المفكرة القانونية، بنغازي
المنظمة الليبية للقضاة عقدت في بنغازي في 4-7-2012، أي قبل ثلاثة أيام من انتخاب المؤتمر الوطني، ندوة بعنوان "القضاء والعملية الانتخابية". بالاضافة الى طرح الاشكالية المتصلة بامكانية اشراف القضاة على الانتخابات تيمنا بالنموذج المصري، خصصت جلسة كاملة لبحث أحقية القضاة في الادلاء بأصواتهم، وذلك على خلفية البيان الصادر عن المجلس الأعلى للقضاة والذي أهاب بالقضاة الامساك عن ممارسة هذا الحق، اتقاء للشبهات. ان مجرد طرح هذه الاشكالية هو بالطبع أمر لافت، اذ أن هذا الأمر لم يحصل في أية دولة أخرى حيث يبقى حق انتخاب القضاة بديهيا. فما هي الأسباب التي دفعت المجلس الأعلى للقضاء الى طرحها؟ وما هي أسنادها قانونا؟ هذه هي الأسئلة التي دار حولها النقاش الأكثر حماوة خلال هذه الندوة التي شكلت مناسبة لاعادة فتح النقاش الذي دار في مصر في 2005-2006 حول مفهوم "منع الاشتغال بالسياسة" والتأثيرات الايجابية أو السلبية لحرية تعبير القاضي على حياديته واستقلاليته.
"ان الله قد شرفنا أن نكون من حملة لواء العدل في هذه الأرض، وهي رسالة وأمانة تقتضي منا الحرص والحيطة واتقاء الشبهات ولو كانت في منظور الشرع والقانون حقا مشروعا... وهو ما دعا المجلس الأعلى للقضاء، بعد مناقشات ومباحثات جادة، أن يهيب بكم أن تلتزموا الحياد في كل أمر يتعلق بالسياسة حتى لا تشعرون بالحرج أو تضطرون الى صراع بين الحق والضمير...  لذلك ورغم ايمان المجلس بأن الانتخاب حق اساسي ومقدس لكل مواطن أقر له القانون هذا الحق، الا أن عدم ممارسته تكون أولى عندما يكون تركه أكثر نفعا وأقل ضررا من التمسك به". هذا ما ورد حرفيا في بيان أصدره المجلس الأعلى للقضاء في ليبيا مؤخرا، وهو البيان الذي فتح باب النقاش في هذا الصدد.
وقد انقسم المنتدون حول هذه المسألة عموما الى فئتين: فئة تؤيد البيان تمسكا بحيادية القاضي. فأن يصوت القاضي، ولو سرا، حسب هؤلاء، يولد شبهة انحياز للطرف الذي ينتخبه مما يسيئ الى دوره كحكم وأنه من الأفضل في المرحلة الراهنة ابقاء القضاة بعيدين عن السياسة. لا بل هذه الفئة ذهبت أبعد من المجلس بحيث رأت أن الامتناع عن التصويت ليس فقط مرغوبا، انما مفروضا قانونا. واستندوا في ذلك الى المادة 64 من نظام القضاء (2006) التي تمنع القاضي من الاشتغال بالسياسية. واللافت أن بعض القضاة فاخروا، في سياق دفاعهم عن رأيهم، بانخراطهم في الثورة من خلال البيانات أو التصريحات على الفضائيات بل فاخروا بانخراط قضاة آخرين في العمل العسكري: ومرد التفاخر هنا هو تقديم اثبات على أن موقفهم في رفض التصويت ليس ناشئا عن استقالة من قضايا المجتمع، فبإمكان القاضي أن يكون على الخطوط العسكرية الأمامية عند الضرورة، انما على العكس من قناعة عميقة بأن حاجة المجتمع اليهم في زمن ما بعد الثورة هي بالدرجة الأولى حاجة الى "حكام محايدين"، الى قضاة يراقبون ويشرفون على الانتخابات من دون أن يشاركوا فيها. وهكذا، وفي موازاة انتقاد هؤلاء لاستبعادهم عن الاشراف على الانتخابات، رأوا من الطبيعي ألا يشاركوا فيها. ويلحظ، وبمعزل عن مدى صوابية هذا الرأي، ان النتيجة التي تخرج عنه تبدو كاريكاتورية بعض الشيء، بحيث يظهر القاضي مقداما على الكفاح المسلح عند الحاجة، فيما أنه يحاذر الاقتراب من صندوق الاقتراع اتقاء للشبهة.
أما الفئة الثانية فقد رأت أن للقاضي أن يمارس حق الانتخاب كجزء لا يتجزأ من مواطنته، علما أن هذا الحق يكتسي أهمية فائقة في ظل هذه الانتخابات التي تجري للمرة الأولى منذ خمسين عاما. فبأي منطق يحرم من هذا الحق الذي وصفه المجلس بأنه اساسي ومقدس اتقاء للشبهات، فيما أن الانتخاب يتم بطبيعته سريا وأنه كان بإمكان مجلس القضاء الأعلى الاكتفاء بدعوة القضاة الى الامساك، لا عن الانتخاب، انما عن الاعلان عن الجهة التي صوتوا لها. أما أن يقمع "حق مقدس" لغاية معينة يمكن تحقيقها بطرق أخرى من دون المس به، فذلك يؤدي الى فرض تدبير غير متناسب مع الغاية المرجوة منه.
لا بل أن البعض لفت الى خطورة السابقة التي يكرسها بيان مجلس القضاء الأعلى في زمن بعد الثورة: فمن يهيب بالقاضي الامتناع عن ممارسة حق الانتخاب اتقاء لشبهة الخروج عن الحياد، لا بد أن يعارض غدا أن يتم انتخاب أعضاء مجلس القضاء الأعلى من قبل القضاة، وأن يعارض بعد غد أن يشارك القضاة في أي ورشة اصلاحية بما فيها ورش اصلاح القضاء فيبقى محكوما بتلقي ما يعد له من مشاريع من دون أن يكون له أي دور فاعل في صوغ أي منها؛ كما لا بد أن يعارض من باب أولى الاعتراف بحرية القضاة بالتعبير وبالتجمع وبشكل أعم أي مشاركة اجتماعية للقضاة. ومن هذه الزاوية، لا يشكل البيان انتقاصا لمواطنة القاضي فحسب انما أيضا، وبالقدر نفسه، انتقاصا للضمانات الضرورية لاستقلاليته، وتاليا لحياديته التي يعمل البيان على تكريسها. فهل يكفي التغني بسمو القضاء لضمان استقلاليته أم أن ثمة حاجة للتدقيق في واقع هذه الوظيفة والعناصر المحيطة بها وخصوصا في واقع استقلالية القاضي وفي البحث عن آليات أثبتت جدواها في هذا المجال، كما قد تكون حرية القضاة في التعبير والتجمع وفق ما تنص عليه مبادئ استقلالية القضاء المكرسة في الأمم المتحدة؟ وفي حال الايجاب، ألا يؤدي منع القضاة من أي مشاركة في الانتخابات الى اضعاف ضمانات هذه الاستقلالية؟ ثم، أي حيادية للقاضي اذا لم تتوفر لديه ضمانات كافية لحماية استقلاليته التي تبقى هي الأولوية؟
أما الاشارة الى مفهوم الاشتغال بالسياسة، فهو بالطبع في غير محله حسب هذه الفئة. فحق الانتخاب يندرج ضمن حقوق المواطنة من دون أن يستشف منه أي اشتغال. فالاشتغال يفترض الانخراط في مسؤوليات حزبية أو ربما الترشح على لائحة حزبية معينة، أما أن يعد الانتخاب اشتغالا، فذلك يؤدي الى نتيجة عبثية مفادها اعتبار أي مواطن يمارس حق الانتخاب مشتغلا في السياسة، وهو أمر لا ينسجم البتة مع مقاصد المشرع. بل أن أحد المنتدين لفت الى أن المادة 64 التي تحظرعلى أعضاء الهيئات القضائية الاشتغال بالأعمال السياسية تنص على أن هذا المنع لا يشمل حضور جلسات المؤتمرات الشعبية الأساسية، مما يفيد بأن اشتغال القاضي بالسياسة كان محظورا بموجب هذا النص فقط في حال ممارسته بشكل يتعارض مع غايات النظام السياسي، فيما يبقى مندوبا في حال ممارسته بما يخدم غاياته. ومن هذه الزاوية، يظهر من الضروري اعتماد مقاربة نقدية في هذا المجال، بعيدا عن لغة المسلمات. ويلحظ أن مفهوم الاشتغال بالسياسة مأخوذ عن القانون المصري، وأنه شكل مادة نقاش واسع في مصر حول تعريفه وأبعاده في خضم التجاذب الحاصل بين نادي القضاة من جهة ومجلس القضاء الأعلى والسلطات العامة في مصر، في سنتي 2005-2006 (للمحة عن هذه النقاشات، انظر الجدول).
 
فتوح الشاذلي: التحرك الجماعي للقضاة في مصر، منشور في: حين تجمع القضاة، دراسة مقارنة: لبنان، مصر، تونس، المغرب، الجزائر والعراق، المنشورات الحقوقية صادر:
"الحق أن هناك اختلافا حول المقصود بتعبير الاشتغال بالسياسة الذي حظرته المادة 73 من قانون السلطة القضائية على القضاة. فالاشتغال يعني الاحتراف، اي انغماس القضاة في الأعمال الحزبية أو الانضمام لعضوية الأحزاب السياسية، وليس مشاركة القضاة في الدفاع عن استقلالهم وتدعيم سيادة القانون بالغاء القوانين والمحاكم الاستثنائية.
والذي نراه أن التحرك الجماعي للقضاة عن طريق ناديهم لا يعد اشتغالا بالسياسة، ولا مخالفة فيه للمادة 73 من قانون السلطة القضائية للأسباب التالية:
  • أن ما يقوم به القضاة ليس سوى ابداء الرأي في شأن مهني وليس شأنا سياسيا، فاستقلال القضاء وضمانات اشرافه على الانتخابات ودعم سيادة القانون ودعم الحقوق والحريات هي أمور وثيقة الصلة بطبيعة عمل القاضي ودوره في المجتمع.
  • أن ما يحظره القانون هو الاشتغال بالعمل السياسي، وفيه معنى الاحتراف، وليس الانشغال بهموم الوطن ومشكلاته، فهذا حق لكل مواطن وواجب عليه...
  • قد يختلف أسلوب ابداء الرأي في الأمور السياسية بين القضاة وغيرهم من المواطنين، بالنظر الى مكانة القاضي ودوره بوصفه حكما بين سلطات الدولة والمواطنين، ولكن حظر ابداء الرأي مطلقا على القضاة وناديهم يمثل مصادرة لحقهم في التعبير عن الرأي والدفاع عن مصالحهم التي ترتبط ارتباطا وثيقا بالاصلاح السياسي، كما أن الحظر لا تقره المواثيق الدولية المتعلقة باستقلال القضاء.       
 
 
 نشر في العدد الخامس من مجلة المفكرة القانونية