أثارت الأحكام الصادرة في قضية ميشال سماحة مجموعة من ردود الأفعال الغاضبة. ومن أبرزها، ردة فعل وزير العدل المستقيل أشرف ريفي، الذي لم يتردّد "بنعي المحكمة العسكرية" إثر قرارها الابتدائي، ملوّحاً بنيّـته بتقديم مشروع قانون يؤدي إلى إلغاء المحاكم الاستثنائية ومنعها من محاكمة المدنيّين[1]. وفي إثر قرار إخلاء سبيل سماحة في 15/1/2016، أحال ريفي على مجلس الوزراء اقتراحه لمشروع قانون "إنشاء محاكم ودوائر متخصصة بقضايا الارهاب والجرائم الكبرى" المؤرّخ في 22/12/2015، والذي اعتبر أنه "يضع العدالة اللبنانية في تناغم تامّ مع العدالة الدولية". وأبرز الأسباب الموجبة المعلنة لهذا المشروع، إحتواؤه على "تعريف دقيق وعصريّ للجريمة الإرهابية" واختياره "المحاكم الجزائية المتخصّصة بدلاً من المحاكم الاستثنائية" لمحاكمة الجرائم الإرهابية والجرائم الكبرى. وقد تجلّى ذلك من خلال إقتراحي إلغاء المجلس العدلي ونقل صلاحيات واسعة للمحكمة العسكرية إلى المحكمة المتخصصة المقترح إنشاؤها، وهي أمور لا يمكن إلا الترحيب بها من زاوية حقوقية. إلا أنّ المشكلة تتأتى من تضمين المقترح تعريفاً واسعاً للإرهاب إلى جانب إنشاء هيكلية لتنظيم قضائي موازٍ يخضع بدرجة معينة لشروط تعيين للقضاة فيه تختلف عن شروط التعيين في القضاء العادي. وتبعاً لذلك، يصبح من المشروع التخوّف إزاء تحوّل الهيكلية القضائية الموازية من التخصصية إلى ما يشبه القضاء الإستثنائي أو انزلاقها إليه، بما يتعارض بالكامل مع الوعود المعلن عنها. كما أن ثمة تبايناً كبيراً بين الهدف المعلن لجهة  حصر اختصاص المحكمة العسكرية بمحاكمة العسكريين، ونص الإقتراح.

1.    التوسع في تعريف "الإرهاب"

من الصعب جداً وضع تعريف دقيق للإرهاب نظراً للأشكال المتعدّدة التي تأخذها طبيعة وأهداف والوسائل المعتمدة في هذه الظاهرة، كما الطابع السياسي والعقائدي القوي الذي يرتبط به[2]. وقد حذّر البعض من استحالة وضع تعريف موضوعيّ للارهاب ومن خطورة ذلك[3]. ويُترجم ذلك على الصعيد الدولي، بصعوبة الاتفاق على تعريف موحّد للإرهاب، حيث يقتصر التحديد على بعض عناصره في بعض الوثائق الدولية[4].

وبالعودة إلى المشروع المقترح، نجد أنه أعلن ضمن أسبابه الموجبة سعيه إلى إعطاء تعريف "دقيق وعصري" لجرم الإرهاب.

إلا أن مقارنة التعريف المقترح  بالتعريف الحالي في المادة 314 من قانون العقوبات تظهر توسّعاً كبيراً في هذا الخصوص. فقد جاء في المادة الأولى من المشروع: "خلافاً لأيّ تعريف آخر، يُقصد بالجريمة الارهابية أي فعل تخريبي، منظّم أو غير منظّم، صادر عن فرد أو عن مجموعة من الأفراد، بأي وسيلة من الوسائل، بهدفترهيب المجتمع والمساس بأمنه أو بالأمن الإقتصاديّ أو الإجتماعيّ أو السياسيّ للدولة وتقويض السّلم الأهليّ والوطنيّ". ولا حاجة لكثيرٍ من التدقيق لنسجل التوسع الحاصل بالنسبة إلى التعريف الحالي للأعمال الإرهابية والذي يحصرها ب"الأفعال التي ترمي إلى إيجاد حالة ذعر وترتكب بوسائل كالأدوات المتفجرة والمواد الملتهبة والمنتجات السامة أو المحرقة والعوامل الوبائية أو المكروبية التي من شأنها أن تحدث خطراً عاماً".

وتالياً، يتجلى هذا التوسع في جوانب أربعة:

أولا، حذف شرط التنظيم.فقد ورد في المشروع أن بإمكان الفعل أن يكون منظّماً أو غير منظّم، ويُكتفى أن يقوم به فرد واحد. ويظهر مشروع القانون وكأنه يحذو في هذا المجال أبعد من مجمل التشريعات العربية الصادرة حديثاً والخاصة بالإرهاب بما فيها القانون الأكثر توسعا في تعريف الإرهاب وهو القانون المصري الصادر [5] بموجب القانون 94 لسنة 2015. ففيما حذف هذا القانون شرط وجود "مشروع إجرامي فردي أو جماعي" من تعريفه للإرهاب، فإنه لم يذهب إلى حدّ القول بأنه من الممكن أن لا يكون العمل الإرهابي منظمّا. والتخلّي عن هذا الشّرط يُفيد تخليّاً عن أحد الضوابط الأساسيّة لمنع الإنزلاق نحو تجريم النوايا. وهذا ما تشير إليه على سبيل المثال المناقشات البرلمانية الحاصلة عند وضع القانون الفرنسي للإرهاب عام 1986[6]. فقد شكّل آنذاك التشديد على مفهوم "المشروع" الجواب الأساسي على تخوفات بعض النواب من أن تؤدي بعض المفردات الفضفاضة في تعريف الإرهاب إلى قمع المشاركين في تظاهرات نقابية أو مهنية كلما انزلقت نحو أعمال عنف[7]. ف"لا تتجلّى الطبيعة الحقيقية للأعمال الارهابية إلا إذا نتجت عن (...) استراتيجية حقيقية"[8]. وقد ذهب الاجتهاد الفرنسي في الإتجاه نفسه[9].

ثانيا، التوسع في تعريف الغاية.فهي تكون قائمة وفق المشروع في حال أدى الفعل إلى المساس "بالأمن الإقتصادي أو الإجتماعي أو السياسي للدولة وتقويض السلم الأهلي والوطني"، وذلك بخلاف الوضع حالياً حيث يشترط أن تكون الغاية من الفعل الإرهابيّ هي "إيجاد حالة ذعر في المجتمع". وهنا أيضا، يلتقي المقترح مع القانون المصري الجديد حيث تمت الإشارة إلى مجموعة من الغايات العامة للفعل الإرهابي، أهمّها "الإخلال بالانتظام العام" أو "تعريض سلامته (أي المجتمع) وأمنه للخطر" و"الإضرار بالوحدة الوطنية أو السلام الاجتماعي أو الأمن القومي". ويخشى أن يعرّض توسيع المفهوم لهذه الجهة ممارسة الحريات الأساسية للخطر. ويلحظ أن الشرعة الدولية لقمع تمويل الإرهاب (1999) عرّفت غاية العمل الإرهابيّ ب"ترهيب مجموعة بشرية"[10]. وهذا أيضا من نقرؤه في قرار مجلس الأمن رقم 1566 (2004)، وفي اجتهاد المحكمة الدولية الخاصة بيوغوسلافيا[11].

ثالثا، التخلي عن تحديد الوسائل المستخدمة.فيعتبر الفعل الإرهابي قائماً بأي وسيلة من الوسائل، وذلك بخلاف النص الحالي الذي عدد بعض الوسائل الخطيرة كاستخدام الأدوات المتفجرة، مشترطا أن يكون من شأنها إحداث خطر عامّ. وتجدر المقارنة هنا أيضاً مع التعريف الذي وضعه القانون المصري الجديد والذي جعل شرط استخدام وسائل معينة شرطاً غير ضروري لاعتبار الفعل إرهابيا. فيكفي  أن يرتكب العمل ب"إحدى وسائل الإرهاب"أو ب"قصد تحقيق غرض إرهابي".

رابعا، تضمينالمشروع عبارات فضفاضة على نحو يخالف مبدأ "لا جريمة دون نص"  Nullum crimen sine lege. ومن هذه العبارات، "ترهيب المجتمع"، "الأمن الإقتصادي"، "الأمن الإجتماعي"، "الأمن السياسي للدولة" و"تقويض السلم الأهلي والوطني". ويخشى أن يؤدي استخدام هذه العبارات، في تأويل تعسّفي ومحوّر لها، إلى تقويض حقوق وحريات أساسية، خصوصاً حرّيتي التعبير والتظاهر. وهذا ما عبّرت عنه اللجنة المعنيّة بحقوق الانسان لدى الأمم المتحدة[12]، كما فريق الأمم المتحدة المعني بالإحتجاز التعسفي[13]. وأكّد المقرر الخاص المعني بتعزيز وحماية حقوق الإنسان والحريات الأساسية في سياق مكافحة الإرهاب أن "اعتماد تعاريف فضفاضة جدا للإرهاب يمكن أن يُفضي إلى إساءة استخدام هذا التعبير بشكل متعمد... وإلى انتهاكات غير مقصودة لحقوق الإنسان. (...)والتعريف الصحيح للإرهاب والجرائم المرتبطة به هو أيضاً التعريـف الذي يسهل فهمه، والذي تتم صياغته بدقّة ومن دون تمييز أو أثر رجعي"[14].

2.    من يُحاكم الإرهاب؟ محاكم متخصّصة بالإرهاب أم قضاء استثنائي جديد للنظر في الجرائم ذات الأبعاد السياسية؟

تقترح وزارة العدل إنشاء "محاكم ودوائر متخصصة في قضايا الإرهاب والجرائم الكبرى" بشكل "يواكب الركب الحضاري للمجتمع الدولي في مجال مكافحة الارهاب والجرائم الخطرة". وهي بذلك تستند إلى التمييز المعتمد بين المحاكم الإستثنائية والتي هي مخالفة لمبادئ المحاكمة العادلة والمحاكم المتخصصة. والتمسك بهذا التمييز ضروري لإنجاح معركة نقل صلاحية محاكمة الجرائم الإرهابية من المحكمة العسكرية إلى المحكمة المتخصصة المزمع إنشاؤها تحت غطاء حقوقي. وعلى هدي هذا التمييز وإثباتاً للالتزام به، يؤول الإقتراح من جهة أخرى إلى إلغاء المجلس العدلي[15] الذي يعدّ هو الآخر محكمة استثنائية، طالما أنّ القضايا تُحال إليه بناءً على مرسوم حكومي استنسابي، في انتهاكٍ واضحٍ لمبدأ فصل السلطات، كما لا مجال للطعن بأحكامه.

إلاّ أنّ التدقيق في المشروع يُظهر أنّ الأمور ليست بهذا الوضوح: فالمحاكم المتخصصة المُزمع إنشاؤها لا تخضع أحكامها لرقابة محكمة التمييز، إنّما تشكّل تنظيماً قضائياً موازياً في جميع هيئاته ودرجاته ويخضع في العديد من جوانبه لأحكام استثنائية كما هي حال تعيين القضاة في "المحكمة العليا" (المرادفة لمحكمة التمييز). ويُخشى بنتيجة ذلك أن تنزلق الهياكل الجديدة من التخصصيّة إلى الإستثنائية في نواحٍ عدة وأن تخرج عن مبدأ القاضي الطبيعي، كما حصل في دول عدة في هذا المضمار. وما يزيد من مخاطر هذا الإنزلاق هو اتّساع اختصاص هذه المحاكم ليشمل كمّاً كبيراً من الجرائم، من بينها جرائم سياسية كالعمل على تقويض الدستور أو اجتماعية كالإتجار بالبشر، وعلى نحو يصعب معه الحديث عن التخصّص. وهذا ما سنفصله أدناه.

تخصّص هيكلي

تنصّ المادة الثانية من مشروع القانون على أنه "يحدث في مبنى خاص في بيروت محاكم ودوائر متخصصة بقضايا الإرهاب والجرائم الكبرى تتألف من الهيئات التالية: "١- محكمة عليا متخصصة بقضايا الارهاب والجرائم الكبرى مؤلفة من هيئتين ويشمل إختصاصها الاقليم اللبناني برمته.٢- محكمة جنايات.٣- هيئة اتهامية.٤- دائرة نيابة عامة.٥- دائرة تحقيق".وتشكّل الهيئة الإتهامية المتخصّصة المرجع الإستئنافي لقرارات قاضي التحقيق[16]، والهيئة الأولى للمحكمة العليا المتخصّصة مرجع نقض للقرارات الصادرة عن الهيئة الإتهامية المتخصصة[17]، والهيئة الثانية للمحكمة العليا المتخصّصة مرجع نقض للقرارات الصادرة عن محكمة الجنايات المتخصصة[18]. وينيط مشروع القانون بهذه الدوائر إختصاصاً مكانياً شاملاً للأراضي اللبنانية كافّة.

وعليه، يكون المشروع قد اعتمد ليس فقط الصلاحية المركزية تيمناً بفرنسا[19] وغيرها من الدول العربية كتونس والمغرب حيث تحصر محاكمة جرائم الإرهاب بمحكمة جنايات العاصمة، إنما أيضاً (وهذه هي استثنائية المشروع)، قاعدة تخصّص هيكلي، أي إنشاء هيكلية قضائية متخصصة شاملة. ولهذه الغاية، ذهب المقترح إلى حد استحداث 40 مركزاً قضائياً جديداً، تطال حتى مستوى محكمة التمييز. وهو أمر يخالف مبدأ التنظيم القضائي حيث يفترض أن تكون محكمة التمييز الضامن لوحدة الإجتهاد، حتى في ما يخص المحاكم المتخصّصة.

كما يتجلى التخصص بإناطة هذه المحاكم بإمكانات أكبر وتقوية تخصص جهازها البشري، بالعمل على تمتين كفاءة القضاة المتخصصين في المسائل الارهابية. وفي فرنسا، يُعمل على تأمين مساعدة متخصصين في المجال الإرهابي للقضاة. وتتولّى كل من وزارة العدل والمعهد الوطني للقضاء (معهد الدروس القضائية) تنظيم دورات تخصّصية في المسائل الإرهابية.

ويتّبع مشروع قانون وزارة العدل في تعيين جميع القضاة في الدوائر المتخصصة آلية التعيين العادية، وفق المادة 5 من قانون تنظيم القضاء العدلي، أي وفق مشروع تشكيلات يضعه مجلس القضاء الأعلى، ويصدر بمرسوم عن السلطة التنفيذية. إلاّ أن مشروع القانون يضع استثناءً لافتاً جداً في ما خصّ قضاة الهيئة الثانية للمحكمة العليا المتخصّصة، أي الهيئة الناظرة في نقض قرارات محكمة الجنايات المتخصصة. فيُعيّن هؤلاء[20] "بمرسوم بناء على اقتراح وزير العدل وموافقة مجلس القضاء الأعلى". ويشكّل ذلك توسيعاً لدور السلطة التنفيذية في تعيين القضاة في الهيئة الأعلى من هذه المحاكم المتخصصة، مما يشكل خطوة إلى الوراء بشأن استقلالية القضاء. 

وتجدر الإشارة ختاماً أنه وبحسب المادة الخامسة، يتولى النائب العام التمييزي أو من ينيبه مهام تحريك الدعوى العامة في ما يتعلق بقضايا الارهاب والجرائم الكبرى، خلافاً للقانون العام، حيث يتولّى النائب العام الاستئنافي تحريك الدعاوى العامة.
 
اختصاص أوسع من التخصص

يرتبط عادة إختصاص المحاكم المتخصّصة بجرائم محدّدة جداً[21].فمقابل الاختصاص المكاني الشامل، يكون الاختصاص الموضوعي ضيقاً. إلا أن الأمر جاء مختلفاً في المشروع المقترح. فعلى رغم إعلانه إنشاء محاكم ودوائر متخصّصة بصورة حصريّة ب"جرائم الإرهاب والجرائم الكبرى" التي يذكرها في المادة الثالثة، يتبيّن أنّ لائحة الإختصاص تطول بشكل كبير جداً يصعب معه وصف هذه المحاكم بال"متخصصة".

فيعمد المشروع إلى نقل صلاحية النظر بجرائم هي من إختصاص القضاء العسكري حالياً إلى المحاكم المتخصصة التي يزمع إنشاءها، وهي جرائم الإرهاب[22] والجرائم المتعلقة بالأسلحة والذخائر[23] وأيضاً الجرائم المنصوص عنها في المواد 273 حتى 287 عقوبات وهي جرائم الخيانة والتجسس والصلات غير المشروعة بالعدو وفي المادتين 290 و291 (جريمة تجنيد للقتال في سبيل دولة أجنبية وجريمة تحريض جنود دولة أجنبية على الفرار أو العصيان).

إلا أن المشروع سرعان ما يوسع اختصاصها ليشمل مجموعة مما وصفه "جرائم كبرى" تدخل حالياً ضمن اختصاص القضاء العدلي. فإذ اقتصرت صلاحية العسكرية الموضوعية على النظر بالجرائم المنصوص عليها في المواد 273 حتى 287 عقوبات، فإن المقترح آل إلى نقل صلاحية النظر في جميع الجرائم المنصوص عليها بين المادتين 270 و339 عقوبات ومنها الكثير من الجرائم الخاضعة حالياً لاختصاص القضاء العادي. ومن هذه الجرائم، جرائم واقعة على أمن الدولة الخارجي[24]، ومن أبرزها جريمة "النيل من هيبة الدولة ومن الشعور القومي"، وجرائم واقعة على أمن الدولة الداخلي[25] ومنها "الجنايات الواقعة على الدستور"، و"اغتصاب سلطة سياسية أو مدنية أو قيادة عسكرية"، و"الفتنة"، و"الجرائم التي تنال من الوحدة الوطنية أو تعكر الصفاء بين عناصر الأمة"، و"النيل من مكانة الدولة المالية". كما تنص المواد المذكورة على عدد منالجرائم الواقعة على السلامة العامة ومن أبرزها جرائم "التعدي على الحقوق والواجبات المدنية" و"الجمعيات غير المشروعة"[26]. واللافت هنا أن المشروع ينيط بالمحاكم المختصّة صلاحيّة النظر في الغالبيّة الكبرى للجرائم ذات الطابع السياسيّ.

فضلاً عن ذلك، يُدخل المقترح اختصاص المحاكم المختصة جرائم الإتجار بالأشخاص[27]، وجرائم تبييض الأموال بمعزل عن مدى ارتباطها بأعمال إرهابية، وجميع الجرائم الناتجة عن صفقات الأسلحة والأعتدة التي تعقدها الوزارات المعنية والجرائم المتلازمة معها أو المتفرعة عنها، وكلها جرائم تدخل ضمن اختصاص القضاء العدلي.

وتوسيع الإختصاص على هذا النحو إنما يقبل الإنتقاد في جوانب عدة:

أولاً، أنه يولّد تمييزاً غير مبرر في التعامل مع الجرائم ويمسّ تالياً بمبدأ المساواة أمام القضاء ومبدأ القاضي الطبيعي. فتخصص المحاكم يكون مبرراً فقط حين تكون الجريمة بطبيعتها وخطورتها على درجة من التعقيد. بالمقابل، يكون غير مبرر إطلاقاً حين يشتمل اختصاصها على العديد من الجرائم قليلة الخطورة أو التي لا تشوبها أيّ تعقيدات من حيث طبيعتها بالنسبة إلى سائر الجرائم،

ثانياً، أنه يضع عملياً جملة من الجرائم ذات الطابع السياسي في منزلة جرائم الإرهاب والجرائم الكبرى، مع ما يستتبع ذلك من خطر على الحريات السياسية والعامة. ففيما تجيز اعتبارات الأمن وضع أصول خاصة للتعامل مع جرائم الإرهاب، فإن محاكمة الجرائم ذات الطابع السياسي يفترض على العكس من ذلك تماماً منع أيّ تجاوز للأصول العامّة، وخصوصاً بما يتّصل بمبدأي استقلال القضاء والقاضي الطبيعي، توخياً لأي تعرض للحريات السياسية. وتجارب إستعمال تشريعات مكافحة الإرهاب في بعض الأنظمة العربية لإسكات المعارضة السياسية ليست ببعيدة عنا.

3.    حصر صلاحية المحكمة العسكرية بالعسكريين فقط؟

ارتبط مقترح وزارة العدل حسبما جاء في أسبابه الموجبة بوعد أساسي وهو الحدّ من إختصاص المحاكم العسكرية وحصره بمحاكمة العسكريين، وإلغاء اختصاص المحاكم الاستثنائية لملاحقة المدنيين. وهنا أيضاً، يكشف التدقيق في النصّ نكوثاً لهذا الوعد.

فالمقترح يكتفي بنقل صلاحية النظر ببعض الجرائم من المحكمة العسكرية إلى المحاكم المتخصّصة، وهي الجرائم المشار إليها أعلاه. بالمقابل، تبقى المادة 24 من القانون العسكري والتي تحدد صلاحيات المحكمة العسكرية سارية المفعول[28] في العديد من فقراتها (فقرات 5 إلى 9). ومن هذه الصلاحيات، صلاحية النظر بالجرائم الواقعة على شخص أحد العسكريين[29]، وجميع الجرائم التي تمس مصلحة الجيش[30]. كما تبقى سارية أحكام المادة 27 ق.ع. التي تنظم الصلاحية الشخصية للقضاء العسكري وتجعل تالياً المحكمة العسكرية صالحة للنظر في ملاحقة العسكريين[31] والموظفين المدنيين لدى بعض الدوائر العسكرية[32]، وكل فاعل أصلي أو شريك أو متدخل أو محرض في الجريمة التي يلاحقون فيها، أياً كان نوعها، أي حتى وإن كانت جريمة عادية أو مرتكبة بحق مدني[33]. وعليه، وعلى فرض إقرار مقترح القانون، تبقى المحكمة العسكرية صالحة لمحاكمة مدنيين في عديد من الحالات أو لمحاكمة عسكريين في قضايا جزائية عادية. بل لا نبالغ إذا قلنا أن المحكمة العسكرية تحتفظ في هذه الحالة على الغالبية الكاسحة من الدعاوى العالقة أمامها.

للاطلاع على المقال بالنسخة الانجليزية، انقر/ي هنا

نشر في العدد 36 من مجلة المفكرة القانونية


[1]أنظر مثلاً آمال خليل "حكم «المسخرة» يستنفر المستقبل: ريفي يطلق محاكمة سماحة"، جريدة الأخبار 14 أيار 2015. وفي 7 آب 2015، أعلن في مؤتمر صحفي الانتهاء من إعداد مشروع القانون.
[2]V. sur ce point D. Cumin, Tentative de définition du terrorisme à partir du jus in bello, RSC 2004 p.11.
[3]V. P. Martens, L'introuvable acte de terrorismeinActes du colloque de Bruxelles, Bruxelles, Éditions de l'Université Libre de Bruxelles, 1974, p. 26-49 ; J.-M. Sorel, Existe-t-il une définition universelle du terrorisme ?in K. Bannelier, O. Corten (dir.), Le droit international face au terrorisme, Paris, Pedone, 2002, p. 35-68. Contra, A. Cassese, Terrorism as an International Crimein Bianchi A. (dir.),Enforcing International Law Norms against Terrorism, Hart Publishing, 2004, p. 214, cités in A. Miron, Le terrorisme en droit pénal international, Gazette du Palais, 27 novembre 2010 n° 331, p. 28.
[4]V. par ex. la convention du Conseil de l'Europe du 10 novembre 1976 pour la répression du terrorisme, la convention des Nations Unies du 17 décembre 1979 sur la prise d'otages ou la convention des Nations Unies du 15 décembre 1997 sur la répression des attentats terroristes à l'explosif.
[5]أنظر الأوراق البحثية التالية: محمدعفيفالجعيدي، "مقاربةالارهابفيالمادة الجزائيةالتونسية"؛ خالدعلي، "رؤيةنقديةلتشريعاتمكافحةالإرهابفيمصر"؛ أنسسعدون، "التجربةالمغربيةفيمكافحةالإرهاب قراءةعلىضوءقانون2003 ومشروعقانون2014"؛ دراسة مقارنة في اطار"تحوّلاتالدولةالعربية؟"، مبادرةالمساحةالمشتركة والمفكرةالقانونية
[6]Loi n° 86-1020 du 9 septembre 1986.
[7]V. Guy Ducoloné, J.O. déb., Ass. nat. 25 juin 1986, p. 2430 ; François Asensi, J.O. déb., Ass. nat. du 27 juin 1986, p. 2524. Et sur ce point J.-P. Marguénaud, La qualification pénale des actes de terrorisme, RSC 1990, p.1.
[8]Y. Mayaud, Répertoire de droit pénal et de procédure pénale, V. Terrorisme, spéc. no 109 . V. Crim. 7 mai 1987, no 87-80.822, Bull. crim. no 186.
[9]Civ. 1re, 17 oct. 1995, no 93-14.837, Bull. civ. I, no 368 ;D. 1995. IR 245; RCA 1996. Comm. 72.
[10]Article 2-b)
[11]V. l'arrêt Krsti´c, TPIY, Jugement, § 138.
[12]اللجنة المعنية بحقوق اإلنسان، الملاحظات الختامية لكندا، CCPR/C/CAN/CO/5، 20 نيسان/أبريل 2006، الفقرة 12؛ موناكو CCPR/C/MCO/CO/2، 28 تشرين الأول/أوكتوبر 2008، الفقرة 11
[13]أنظر تقرير الفريق العامل المعني بالاحتجاز التعسفي،E/CN.4/2004/3، 15 كانون الأول/ديسمبر 2003، الفقرة 65.
[14] تفرير المقرر الخاص المعني بتعزيز وحماية حقوق الإنـسان والحريـات األساسية في سياق مكافحة الإرهاب، A/HRC/16/51)2010، الفقرات 28-26.
[15]المادة 14.
[16]المادة 8
[17]المادة 9
[18]المادة 9
[19]La loi du 9 septembre 1986 précitée.
[20]وفق المادة التاسعة من مشروع القانون.
[21]V. F. Agostini, Répertoire de droit pénal et de procédure pénale, V. Compétence,  no 352 ; A.-S.Chavent-Leclère, Les juridictions interrégionales spécialisées : des compétences originales, AJ Pénal 2010,p.106.
[22]بموجب قانون11/1/1958.
[23]المرسوم الاشتراعي 137/59.
[24]الخيانة، التجسس، الصلات غير المشروعة بالعدو، الجرائم الماسة بالقانون الدولي، النيل من هيبة الدولة ومن الشعور القومي، جرائم المتعهدين.
[25]الجنايات الواقعة على الدستور، اغتصاب سلطة سياسية أو مدنية أو قيادة عسكرية، الفتنة، الإرهاب، الجرائم التي تنال من الوحدة الوطنية أو تعكر الصفاء بين عناصر الأمة، النيل من مكانة الدولة المالية.
[26]مستثنياً جرائم الاغتصاب والتعدي على حرية العمل وتظاهرات وتجمعات الشغب.
[27]المنصوص عنها في القانون 136 تاريخ 14/8/2011.
[28]إذ تبقى جميع الأحكام التي لا تتعارض مع مقترح القانون سارية المفعول.
[29]أو أحد رجال قوى الأمن الداخلي والأمن العام، والجرائم الواقعة على الموظفين المدنيين في وزارة الدفاع الوطني والمحاكم العسكرية أو لدى الجيش وقوى الأمن الداخلي والأمن العام والمرتبطة بالوظيفة.
[30]أو قوى الأمن الداخلي أو الأمن العام، والجرائم الواقعة على شخص أحد رجال الجيوش الأجنبية أو التي تمس بمصلحتها.
[31]ورجال قوى الأمن الداخلي والأمن العام  والأسرى و رجال قوى الجيوش الأجنبية والموظفون المدنيون فيها. إنما تجدر الإشارة إلى أن المادة الثامنة من القانون تنيط بمحكمة الجنايات المتخصصة المنشأة، النظر في جميع الجرائم التي تدخل ضمن اختصاصها "بمعزل عن صفة الملاحقين أو المحالين أمامها"، أي حتى إن تمتعوا بالصفة العسكرية.
[32]وزارة الدفاع الوطني والجيش  والمحاكم العسكرية أو قوى الأمن الداخلي أو الأمن العام في الجرائم الناشئة عن الوظيفة.
[33]إنما تجدر الإشارة إلى أن المادة الثامنة من القانون تنيط بمحكمة الجنايات المتخصصة المنشأة، النظر في جميع الجرائم التي تدخل ضمن اختصاصها "بمعزل عن صفة الملاحقين أو المحالين أمامها"، أي حتى إن تمتعوا بالصفة العسكرية. وبمعنى آخر تكون صلاحية القضاء العسكري الشخصية قد ضُيّقت بموجب الصلاحية الحصرية للمحاكم المتخصصة في ملاحقة الجرائم الداخلة ضمن اختصاصها.