صادق  المجلس الدستوري في 15 مارس 2016 على القانونين التنظيميين رقم 106.13المتعلق بالنظام الأساسي للقضاة ورقم 100.13 المتعلق بالمجلس الأعلى للسلطة القضائية، ليختم بذلك مرحلة استمرت حوالي خمس سنوات من النقاش والجدل المحتدم حول هذين القانونين بين السلطة التنفيذية والتشريعية من جهة ومكونات المجتمع القانوني والحقوقي بمن فيهم الجمعيات المهنية للقضاة بل وحتى بعض المسؤولين القضائيين من أعلى المستويات[1].

ورغم أن المجلس الدستوري وفي قراءة أولية قانوينة صرفة، لم يتطرّق لكثير من المواضيع التي لها صبغة دستورية ومكرسة في مقتضيات دستورية أخرى. منها، اشتراط إقامة القضاة في الدوائر التي يعملون بها على نحو يتعارض مع حرية التنقل والتجوال. وكذلك اشتراط أقدمية 07 سنوات للترشح  لعضوية المجلس الأعلى للسلطة القضائية، على نحو يُقصي قضاة محاكم الدرجة الأولى من التمثيل داخل المجلس الأعلى للسلطة القضائية. وكذلك اشتراط الإذن لممارسة التدريس والبحث العلمي والإشارة للصفة في التأليف العلمي. ويسجل أيضاً عدم تعرّضه لتطبيقات مبادئ الحكامة والمحاسبة في التعيين بمناصب المسؤولية القضائية. لكن، رغم ذلك، يمكن القول أن المجلس الدستوري خطا خطوة مهمة في العديد من المقتضيات القانونية المذكورة نشير إليها أدناه. وأهمية القرار لا تكمن في إبطال عدد من المواد الإشكالية، ولكن أيضاً في تفسيره لبعض المواد وتعريفه لبعض المفاهيم كالخطأ الجسيم، على نحو يجعل المجلس الأعلى للسلطة القضائية مؤطرا بالقرار التفسيري للمجلس الدستوري بشكل الزامي. وهذه بعض المقتضيات التي نرى أن قرار المجلس انتصر فيها للرؤية المتقدمة لدستور 2011:
 
أولا : على مستوى القانون التنظيمي رقم 106.13المتعلق بالنظام الأساسي للقضاة:

1) إقرار الفصل التام للسلطة القضائية عن السلطة التنفيذية من خلال الانتصار لتبعية النيابة العامة للسيد الوكيل العام للملك، وفق ما أقرّه القضاة عموما بعريضتهم التاريخية للمطالبة باستقلال السلطة التنفيذية يوم السبت 05 – 05 – 2012. فقد جعل القرار النيابة العامة تحت رئاسة الوكيل العام لمحكمة النقض باعتبار السلطة القضائية وحدة لا تتجزأ سواء من خلال أعضائها أو قواعد سيرها، فلا يجوز تلقي أي تعليمات من خارج القضاء.

2) الانتصار للنظرة الحقوقية التي ما فتئ نادي قضاة المغرب يؤكد عليها في تناغم تام مع جميع القوى الحية من ضرورة النأي بالسلطة القضائية عن كل دور قد يمس بها، وذلك بالمناداة بضرورة أن يخضع قضاة  النيابة العامة وهم يمارسون مهامهم فقط للتعليمات الكتابية القانونية التي تصدر إليهم من رؤسائهم التسلسليين. وفي هذا السياق، جاء في قرار المجلس الدستوري أن الأوامر الموجهة إلى قضاة النيابة العامة من طرف رؤسائهم التسلسليين، "لا يمكن أن تلزم هؤلاء القضاة، إذا كانت تهم اتخاذ النيابة العامة لمقرراتها، إلا إذا كانت في شكل تعليمات كتابية".

3) الإنتصار لوحدة الصفة القضائية لجميع القضاة سواء كانوا قضاة الحكم أو قضاة النيابة العامة، و تمتيعهم بنفس الحقوق والامتيازات التي أقرها الدستور.

4) الانتصار لحق القضاة في العمل في أماكنهم الأصلية ما دامت الحالة الاستثنائية منتفية. وقد أقرّ المجلس الدستوري بذلك عدم قابلية قضاة الحكم للنقل إلا بناء على طلبهم أو في حالات الاستثناء فقط ووفق ما قرره القانون.

5) الموقف التاريخي الذي ذهب إليه المجلس الدستوري من تحديد لمفهوم الخطأ الجسيم الوارد بالمادة 97 والتي أثارت العديد من النقاشات على خلفية العواقب الوخيمة المترتبة عنه والمتمثلة في توقيف القاضي عن عمله.

فقد أقر المجلس الدستوري تعريفا للخطأ الجسيم في صلب قراره جاء فيه : "الخطأ الجسيم يتمثل في كل عمل إرادي أو كل إهمال أو استهانة يدلان على إخلال القاضي، بكيفية فادحة وغير مستساغة، بواجباته المهنية لدى ممارسته لمهامه القضائية". وتعريف المجلس الدستوري هذا للخطأ الجسيم ملزم للجميع بما في ذلك المجلس الأعلى للسلطة القضائية والمفتشية العامة للشؤون القضائية وكل من له صلة بأعمال القضاة. ومن شأن هذا التعريف أن يجعل من العمل الاجتهادي القضائي مصدرا ملهما للقوة الإبداعية للقضاة في تدبير شؤون العدالة تنتفي عنه الصفة الآلية والأوتوماتيكية، ويؤهلهم لضمان وحماية حقوق الأفراد والجماعات. وقد أكّد المجلس الدستوري بالنظر إلى العواقب الوخيمة المترتبة عن الخطأ الجسيم ضرورة تحديد حالاته ب "عبارات  دقيقة وواضحة لا يعتريها لبس أو إبهام".وعلى هذا الأساس، اعتبر من غير الدستوري تضمين القانون عبارة، مثل عبارة "بصفة خاصة"[2] يستشف منها إمكانية اعتبار الخطأ الجسيم متوفرا في غير الحالات المذكورة صراحة فيه. 

وفي نفس السياق، يحسب للمجلس الدستوري تجاوبه مع نداء القضاة انتصارا منهم للنفس الحقوقي الذي طبع حراكهم وذلك بإسقاط عبارة "أو الإدلاء بتصريح يكتسي صبغة سياسية" من لائحة الأخطاء الجسيمة واعتبارها مخالفة للدستور. وفي هذا السياق، جاء موقف المجلس الدستوري وفق ما يأتي: "وحيث أن إدلاء القاضي بتصريح يكتسي صبغة سياسية، إن كان قد يستوجب اتخاذ إجراءات تأديبية في حقه، إذا كان هذا التصريح، في مضمونه ومداه، لا يتلاءم مع واجب التحفظ والأخلاقيات القضائية الذي فرضه الدستور على القاضي بموجب الفقرة الأولى من فصله 111، فإن هذه المخالفة، بالنظر لعمومية العبارات التي صيغت بها، ليست من الأسباب التي تستدعي التوقيف الفوري للقاضي، مما يجعل اعتبار "أو الإدلاء بتصريح يكتسي صبغة سياسية" موجبا لتوقيف القاضي حالا عن مزاولة مهامه، غير مطابق للدستور".

ثانيا: على مستوى القانون التنظيمي رقم 100.13 المتعلق بالمجلس الأعلى للسلطة القضائية:

هنا أيضا، سجل المجلس الدستوري من خلال تفسيراته الملزمة للقانون مكاسب قضائية جد هامة: 

1) المكسب الأول وهو يتمثل في القول بوجوب إسناد مهام المفتشية العامة للشؤون القضائية إلى جهة تنتمي إلى السلطة القضائية، عملا بمبدأ استقلال السلطة القضائية عن السلطتين التشريعية والتنفيذية، المقرر في الفصل 107 من الدستور. وبذلك قطع القرار الدستوري الطريق على الإلتفاف الذي أرادت وزارة العدل والحريات أن تكرّسه من خلال جعل المفتشية تنظم بموجب قانون على نحو يجعلها رهن إشارة السلطة التنفيذية.

2) المكسب الثاني تمثل في تقييد حضور وزير العدل لأشغال المجلس الأعلى للسلطة القضائية بموافقة المجلس الأعلى للسلطة القضائية. فعلى خلفية الجدل الحاصل حول مدى انسجام حضور الوزير جلسات المجلس الأعلى للسلطة القضائية، وضع المجلس الدستوري أن حضور وزير العدل لأشغال المجلس لن يكون إلا في إطار اعتباره من ضمن الشخصيات التي للمجلس أن يأخذ رأيها ويستوضحها في بعض الأمور، وأنه تاليا يشترط الإستحصال مسبقاً على موافقة هذا المجلس.

3) بخصوص الوضعية المادية للقضاة: سبق لنادي قضاة المغرب أن أكد على ضرورة جعل استقلال السلطة القضائية معززا باستقلالها المالي كسلطة واستقلال قرارها المالي في ما يتعلق بتدبير الوضعية المالية للقضاة. وفي هذا الصدد، أعلن المجلس الدستوري أن دور وزارة العدل بمعية وزارة المالية يقتصر على تنفيذ قرارات المجلس الأعلى للسلطة القضائية في هذا الشأن. ويعتبر هذا الموقف مدخلا أساسيا في أفق تحقيق الاستقلال التامّ في هذا الباب وضمان عدم التأثير بالقضاء بأي وجه من الوجوه.

4) بخصوص تقارير الوكيل العام لمحكمة النقض المتعلقة بتنفيذ السياسة الجنائية: في هذا السياق، أقرّ المجلس الدستوري خصوصيّة المركز الدستوري للوكيل العام للملك لدى محكمة النقض. فلا يترتب عليه عرض التقارير التي يعدها بشأن تنفيذ السياسة الجنائية ولا حضوره أمام اللجان النيابية المختصة.

5) بخصوص الإدارة القضائية: هنا أيضا، يعدّ موقف المجلس الدستوري من تكريس التمييز الحقيقي بين الإدارة العمومية والإدارة القضائية موقفاً متقدماً ومنسجماً مع إرادة القضاة الذين ما فتئوا ينادون بها في الكثير من محطاتهم بهدف إنتاج خدمة قضائية في صالح المواطنين أولاً وأخيراً. فقد أكّد المجلس الدستوري على وجوب تمييز الإدارة القضائية "عن باقي الإدارات العمومية بمساهمتها المباشرة في تدبير الشؤون القضائية المندرجة بطبيعتها في مهام السلطة القضائية"، على أساس أن "مبدأ استقلال السلطة القضائية ... لا يمكن اختزاله في المجلس الأعلى للسلطة القضائية واختصاصاته المحددة في الفصل 113 من الدستور"، وأن "هذا المبدأ لا يمكن إعماله دون توفر المسؤولين القضائيين على صلاحية الإشراف على المصالح الإدارية للمحاكم".

المزيد على الروابط ادناه


[1]- لمزيد من التفاصيل تراجع الدراسات الآتية المنشورة في المفكرة القانونيةللزميل أنس سعدون:في قراءة نقدية للنسخة الثالثة لمشاريع قوانين السلطة القضائية في المغرب (1): في أبرز اعتراضات ومطالب الجمعيات المهنية للقضاة، (2)المتغير والثابت في فلسفة المشاريع الحكومية؛ (3(لهذه الأسباب، رفض نادي قضاة المغرب مسودة النظام الأساسي للقضاة؛4) ) معركة استقلال القضاء في أروقة البرلمان المغربي.
 
[2] ورد في المادة 97 من القانون التنظيمي المتعلق بالنظام الأساسي للقضاة: "ويعد خطأ جسيما بصفة خاصة"