهي تعمل تحت إشرافرئيس مجلس القضاء الأعلى. ولقد تمّ إلحاق ثلاثة قضاة وخمسة مساعدين قضائيين بها، ونعوّل حالياً على مشروع ممّول من الاتحاد الأوروبي بغية تطوير أمانة السرّ لتتمكن من أداء المهام الملقاة على عاتقها بشكل أفضل.
 
المفكرة: ما هي أبرز مهامّ أمانة السر؟

الرئيس فهد: أمانة السرّ ضرورة إدارية لتمكين المجلس من القيام بأعماله بشكل أفضل. تتوزع مهامها بين الإدارة القضائية والعلاقات العامة والدولية والأرشفة والدراسات.

من أبرز ما قامت به حتى الأن إنشاء موقع الكتروني للمجلس، ومكننة آلية الإشتراك بمباراة الدخول إلى معهد الدروس القضائية، وتأسيس المكتب الإعلامي ومكتب مراجعات. كما أقدمت على تطوير الإحصاءات المتعلّقة بعمل المحاكم والقضاة. نلفت النظر إلى أن هذه الإحصاءات تظهّر كيفية عمل المحاكم وتساعد في تحديد حاجياتها المادية والبشرية، وقد تمّ الرجوع إليها عند إعداد مشاريع التشكيلات القضائية لا سيما لجهة تحديد عدد القضاة في المحاكم.

وتجدر الإشارة إلى أن المجلس، ضمن خطة معالجة مشكلة تراكم الملفات، استحدث طريقة جديدة لتوزيع الملفات بين القضاة العاملين سابقاً والقضاة المعينين حديثاً في هذه المحاكم، بحيث استمر الأولون بالنظر في ملفاتهم القديمة، وتولى القضاة الجدد النظر في الملفات الواردة حديثاً. وبهذه الطريقة، لا يتحمّل القضاة الجدد عبء بتّ الملفات القديمة التي سبق لسواهم أن تابعها.

وأننا نرسل هذه الإحصاءات إلى هيئة التفتيش القضائي، ونطلب منها التحقّق من بعض الحالات حيث تخرج النتائج عن حدود العمل المتوقعة. وتهمّني الإشارة إلى أن بيانات استمارة الإحصاءات القديمة لم تكن دقيقة، ولم تكن تعطي صورة كافية عن عمل المحاكم الفعلي. فمثلا، الإحصاءات القديمة كانت تحتسب قرارات إسقاط المحاكمة لمرور خمس سنوات من دون تحريكها من أي من الفرقاء ضمن القرارات النهائية الصادرة عن المحكمة تماماً كالأحكام النهائية مما يعطي فكرة خاطئة عن حركة المحاكم. ونتيجة الخطة الحديثة، تمكّنا من ملاحظة حصول زيادة في إنتاجية المحاكم بحدود 30%.
 
 
المفكرة: تقولون: زاد عدد الأحكام الصادرة، ولكن ألا تخشون أن يكون ذلك حصل على حساب نوعيتها؟

الرئيس فهد: ليس هناك من آلية مستقلة للتدقيقفي نوعية الأحكام حالياً. الوسيلة الوحيدة المتاحة هي رقابة محاكم الدرجة العليا على الأحكام والقرارات الصادرة عن المحاكم الدنيا. فقبولطعون كثيرة ضد قرارات صادرة عن محكمة معينة، يمكن أن يشكّل مؤشّراً على نوعية قرارات هذه المحكمة. وحالياً، يمكننا تحديد نسبة الأحكام الصادرة عن هذه المحكمة أو تلك والتي تمّ فسخها. إلا أنه إذا كان يمكن تحديد الغرفة الإبتدائية أو الإستئنافية بالذات، فالأمر يختلف بالنسبة للقضاة المنفردين حيث لا يمكننا حتى الآن تحديد نسبة الأحكام الصادرة عنه والتي تم فسخها من محكمة الاستئناف.
ولكن بالعودة إلى تخوّفكم من أن تكون زيادة كميّة الأحكام حصلت على حساب نوعيتها، أودّ التشديد مجدداً على أن العدد الحالي للدعاوى العالقة أمام القضاء يفترض تسريع وتيرة العمل في المحاكم، فمن غير الطبيعي أن ينتظر المواطن بين ثلاث وخمس سنوات لكي يحصل على حكم نهائي في المرحلة الابتدائية. لذا طلبنا من القضاة الاختصار بالحدّ الممكن سواء في الواقع أو في القانون حين كتابة الأحكام كسباً للوقت. المطلوب من القاضي طرح المسألة القانونية أساس الدعوى وحلّها، فنحن في ظرف ضاغط، ويقتضي التصرف على نحو يتناسب مع هذا الظرف. أن الاستفاضة في تعليل الأحكام غير ضرورية في المحاكم التي تعاني من تراكم في الملفات. فالهمّ الأساسي للمتقاضي وللقضاء في لبنان هو إحقاق الحق. في فرنسا تمّ وضع قواعد في كتابة القرارات التمييزية تمنع الاستفاضة في التعليل، وذلك حين جرى التصدي لمشكلة تراكم الملفات أمام محكمة التمييز في العام 2000.
 
المفكرة: ولكن، ماذا عن تطوير الإجتهاد؟

الرئيس فهد: أنا أقصد في كلامي القضايا الروتينية. فعند طرح نقاط قانونية تستدعي تطويراً في الإجتهاد سواء في القضايا التي تتناول مسائل قانونية جديدة أو تلك التي تستدعي حلولاً قانونية مغايرة للإجتهاد السائد، فإن التعليل لتبرير الوجهة القانونية الجديدة أمر ضروري. هذا مع العلم أن التعليل الكافي مطلوب في الأحكام كافة.
 
المفكرة: دعوتم في أيار 2015 عدداً من القضاة للتباحث بشأن معايير لتقييم القضاة، علامَ أسفر ذلك؟

الرئيس فهد: إيماناً منا بضرورة إنشاء نظام تقييم عصري لعمل القضاة،دَعَوْنا الرؤساء الأول في المحاكم وأعضاء الهيئات الاستشارية، وهم القضاة المنتخبون من أقرانهم، إلى ثلاثة مؤتمرات: في الأول منها، تمّ البحث في جدوى اعتماد نظام التقييم وتحديد مبادئ هذا النظام وكان ذلك بحضور خبراء من إيطاليا وفرنسا؛ وفي المؤتمر الثاني الذي انعقد بحضور قاضيين خبيرين أحدهما من المانيا والآخر من فرنسا، تمّت بلورة نظام التقييم ليكون شفافاً وموضوعياً وتمّ اعتماد مبادئ التقييم بصورة نهائية ومعاييره. أما في المؤتمر الثالث الذي حصل في أيار 2015 بحضور قاض خبير من ألمانيا، والذي شاركت فيه المفكرة القانونية بصفة مراقب، فقد تمّ التداول بموضوع استمارة التقييم وتمّ تكوين لجنة من الرؤساء الأول وبعض القضاة من أعضاء الهيئات الاستشارية بغية وضع مشروع استمارة التقييم وتحديد أسس اختيار المقيِّمين. وقد عقدت هذه اللجنة العديد من الإجتماعات لهذه الغاية. ومن المتوقّع أن تنجز عملها قريباً ليتمّ على ضوء ذلك دعوة الهيئات الإستشارية مجدداً بحضور خبير قاضٍ من ألمانيا لمناقشة استمارة التقييم وإقرارها وتحديد أسس اختيار المقيّمين، ليصار بعدها إلى تدريبهم على التقييم، تمهيداً للمباشرة في تطبيقه. وتجدر الإشارة إلى أن نظام التقييم مبني على شقين الأول تقييم القاضي لنفسه والثاني تقييم لجنة قضائية له.
 
المفكرة: تقييم القضاة مسألة حيوية طبعاً لتحسين المرفق القضائي كما لتحسين أيّ مرفق عامّ. ولكن يشكّك كثيرون في إمكانية الإستفادة منه في ظروف القضاء اللبناني، لاعتقادهم بأن التشكيلات القضائية تخضع للمحسوبيات السياسية. فلا يمكن نقل قاض مدعوم، ولا مكافأة قاض إذا لم يكن مدعوماً. كيف تردّون على هذا التحفّظ؟

الرئيس فهد: لا مفرّ من اعتماد نظام تقييم لأداء القضاةكما هو مطبق في أغلبية الدول التي تعتمد النظام الروماني الجرماني فيمكن عندها وضع كل قاضٍ في المكان المناسب له بحسب قدراته ومواهبه.

في المبدأ، إن التشكيلات القضائية تخضع لمعايير موضوعية يضعها مجلس القضاء الأعلى، وهو المخول قانوناً بوضع مشروع التشكيلات القضائية وليس من بين هذه المعايير المحسوبيات السياسية. وبعد اعتماد نظام التقييم القضائي سوف يتّم اعتماد نتائج هذا النظام من ضمن معايير التشكيلات القضائية مما يعزز الموضوعية والشفافية في عمل المجلس. ونأمل أن يساعد هذا النظام، جميع المعنيين في إصدار مرسوم التشكيلات القضائية.

التشكيلات القضائية هي أساسٌ لأيّ عملية تغيير. إلا أن مجلس القضاء الأعلى لا يحوز على السند القانوني الذي يمكّنه من إجراء التشكيلات القضائية بالإستقلال عن تدخل السلطة التنفيذية. فالقانون يفرض على مجلس القضاء الأعلى عرض مشروع التشكيلات القضائية على وزير العدل، ومن ثم عقد جلسة مشتركة معه في حال وجود خلاف بين الوزير وبين المجلس، فضلاً عن وجوب صدور التشكيلات القضائية بمرسوم مما يفرض الحصول على موافقة جميع مرجعيات السلطة التنفيذية الواجب الحصول على توقيعها عليه. ويمكن لأي وزير أن لا يوقع المرسوم فتتعطل التشكيلات وقد حدث هذا الأمر مراراً. ويقتضي إذا بذل الجهود اللازمة سواء من قبل مجلس القضاء الأعلى أو من قبل هيئات المجتمع المدني لإقناع السلطتين التشريعية والتنفيذية بوجوب تحرير قرارات التشكيلات القضائية من القيود الشكلية المفروضة عليها. فمجلس القضاء الأعلى هي الهيئة الأكثر إلماماً بحاجات المحاكم وطاقات القضاة. وبعد وضع نظام التقييم القضائي والمعايير الموضوعية، لا يعود هناك من خوف من تعسّف مجلس القضاء ويتأمن إستقلال القضاء وتتعزّز ثقة القضاة بأنفسهم ويتحرّرون من أيّ قلق، مبرّر أم غير مبرّر، يمكن أن يعتري بعضهم حول إمكانية الإضرار بهم من قبل السلطة التنفيذية بسبب قراراتهم القضائية.
 
على أيّ، الوضع الحالي لم يحبط عزيمتنا. وقد وضع المجلس أسساً علميّة ومعايير موضوعيّة للتشكيلات القضائية في جميع المشاريع التي رفعها إلى وزير العدل، وأكثريتها لم يرَ النور. أخذ المجلس بعين الاعتبار أماكن سكن القضاة ونتائج عمل المحاكم ودرجات الأقدميّة. فأحياناً، نتلقى مطالب محدّدة من وزير العدل بشأن هذا القاضي أو هذا المنصب: نحن نستمع إليها. لكن في النهاية، يقدّم مجلس القضاء الأعلى الإقتراح الذي يراه مناسباً. هناك حالات اعترض المجلس فيها على تسمية بعض القضاة نظراً لعدم ملاءمة قدراتهم أو أقدمياتهم مع متطلبات المركز الشاغر، وغالباً ما يؤدي شرح مجلس القضاء الأعلى لحيثيات اختياره إلى تفهّم من قبل السلطة التنفيذية.

وتجدر الإشارة هنا إلى أنه طالما بقيت التشكيلات القضائية مرتبطة بالسلطة التنفيذية، يبقى هناك خطر جنوح بعض القضاة نحو التودّد للسلطة التنفيذية مما قد يولّد انطباعاً غير صحيح حول وجود دوائر نفوذ للسلطة التنفيذية في القضاء وهو الأمر غير الصحيح. على أي، إن من شأن إعطاء قرار المجلس الصفة النهائية والملزمة بذاتها ولو بأكثرية موصوفة منع هذا الخطر.
 
المفكرة: ولكن، هذه المراكز موجودة فعلياً، وثمة قضاة كبار يتصرفون في العدلية وكأنهم يمثلون زعماء أو قوى سياسية معينة، غالبها طائفي، وهم يفهمون القضاة الشباب أنه عليهم الاستماع إليهم إذا أرادوا أن يتطوروا مهنيا؟

الرئيس فهد: ليس هناك من مراكز نفوذ في العدلية حالياً. وإذا كان لدى المفكرة معلومات مؤكدة حول أن بعض القضاة يتصرّفون كأنهم يمثلون زعماء سياسيين، فيقتضي وضع هذه المعلومات بعهدة هيئة التفتيش القضائي ليبنى على الشيء مقتضاه. الخطر هو أن بقاء قاضٍ في مركز محدّد لمدة طويلة يحوّله أحياناً إلى موقع نفوذ في ممارسة مهامه القضائية، لا أن يصبح ممثلاًلقوى سياسية. من هنا الحاجة إلى المداورة في المراكز.
 
المفكرة: بالعودة إلى التقييم، يرى قضاة كثيرون أنّ سياسات مجلس القضاء تشكل عامل ضغط لزيادة إنتاجية القضاء، لكنها قلما تؤدي إلى مكافأة القضاة الذين يتميزون بنشاطهم أو إلى تحفيز القضاة بشكل عام. ما ردّكم على ذلك؟ وتحديداً، ماذا فعلتم أو تنوون فعله على سبيل المكافأة أو التحفيز؟

الرئيس فهد: في التشكيلات والإنتدابات التي حصلت، أخذنا بعين الاعتبار الإنتاجية والكفاءة. كما أن المجلس أرسل كتب تنويه للعديد من القضاة. إن القاضي مبدئياً يجب أن يعطي أقصى ما يمكنه خدمة للعدالة دون انتظار مكافأة أو تحفيز، فهو يحكم باسم الشعب اللبناني وما هذا باليسير، ولا ينتظر مكافأة من أحد. وقد تمّ طرح فكرة المكافأة عبر إطلاق جائزة سنوية للقضاة المتميزين، إلا أن هذه الفكرة لا تزال قيد النقاش من حيث جدواها وآلياتها وأثرها.
 
المفكرة: من إحداثات ولايتكم، تأسيس المكتب الإعلامي. ما الهدف من هذه المؤسسة؟ وكيف تقييمكم لعملها؟

الرئيس فهد: المكتب الإعلامي هو جزءٌ من أمانة سرّ مجلس القضاء الأعلى. إن القضاة ملزمون بموجب التحفظ، وبالتالي فإنّ أي تهجم على القضاة عبر وسائل الإعلام حول القرارات القضائية التي يصدرونها كانت تبقى دون ردّ، على اعتبار أن القاضي المعني لا يمكنه أن يردّ أو يوضح حقيقة ما جرى التزاماً بموجب التحفظ. وهذا الأمر يجعل بعض الرأي العام يعتقد أن مضمون التصريحات الصادرة ضدّ القرارات القضائية صحيح مما ينعكس سلباً على سمعة القضاء في لبنان. فضلاً عن ذلك، إن القرارات القضائية النهائية منذ صدورها تصبح أملاكاً عامة ولا يعود للقاضي الذي أصدرها أيّ علاقة بها. من هنا كان يقتضي إنشاء قناة للتواصل مع الإعلام وإيضاح أي لغط يمكن أن يعتري تفسير أيّ نقطة قانونية. ونقوم حالياً بوضع خطة كاملة لتسهيل تعاملنا مع الوسائل الإعلامية لإيصال صورة علمية ودقيقة حول القضايا التي تهمّ الرأي العام اللبناني. والمكتب الإعلامي لا يزال حديث العهد ويراكم الخبرات في مجال التعاطي الإعلامي.
 
المفكرة: هل تفكرون بالإستعانة بإعلاميين لحاجات هذا المكتب؟

الرئيس فهد: هذا الأمر ممكن، والفكرة هي أن نبدأ بطاولة مستديرة مع الإعلاميين وبميثاق شرف.
 
المفكرة: على صعيد آخر، تمّ انشاء مكتب للشكاوى داخل أمانة السرّ. فما هي وظيفته تحديداً؟

الرئيس فهد: مكتب المراجعات يشرف عليه قاض من قضاة أمانة السرّ. الهدف منه منح المواطنين قناة للتواصل مع مجلس القضاء الأعلى والإفصاح عن مخاوفهم أو معاناتهم، وبعد التدقيق في هذه المراجعات يتمّ التواصل مع القاضي المعني بالقضية في حال كانت هناك ضرورة لذلك للاستيضاح حولها دون التدخل بأساس القضية .

المفكرة: ولكن، ألا تخشون أن يشكل مكتب المراجعات سابقة تسمح بالتدخل في أعمال القضاة؟

الرئيس فهد: الشخص المكلف بتلقي الشكاوى هو قاض وليس مساعداً قضائيّاً. وهو لا يتدخل في أساس الدعوى، إلا أنه يستوضح القاضي حول أمور إجرائية تخصّ الشكوى كالتأخير في بتّ دعوى مثلاً. إن هذا المكتب موجود أيضاً لدى مجلس القضاء الأعلى الفرنسي، وقد استوحينا الفكرة من عندهم. ولا بدّ من الإشارة إلى ان قانون القضاء العدلي يمنح رئيس مجلس القضاء الأعلى صلاحية توجيه أية ملاحظة لأيّ قاضٍ، وهذه الصلاحية تفسر ضرورة منح المواطن قناة إضافية للمراجعة. أنا أذكّر القضاة دائماً في لقاءاتي الشخصية معهم وفي لقاءات المجلس معهم بوجوب عدم التأثر بأيّ كان ولو كان من القضاة وأياً كان مركزه بدءاً مني تطبيقاً لموجب استقلال القاضي إزاء زملائه القضاة الملحوظ في القواعد الأساسية لأخلاقيات القضاة.
 
المفكرة: يحكى كثيراً عن تراجع دور التفتيش القضائي في السنوات الأخيرة. ما هو تعليقك؟ وكيف يمكن في هذه الحالة تفعيل دوره؟

الرئيس فهد: هيئة التفتيش القضائي تقوم بدور فعّال خلافاً لما يظنّ البعض وقد حوّلت الكثير من القضاة على هيئة التأديب وتمت إدانة البعض وفصل البعض الأخر من الخدمة. إلا أن عمل هيئة التفتيش القضائي سرّي ولا يتمّ الإعلان عنه. ولذلك قد يُخيّل للبعض أنّ هيئة التفتيش القضائي لا تعمل. إن التّنسيق قائم بين مجلس القضاء الأعلى وهيئة التفتيش القضائي وفقاً للقانون؛ وأن رئيس هيئة التفتيش القضائي يتأنى في تحقيقاته حفاظاً على كرامة القضاة، فلا يحيل القضاة إلى هيئة التأديب لأي سبب كان ما لم تَقُم أدلة كافية حول الفعل المنسوب إلى القاضي. كما أن رئيس التفتيش يفضّل أن يكون عمل هيئة التفتيش القضائي خفيّاً غير مرئي، وهذه النقطة تحسب له وليس عليه.
 
المفكرة: من إحداثات ولايتك المميّزة إنشاء الهيئات الاستشارية؟ ما هي خلفية إنشاء هذه الهيئات؟

الرئيس فهد: لقد لمست خلال تجربتي الشخصية أن النجاح في إدارة أيّ مرفق لا بدّ أن يستند إلى جهاز إداري، ولذلك تمّ إنشاء أمانة سرّ لمجلس القضاء الأعلى.وبما أنّ الرؤساء الأول لمحاكم الاستئناف يديرون إدارياً المحاكم، تمّ إنشاء هيئة استشاريّة في كل محكمة استئناف منتخبة من جميع فئات قضاة المحكمة لمعاونة الرئيس الأول الإستئنافي في مهامه الإدارية ولإيجاد قناة للتواصل بين القضاة وبين مجلس القضاء الأعلى. ورغم أن عمل الهيئات الاستشارية لا يزال يحتاج إلى تطوير، إلا أن أول مشروع عملت على تطويره هو نظام تقييم القضاة حيث إن مجلس القضاء الأعلى إشرك الهيئات الاستشارية ولا يزال في بلورة نظام تقييم علمي وواضح يحوز على ثقة القضاة باعتبارهم مشاركين في وضعه.
 
المفكرة: وألم تخشوا عند إنشاء هذه الهيئات إمكانية تطييف الإنتخابات؟

الرئيس فهد: لم تطرح هذه الفكرة ولا أعتقد أن للطائفية أي دور في انتخابات هذه الهيئات.
 
المفكرة: ماذا عن إنجازات الهيئات الاستشارية؟ هل هي على مستوى تطلعاتكم؟

الرئيس فهد: لا تزال الهيئات الاستشارية في مرحلة تأسيسية غير أنه يمكن أن نتحدث عن إيجابيات في كثير من الميادين لا سيّما لجهة إيجاد دينامية في إدارة المحاكم ولجهة تحديد أسس نظام تقييم القضاة. نحن بحاجة لأشخاص يمثّلون القضاة ويتواصلون بانتظام مع القاعدة. ينقلون إلى مجلس القضاء الأعلى تطلّعات القضاة ومشاكلهم وحاجاتهم، وينقلون إلى القضاة مقرّرات المجلس وتطلّعاته ويستطلعون آراءهم بشأنها. هذه هي وظيفة هذه الهيئات التي نطمح إليها. ومن المؤكّد أنّ هذه الهيئات تتطلب مزيداً من التفعيل.

وكنا أرسلنا ورقة طلبنا من خلالها من القضاة تحديد رؤيتهم لدورهم وآفاق عملهم. وعلى ضوء الأجوبة التي خلصت إليها الهيئات الاستشارية، اعتمدنا هذا الدور بموجب قرار صادر عن مجلس القضاء الأعلى.
 
المفكرة: هل توجد نيّة بتأسيس جمعيّات عموميّة للمحاكم تضمّ قضاة هذه المحاكم وتكون مختصة للتداول في شؤونها، وذلك على غرار فرنسا وعدد من الدول التي اقتبست تنظيمها القضائي كتونس والمغرب ومصر؟

الرئيس فهد: إن الهيئات الاستشارية هي المكان الذي يتم فيه مناقشة شؤون المحاكم وليس هناك من إطار لإنشاء كيان قانوني لجمعيات القضاة. وفي حال كانت هناك حاجة لذلك يمكن البحث بهذه المسألة على ضوء القيمة المضافة التي يمكن أن تقدمها. الاجتماعات العامة الوحيدة التي حصلت مؤخراً ضمن كل محكمة استئناف، حصلت بمناسبة الزيارات التي ينظمها مجلس القضاء الأعلى لقضاة المحافظات. نزورهم مرة كل سنة. ندلي بما لدينا ونستمع لمطالبهم.
 
المفكرة: هل تجدون هذه الزيارات مفيدة؟

الرئيس فهد: أعتقد أنه من الضروري أن يتفاعل مجلس القضاء الأعلى مباشرة مع القضاة رغم وجود الهيئات الاستشارية فيتحسس واقع عملهم، ويتم تبادل الأفكار حول وضع القضاء بشكل عام. هذه الاجتماعات مفيدة جداً لأنها تضع القضاة في جوّ عمل المجلس، والتحديات التي تواجهه، والمشاكل داخل العدلية وموقف المجلس منها وتطلعات المجلس وإنجازاته.
 
المفكرة: ماذا عن إنشاء جمعية أو نادٍ للقضاة؟ هناك من يعتقد أنكم أنشأتم الهيئات الإستشارية كبديل عن الجمعية.

الرئيس فهد: هناك عدم وضوح قانوني في ما يتعلق بتأسيس جمعية للقضاة. قمت باستشارة قضاة سابقين، وقد استقر الرأي على أن الوضع التشريعي الحالي لا يسمح بتأسيس جمعية للقضاة.
 
المفكرة: ألا تعتقدون أنه بوسع الجمعيات تعزيز قدرة القضاة على الدفاع عن أنفسهم؟

الرئيس فهد: ما رأيته حتى اليوم في البلدان التي تعتمد نظام الجمعيات لا يشجع على الخوض في هذه التجربة التي أمست مطية لحصول بعض القضاة المنتسبين إليها على مراكز متقدمة على حساب غير المنتسبين إليها. وفي ظلّ التشريع الحالي، أنا مقتنع أنه لا مجال لإنشاء جمعية. وتاريخياً حصل القضاة على جميع مطالبهم دون وجود جمعية. فالقضاء سلطة.
 
المفكرة: ولكن، ألا تشعرون أنكم قد تحتاجون دعماً من خارج المجلس؟

الرئيس فهد: إن الدعم الأساسي الذي يحتاجه القضاة هو ثقة المواطن بالقضاء، وللوصول إلى هذه الثقة يقتضي تحسين إنتاجية المحاكم واتخاذ القرارات القضائية بشفافية، وهي العامل الأساس لكسب ثقة المواطن. ويقتضي على هيئات المجتمع المدني والنقابات المهنية مساعدة القضاء في سبيل تحقيق هذه الغاية.
يجب علينا اليوم أن نبدأ من البيت الداخلي؛ أن نحسن الإنتاجية والشفافية والموضوعية، على القاضي أن يعمل وينتج ويسهر على محكمته قبل صرف طاقته في التعليم وحضور المؤتمرات. عندما نفوز بثقة الرأي العام، يصبح هذا الأخير جاهزاً للدفاع  عن القضاء.
 
المفكرة: تصدرون التعاميم؟ ما هي المسائل التي يتمّ التركيز عليها فيها؟

الرئيس فهد: تم إصدار تعاميم في العديد من المسائل الإجرائية التي تفترض توحيد المواقف بشأنها في جميع المحاكم بالإضافة إلى بعض التعاميم الأخرى حول سلوكيات القاضي خصوصاً فيما خص نشاطه على مواقع التواصل الاجتماعي.
 
المفكرة: ماذا بشأن الجوانب الإجتماعية الأخرى لحياة القاضي؟ هل أصدرتم أي تعاميم بشأنها؟

الرئيس فهد: الوضع الاجتماعي اليوم مختلف تماماً عما كان عليه خلال الستينيات والسبعينيات. العلاقات الاجتماعية أصبحت أكثر مرونة مع ثورة وسائل الاتصال، وبالتالي تبدلت نظرة القضاة إلى موجب التحفظ ولم يعد لهذا الموجب التطبيق عينه الذي كان له سابقاً. وسائل التواصل المختلفة باتت تسهل الاتصال بالقاضي، والمناسبات الاجتماعية أضحت جزءاً من حياة القاضي. ويقتضي إعادة صياغة موجب التحفظ بما يتماشى مع التغيرات الاجتماعية الحاصلة اليوم وهو ما سوف تبحثه لجنة تطوير الاخلاقيات القضائية.
 
المفكرة: لكن تعرفون أن العديد من القضاة يشبكون علاقات مع سياسيين أو أشخاص نافذين ويقبلون دعواتهم أو يقومون بزيارات منتظمة إلى محافلهم؟ هل وجهتم أي تعميم بهذا الشأن؟

الرئيس فهد: لم نفعل هذا عبر التعاميم وإنما من خلال اللقاءات مع القضاة خلال زياراتنا الدورية للمحافظات. ولكني أدرك تماما أهمية ما تقولونه، ولا أجد ضيراً من إعادة تذكير القضاة بوثيقة أخلاقيات القاضي، وما يفرض عليهم موجب التحفظ لجهة تجنب التردد على الشخصيات السياسية وتلك التي تتعاطى الشأن العام والحدّ من المشاركة في المناسبات وقبول الدعوات التي من شأنها جلب الشبهة عليهم.
 
المفكرة: لكن، ألا تعتبرون أن هذه العلاقات أخطر من نشر صور على الفايسبوك؟

الرئيس فهد: إن هذه العلاقات حينما تصبح سبباً لتغيير نتيجة أي قرار قضائي، تصبح مخالفة مسلكية تستوجب الملاحقة التأديبية. لكن لا نريد أن يشكل الأمر نوعاً من "السرسبة". وليس من السهل وضع قواعد واضحة ومفصلة بهذا الشأن، وإن كنا سنتطرق لهذه المسالة حين تطوير الاخلاقيات القضائية. هناك قضاة تجمعهم صداقات طويلة الأمد بسياسيّين وغير متولّدة دائماً عن موقعهم القضائي.
 
المفكرة: هل قمتم بمحاسبة أي قاضٍ على خلفية إقامة علاقة ملتبسة مع أشخاص نافذين أو تلبية حفلات يدعون إليها؟

الرئيس فهد: تحركت هيئة التفتيش القضائي مرات عدة لتنبيه القضاة حول دعوات قاموا بتلبيتها. ولم يحدث أن تمت محاسبة قاض لمجرّد صداقته لأشخاص نافذين إلا أن ذلك يصبح لازماً إذا أدت هذه الصداقة على التأثير على قرارات القاضي القضائية. علماً أن القاضي الذي لا يستحق الوصول إلى مركز معين لن يحصل عليه مهما قام بعلاقات مع مراجع سياسية.
 
المفكرة: ولكن، اسمحوا لنا بهذا السؤال المباشر: هل تعتبرون أن التردّد الدوري لبعض القضاة لمنازل السياسيين مخالفة تأديبية بحدّ ذاتها؟

الرئيس فهد: قد تجمع بين عدد من القضاة وبعض السياسيين علاقات صداقة، وأن زيارة القاضي للسياسي لا تعني بالضرورة أن هدفه خدمة مصالح هذا الأخير ويتم تقييم العلاقة انطلاقاً من أداء القاضي في عمله. ونحن نتوقع من القاضي أن يحسن الموازنة بين الانخراط في المجتمع من ناحية والابتعاد عنه من ناحية أخرى. ومن الأفضل أن يقلل القاضي زياراته تفادياً لقيام الناس بالتشكيك في حياديته. لكن هل نصل إلى حدّ اعتبارها مخالفة تأديبية؟ المسألة دقيقة.

المفكرة: ولكن من مبادئ الإستقلالية، الإستقلالية الظاهرة أي أن لا يتصرف القاضي على نحو يولد مظهر انحياز لأشخاص معينين؟

الرئيس فهد: إذا كانت هذه الزيارات موضع شك لدى الرأي العام، فيجب أن لا يقوم القاضي بها. من المهمّ جداً، أن لا تكون تصرفات القاضي وعلاقاته الاجتماعية مصدر تشكيك للمواطن. وأنا أعود وأكرّر: فلنقيّم الأوضاع بطريقة متزنة بعيداً عن السرسبة وفق ما نصّت عليه القواعد الأساسية لأخلاقيات القضاء، فعندما تكون زيارة القاضي سبباً للتشكيك، فليمتنع عن الزيارة.

المفكرة: كيف يبلّغ السياسيون عن مطالبهم في التشكيلات؟

يلحظ القانون دور لوزير العدل في إصدار التشكيلات القضائية نصت عليه المادة 5 من قانون القضاء العدلي. وإذا كان للسياسيين من مطالب فتكون عبر وزير العدل ونحن في المداولة مع وزير العدل نوضح له الأسباب الموضوعية التي تمنعنا من تسمية قاض معين في مركز معين. وأنه عند شغور منصب أساسي يطرح المجلس عادة إسم أكثر من شخص لهذا المركز، وإذا كان للسلطة التنفيذية من دور فهو يكون ضمن هذا الإطار من بين الأسماء المطروحة. وأنا لا انفي تدخلات السلطة التنفيذية في إقرار التشكيلات القضائية، لكن ليس بالحجم الذي تتخيلونه وأن القانون هو الذي يسمح بهذا التدخل ولكن يبقى للمجلس صلاحيات واسعة والقدرة على التسلّح بالمعايير الموضوعية؛ وقد تلجأ السلطة التنفيذية إلى تعطيل التشكيلات وقد تكرّر هذا الأمر في الفترة الأخيرة.

المفكرة: ولكن، كيف يبرّر وزير العدل تعطيل مشروع التشكيلات الأخيرة؟

الرئيس فهد:  لقد تمّ تعطيل التشكيلات لمرات عدة. في إحدى المرات اعتبر أحد وزراء العدل أن التشكيلات القضائية غير إصلاحية وغير شاملة لعدد كبير من المراكز. وفي مرة أخرى، كانت حجة السلطة التنفيذية أن التشكيلات واسعة وأن وضع البلد لا يسمح بإصدار مثلها، وفي مرة ثالثة أعطت الحكومة الحجة ذاتها.
 
المفكرة: ولكن ألم يبلغكم وزير العدل بملاحظاته وفق ما ينص عليه القانون؟

الرئيس فهد: كان وزير العدل يعلمنا في كل مرة بالأسباب العامة دون تطبيق إجراءات المادة 5 من قانون القضاء العدلي.
 
المفكرة: ألا تجدون مناسبا في حالات كهذه الإحتكام إلى الرأي العام من خلال إثارة الموضوع إعلامياً؟

الرئيس فهد: على حدّ علمي، لم يحتكم مجلس القضاء الأعلى إلى الراي العام في السابق. ونحن نعوّل على التعاون مع السلطة التنفيذية.
 
المفكرة: لوحظ رفع نسبة علامة الشفهي في المباريات الأخيرة لدخول القضاة. ألا تخشون أن يؤدي ذلك إلى فتح باب للمحسوبية؟

الرئيس فهد: اللجنة الفاحصة في المباراة هي لجنة خاصّة يعيّنها مجلس القضاء الأعلى من قضاة متخصّصين في المواد المطروحة، وهي تضع الأسئلة صباح الامتحان وتوزّعها فور بدئه. جرت العادة على توزيع العلامة بين 25 بالمئة للإمتحان الشفهي و75 بالمئة للإمتحان الخطي، وفي المباراة الأخيرة جرى احتساب الامتحان الشفهي بنسبة 30 بالمئة والخطي 70 بالمئة. وبالعموم، لم يكن هناك أي تفاوت بين علامات المتبارين في الامتحانات الشفهية والخطية.
 
المفكرة: ما هو الدور الذي تؤديه الأجهزة الأمنية في خصوص المرشحين؟

الرئيس فهد: نطلب من جميع الأجهزة الأمنية تزويدنا بمعلومات بشأن المرشحين. وتقوم الأجهزة بمراجعة الملفات التي لديها عنهم، أو تتحرى عنهم في قراهم ومناطق سكنهم. وبناء عليه، يسأل مجلس القضاء  المرشح عن هذه المعلومات خلال المقابلة.
 
المفكرة: الكوتا الطائفية معتمدة في المراكز ولكن ليس في مباراة الدخول إلى القضاء. ألا يؤدي هذا الأمر إلى وقوع شرخ في التوزيع الطائفي؟

الرئيس فهد: عملياً ما لاحظناه حتى الأن هو أن التوازن لا يزال مؤمناً دون أن يكون هذا الأمر مقصوداً. وبالإمكان تشجيع المحامين أو المرشحين من طوائف معيّنة نسبتها ضئيلة في القضاء على التقدم للمباراة.

المفكرة: ما هي القواعد التي يعتمدها رئيس مجلس القضاء الأعلى بشأن التأديب؟

الرئيس فهد: تعتمد الهيئة العليا للتأديب على القواعد الأساسية للأخلاقيات القضائية التي وضعت عام 2005. وقد رأت اللجنة المكلفة بمهمة وضع مشروع وثيقة ملزمة معنوياً بدلاً من خيار المبادئ المقننة في تشريع وضعي نظراً لوساعة الموضوع ولطابعه الأخلاقي وأن مجلس التأديب والهيئة العليا يستندان على لائحة المبادئ هذه.
 
المفكرة: تحدثتم عن اقتراح قانون لتعديل المادة 5 الخاصة بكيفية إنجاز التشكيلات. أحد أهداف مسودة مشروع قانون الوزير قرطباوي تمثّل في إعادة الإعتبار لمستشاري محكمتي التمييز والإستئناف الذين يشعرون بتهميش معيّن. ولهذه الغاية، اقترح أن يتمثل مستشارو هذه المحاكم بعضوين في مجلس القضاء الأعلى. ما رأيكم في تراجع اقتراح النائب غانم عن هذا الأمر؟

الرئيس فهد: أنا أؤيد ضرورة مشاركة مستشاري محاكم التمييز والاستئناف في إدارة المنظومة القضائية، ولكن انتخاب أعضاء المجلس من بين المستشارين لم يجد الأكثرية اللازمة لإقراره في مجلس القضاء الأعلى. وهذا لا يحول دون إعادة بحث الفكرة مجدداً.