"أن الشخص المعرّضة حياته وأمنه للخطر بسبب الأوضاع الأمنية السيئة التي تمر فيها بلاده هو شخص معرّض "للإضطهاد"، ولديه، بحسب أحكام المادة \14\ من الإعلان العالمي لحقوق الإنسان، الحق الطبيعي الملازم لإنسانيته (droit naturel) بالدخول الى بلد آخر آمنٍ من أجل دفع هذا الإضطهاد أو الهروب منه وتأمين الحماية لنفسه ولعائلته." هذه الحيثية وردت في القرار الصادر عن القاضي المنفرد الجزائي في طرابلس، نازك الخطيب، في 28-5-2012 وقد آلت الى ابطال التعقبات بحق مواطن سوري دخل الى لبنان هربا من العنف في بلده دون المرور بمراكز الأمن العام سندا للمادة 183 من قانون العقوبات التي تزيل الصفة الجرمية عن الفعل المرتكب في ممارسة حق بغير تجاوز. وعلى الرغم من أن هذا الحكم ليس فريدا من نوعه من حيث النتيجة التي وصل اليها (ابطال تعقبات ضد لاجئ من جراء دخوله خلسة)، فانه يستدعي ثلاث ملاحظات:
الأولى،أنه توسع في عرض الأسناد القانونية لاستبعاد تطبيق المادة 32 من قانون الاجانب الخاصة بمعاقبة الدخول خلسة في حال ثبوت أن هذا الفعل تم هربا من الاضطهاد بحثا عن مكان آمن. وبالفعل، فقد استغرقت حججه ست صفحات كاملة. وقد تميز بذلك عن الأحكام التي كانت انتهت الى ابطال التعقبات بحق لاجئين على أساس حيازتهم لوثائق لجوء من دون أن تقدّم أي تعليل قانوني لشرح كيفية الوصول الى هذه النتائج.[1] وهو بذلك، شكل مدعاة الى اعتماد مقاربة قانونية في معالجة قضايا اللاجئين، بمعزل عن الآراء المسبقة في اتجاه أو آخر.  
والثانية،أنه أبدى ابتكارا في اختيار مبرراته على نحو يعكس اعترافا أكبر بحق اللجوء ويفتح بابا بالغ الأهمية في اتجاه وضع منظومة قانونية واضحة لتأمين حماية اللاجئين وبشكل أعم في اتجاه تضييق اطار النصوص العقابية من خلال مفهوم "الحق".
ففي السابق، كانت أحكام قضائية قد ألمحت الى امكان انطباق "حالة الضرورة" على اللاجئين لتبرير جريمة دخولهم خلسة الى لبنان،انما استبعدت تطبيقها على اللاجئين العراقيين الذين كانوا قد عبروا الى لبنان من خلال سوريا على أساس أن هذا البلد كان يشكل بلدا آمنا بالنسبة اليهم، مما يزيل وجود الخطر ومعه الضرورة عند دخولهم الى لبنان.[2]الا أن الحكم ذهب في اتجاه مختلف: وهكذا، لزم الصمت بشأن الضرورة ليطبق المادة 183 من قانون العقوبات التي تنص على أنه: "لا يعد جريمة الفعل المرتكب في ممارسة حق بغير تجاوز"، وهو أحد أسباب التبرير الذي قلما يتم اللجوء اليه.
والواقع أن لاختيار هذا السند القانوني ليس فقط أهمية نظرية، انما له أيضا وقبل كل شيء مفاعيل حقوقية وعملية بالغة الأهمية. ففي حالة الضرورة، يتقصى القاضي عن واقعة وهي أعمال العنف أو الاضطهاد الحاصلة في سوريا والتي من شأنها أن تعرض المدعى عليه للخطر. أما في الحالة الثانية، فان القاضي يذهب أبعد من ذلك في اتجاه اثبات حق اللجوء، متماشيا مع الآراء الفقهية التي تؤكد على امكانية استخلاص وجود الحق من أي نص مكتوب أو من روح التشريع ومبادئه العامة غير المكتوبة. وهكذا، وبعدمااستخلص مفهوم الاضطهاد مستعينا بأدوات القانون الدولي وتأكد من اشتماله على مجمل الأشخاص الذين تعرضوا للخطر أيا تكن الجهة التي تتسبب به، انتهى الى اعلان حق المدعى عليه "الطبيعي" باللجوء الى بلد آخر آمن وفقاللمادة 14 من الاعلان العالمي لحقوق الانسان الذي التزم لبنان به بموجب مقدمة دستوره. وعلى هذا الأساس، وفيما ان اعمال حالة الضرورة يؤدي الى ابراء المدعى عليه من العقوبة بسبب الظرف الضاغط على ارادته، فان تطبيق المادة 183 يؤدي الى استبعاد مفهوم الجرم أصلا. فالمدعى عليه لم يتجاوز حدود هذا الحق عبر دخوله الأراضي اللبنانية خلسة نظرا لعدم امكانيته العودة الى منزله المعرّض للقصف للحصول على أوراقه الثبوتية.وبكلام آخر، وبدلا أن يقول له "انت مجرم لدخولك خلسة لكنني لن أعاقبك لأنك كنت مضطهدا"، يقول "كان لك ملء الحق بعبور الحدود خلسة لأنك كنت مضطهدا، ولذلك لا مجال للحديث عن جرم أصلا". وهو ما يكرّس مفهوم اللاجئ على انه ضحية للاضطهاد الذي تعرّض له في بلده وليس مجرما يتعرّض لسيادة الاراضي اللبنانية عن سوء نية.
وهكذا، تنتقل مقاربة وضع اللاجئ من مرحلة التثبت من مدى قوة الظروف الضاغطة على ارادته، وتاليا من مرحلة التفهم أو التعاطف، الى مرحلة الاعتراف بالحق الذي لا لوم عليه ولا منة فيه. وبذلك، يكون القرار قد أكّد أن سياسة لبنان المعلنة والمتمثلة بأنه "ليس بلد لجوء" لا بد ان يكون لها ضوابط قانونية تؤمن حماية اللاجئ ومنها عدم معاقبته على خلفية دخوله خلسة اليه (اضافة الى استبعاد عقوبة الاخراج من البلاد وفق قسم كبير من الاجتهاد). "فالدول لا تختار أن تكون أو لا تكون بلاد لجوء، بل هي تختار أن تسهل اجراءات اللجوء والدخول الآمن أم لا".[3]
وتجدر الاشارة هنا، أن الحكم قد زخر لاثبات هذا الحق أو بعض عناصره في اعمال مفاهيم مستمدة من القانون الدولي بشأن حق اللجوء. ففيما يشكل مفهوم الاضطهاد مفهوما جوهريا وأساسيا في تعريف اللاجئ وفقا لاتفاقية جنيف[4]، فان "الحق الطبيعي بالدخول الى بلد آمن"مبدأ كرّسته اللجنة التنفيذية لمفوضية الأمم المتحدة لشؤون اللاجئين (التي لبنان عضو فيها) منذ العام 1981 كالوسيلة الأولى لحماية اللاجئين في حالات النزوح الكثيف. كما أن القرار أحال الى امكانية التعرّض لاضطهاد من جهات غير حكومية وتقبّل عدم امكانية الشخص المعرّض للاضطهاد الاستحصال على أوراق ثبوتية قبل مغادرة بلده.
والثالثة، أن القرار لم يتوقف عند عدم حيازة المدعى عليه على وثيقة لجوء صادرة عن مفوضية الامم المتحدة لشؤون اللاجئين، انما استند على مفاهيم اللجوء المذكورة أعلاه من أجل الوصول الى النتائج القانونية نفسها. وهو تاليا كرس ضمنيا المفعول الاعلاني وليس الانشائي للاعتراف بصفة اللاجئ على اعتبار أن الحق ناشئ أصلا وسابق لأي اعتراف به، وأن اللاجئ يصبح لاجئا لحظة عبوره الحدود الدولية.[5] ورغم أنه كان من المفيد لو استند القرار على معلومات موضوعية (كتقارير اخبارية او صادرة عن منظمات دولية أو وطنية توثق الأحداث السورية)، فان اعلان اللجوء من دون التوغل في أسبابه انما عكس موقفا محايدا تجاه النزاع السوري منسجما مع مبدأ الاعتراف بوجود حالة اضطهاد معمّم (prima facie)انطلاقا من الظروف التي تسود  سوريا. وبالواقع، يتماشى هذا الموقف مع موقف مفوضية شؤون اللاجئين بشأن ضرورة منح الحماية الدولية لجميع المواطنين السوريين وبعدم اعادة أي مواطن سوري قسرا الى سوريا الى حين استقرار الأوضاع في البلاد، وذلك بغض النظر عن الأسباب الخاصة التي حملتهم الى مغادرة سوريا.[6]
وختاما، تجدر الاشارة الى أن الحكم ترافق مع توجه عام في الاعتراف بحقوق اللاجئين السوريين في لبنان، ولو تحت تسمية النازحين.[7] ففيما تذرّعت الحكومات السابقة في سياسة "لبنان ليس بلد لجوء"، خاصة بعد تدّفق اللاجئين العراقيين اليه، نلمس اليوم تغييرا في الخطاب السياسي نتيجة للنزوح السوري الكثيف. فالجهات السياسية نفسها التي رفضت خلال تسلمها الحكومة في السابق استقبال اللاجئين أو لم تر مانعا أمام ترحيلهم،[8] أصبحت اليوم تتبنى خطابا مطلبيا لحماية اللاجئين السوريين يقارب الى حد كبير خطاب منظمات المدني. بل أن الحكومة الحالية اعترفت أيضا بأن المواطنين السوريين قد "قدموا اضطراريا الى شمال لبنان" فخصصت لهم مساعدات من خلال الهيئة العليا للاغاثة.


[1] الحكم الصادر عن القاضي المنفرد الجزائي في المتن (الزعني) في 13-7-2007، الحكم الصادر عن القاضي المنفرد الجزائي في كسروان (نصّار) في 30-8-2007. يراجع في هذا الصدد دراسة جمعية روّاد فرونتيرز "ابواب مغلقة: اللاجئون العراقيون والحجز التعسفي"، كانون الاوّل 2008، ص 28-30، متوفر على العنوان التالي: http://frontiersruwad.org/pdf/FR_DoubleJeopardy_AR_Dec2008.pdf
[2]لكن حالة الضرورة طبقت لتبرير قرار اللاجئين برفض ترحيلهم الى هذا البلد على اعتبار أن لا مسؤولية جرمية في حال ارتكاب الفعل المجرّم دفعا لخطر على النفس، راجع الحكم الصادر عن القاضي المنفرد الجزائي في المتن (طانيوس السغبيني) في 14-4-2010.
 
[3] جمعية روّاد فرونتيرز، "اللجوء الى الاحتجاز التعسفي: سياسة فوق الدستور"، 2010، ص 71، الدراسة متوفرة على العنوان التالي:
http://frontiersruwad.wordpress.com/2011/03/25/
[4] تعرّف الفقرة الثانية من المادة الاولة من الاتفاقية الخاصة بوضع اللاجئين للعام 1951 اللاجئ انه: "كل شخص يوجد ... وبسبب خوف له ما يبرره من التعرض للاضطهاد بسبب عرقه أو دينه أو جنسيته أو انتمائه إلي فئة اجتماعية معينة أو آرائه السياسية، خارج بلد جنسيته، ولا يستطيع، أو لا يريد بسبب ذلك الخوف، أن يستظل بحماية ذلك البلد"
[5] وهذا ما ورد بكل وضوح في الفقرة 28 من دليل الاجراءات والمعايير لتحديد صفة اللجوء الصادر عن مفوضية الامم المتحدة لشؤون اللاجئين،
كما تم التأكيد عليه في الفقرة 14 من مقدمة الارشادات الاوروبية الموحدة حول معايير اللجوء الصادرة في العام 2004. وهذا ما آل اليه ايضا الحكم الصادر عن القاضي المنفرد الجزائي في جديدة المتن، روني شحادة، في 24-4-2012 في قضية مواطن سوري آخر لم يستحصل على اللجوء من مفوضية الامم المتحدة لكنه اعتبره"لاجئ على الاراضي اللبنانية بمفهوم القانون الدولي". ورغم ان هذا القرار لم يبطل التعقبات بحق المدعى عليه الا انه استبعد عقوبة الاخراج من البلاد بحقه واعترف ب"انه يستفيد من حق البقاء على الاراضي اللبنانية طالما كانت حياته معرضة للخطر في بلاده الام لما تشهده من صراعات."
[6] موقف مفوضية الامم المتحدة لشؤون اللاجئين بشأن حالات الاعادة الى سوريا الصادر في شباط 2012. الترجة العربية متوفرة على الرابط التالي:
http://www.unhcr.org/cgi-bin/texis/vtx/refworld/rwmain/opendocpdf.pdf?reldoc=y&docid=4f63183f2
[7] من الملحوظ الاستخدام الشائع لعبارة "النازح السوري" بدلا من "اللاجئ السوري". ان الفرق بين العبارتين يكمن في أن الثاني يجتاز حدود دولية خلال نزوحه بينما يبقى الاوّل داخل حدود دولته. فهل ان هذا الاستعمال الخاطئ لعبارة "النازح السوري" هو ترجمة لمشاعر التضامن مع الشعب السوري نظرا للتفاعل التاريخي بين البلدين أم انه محاولة لتفرقته عن سائر اللاجئين وابرازه كحالة خاصة أم أنه محاولة للاعتراف بمفاعيل حق اللجوء من دون الاعتراف علنا بهذا الحق؟
[8] قامت الحكومة اللبنانية في 7-9-2010 بالموافقة على تقرير اللجنة الوزارية المكلفة دراسة موضوع ترحيل الاجانب الموقوفين بجرائم مختلفة بعد انقضاء محكوميتهم والذي يؤكد ان لبنان ليس بلد لجوء لا مؤقت ولا دائم ويجيز ترحيل اللاجئين الى بلادهم في حال عدم ايجاد بلد ثالث لاعادة توطينهم خلال مهلة سنة. (راجع الدراسة المذكورة اعلاه في الحاشية رقم 3، ص 69-70)