عرفت تونس مؤخرا انتفاضات شبابية قادها أساسا المعطلون عن العمل.هذه الانتفاضات انطلقت في نفس المناطق التي شهدت الأحداث التي أدت إلى سقوط النظام في 14 جانفي 2011 ورفعت فيها نفس الشعارات المطالبة بالتشغيل والحقّ في التنمية.. بعد خمس سنوات من ثورة الحق في "شغل، حرية، كرامة وطنية"، تجد نفس المناطق وضعيتها ثابتة على ما كانت عليه في 2010. بل إن العديد منها يؤكد أن الوضعية ساءت عما كانت عليه. هذه الأحداث التي عاشتها البلاد مؤخرا دفعتنا إلى التساؤل عن علاقتها بمسار العدالة الانتقالية ومدى قدرة هذا المسار على الإقرار بهذه الوضعيات والحلول التي يمكن أن يقدمها.
 
1- الإقرار "بالمنطقة الضحية"

في تعريفه للضحية يقر القانون عدد 53 لسنة 2013 المؤرخ في 24 ديسمبر 2013 والمتعلق بإرساء العدالة الانتقالية وتنظيمها، مفهوماً واسعاً. فالفصل 10 من هذا القانون ينصّ على أن "الضحية هي كل من لحقه ضرراً جرّاء تعرّضه لانتهاك على معنى هذا القانون.. ويشمل هذا التعريف كل منطقة تعرّضت للتهميش أو الإقصاء الممنهج". هذا التعريف والذي أدرج المناطق كضحايا يتطلب منا تحديد مفهوم المنطقة في حد ذاتها ومفهوم الانتهاك الذي يجعل من منطقة ما "منطقة ضحية".

2- المنطقة "مفهوم جديد"

لقد استعمل القانون المتعلق بالعدالة الانتقالية عبارة "المنطقة الضحية"، وهو استعمال متعمد نظرا لتلاؤمه مع مقومات العدالة الانتقالية. فالقانون التونسي لا يستعمل هذه العبارة لأنه يقسم التراب الوطني إلى ولايات تنقسم بدورها إلى معتمديات والتي تنقسم إلى عمادات. وعلى مستوى مخططات التنمية، يتم استعمال عبارة أخرى أوسع من العبارات المستعملة في التقسيم الإداري وهي "الجهة" تُضاف إلى ذلك البلديات بوصفها التقسيم المحلي الذي يتطابق مع المدن بمعنى الوسط الحضري مقارنة بالوسط الريفي والذي يمكن أن تحدث فيه المجالس القروية.

ولذا تكون المنطقة على معنى قانون العدالة الانتقالية كل فضاء جغرافي- اجتماعي بقطع النظر عن مدى ارتباطه بوحدة إدارية.
وفي هذا الإطار نحن لا نتقاسم الموقف الوارد في ملف القصرين منطقة ضحية المقدم من "المنتدى التونسي للحقوق الاقتصادية والاجتماعية" حيث تم اعتبار مفهوم المنطقة الوارد في قانون العدالة الانتقالية متطابقاً مع مفهوم الولاية. وقد استند هذا التفسير إلى أن سياسة التنمية الجهوية التي تم تبنيها إنبنت أيضا على مفهموم الولاية واعتمدت وزارة التنمية والإستثمار والتعاون الدولي على التقسيم الترابي الإداري باعتماد الولاية، كما أن النظام الداخلي لهيئة الحقيقة والكرامة أكد على تركيز مكتب جهوي في كل ولاية[1]. هذه الأسانيد غير مقنعة، طالما أن ثمة ولايات لم يطلْها التهميش بأكملها إنما انحصر في مناطق محددة منها (معتمديات أو عمادات). وعليه، يمكن لمفهوم المنطقة أن يتطابق مع ولاية بأسْرها، مثلما هو الشأن بالنسبة لولاية القصرين، والتي تقدّمت بملفّها أمام هيئة الحقيقة والكرامة كولاية كاملة (ملف قدم في  جوان 2015) أو معتمدية عين دراهم التي قدمت ملفها كمعتمدية[2] (وهي جزء من ولاية جندوبة) (ملف قدم في فيفري 2016). إلا أنه لا مانع أن تقدم الملفات من عمادات أو من حي من أحياء أو جزء من حي في مدينة معينة. هذا المفهوم للمنطقة يقر واقعا معاشا نلاحظه يتطابق مع الاحتجاجات الأخيرة والتي توزعت على معتمديات بأسرها وعلى بلديات وأحياء سكنية. كما يتطابق هذا التعريف مع موجبات العدالة الانتقالية حيث تطال الانتهاكات في بعض الأحيان مناطق دون غيرها[3].

2-1 التهميش أو الإقصاء الممنهج: صعوبة الإثبات:

لا يعتد قانون العدالة الانتقالية إلا بالتهميش أو الإقصاء الممنهج. وهو ما يطرح سؤالا عن ماهية مكونات هذا التهميش أو الإقصاء و كيف يمكن إثبات أنه ممنهج؟

إن قانون العدالة الانتقالية لم يقدم أي تعريف أو ضبط لمفهومي التهميش أو الإقصاء، مما يفرض علينا تحديد هذه المفاهيم من خلال العلوم الإنسانية والإجتماعية. فيكون التهميش عندها شكلا من أشكال التمييز أو الحرمان المجحف والمستمر الذي يقلص فرص ازدهار/ نمو مجموعة من الأشخاص في الحياة والناتج عن مسارات/ خيارات اجتماعية  و/ أو اقتصادية و/ أو سياسية[4]. أما الاقصاء، فيرتبط بمسارات تؤدي إلى إبعاد/ استثناء أشخاص من الوصول إلى الحقوق والخدمات ومنها الولوج إلى الشغل اللائق والأجر المناسب والتربية والتعليم والمشاركة في الحياة العامة واتخاذ القرارات.. فالإقصاء والتهميش يطالان أياً من الحقوق المدنية أو السياسية أو الإقتصادية أو الاجتماعية أو الثقافية أو البيئية.. وهو ما يؤكده قانون العدالة الانتقالية والذي لا يفرق بين حقوق الإنسان بل يحيل عليها ككتلة واحدة ( الفصل 1، الفصل 8، الفصل 10..).

في هذا الإطار، نلاحظ أن ارتباط العدالة الانتقالية بالحقوق الإقتصادية والإجتماعية مثّل عنصراً هاماً تمّ إدراجه تدريجيا في مقاربة العدالة الانتقالية. فمنذ 2006، أكدت مفوضية الأمم المتحدة لحقوق الإنسان (Louise Arbour) على أهمية هذه الحقوق ووجوب ألا تغيب أمام المقاربة القانونية الجزائية والتي لا تكفي بذاتها لتحقيق العدالة[5]. وهو ما أكد عليه الأمين العام للأمم المتحدة سنة 2010 عندما حثّ آليات العدالة الانتقالية على أن تأخذ بعين الاعتبار وبأكثر عناية الأسباب الهيكلية وخاصة الاقتصادية عند وضع مقاربات الإصلاح وضمانات عدم العود. 

هذا التمشي في إدراج الحقوق الإقتصادية والإجتماعية في مسار العدالة الانتقالية تمّ العمل به في عديد من التجارب السابقة مثلما هو الشأن في تيمور الشرقية، وسيراليون والبيرو.

إلا أن الإشكال يبقى مطروحا على مستوى تحديد شكل الإقصاء والتهميش الممنهجين؟ فهل يكفي توصيف حالة المناطق (من فقر وبطالة وسوء البنية التحتية والانقطاع المدرسي) لإثبات وجود التهميش أو الإقصاء الممنهج؟ أم أنه يتوجب إثبات وجود نية وإرادة للإقصاء والتهميش خاصة وأن سياقات الأنظمة الاستبدادية أو الديكتاتورية هامة جدا لتحديد أسباب الانتهاكات لحقوق الإنسان. فلا يكفي عدم توفر الحق لإثبات "تعمد" الإقصاء و التهميش، إذ يمكن أن يكون ذلك مرده لأسباب ظرفية اجتماعية، اقتصادية، مناخية، عالمية وهو ما ينفي صبغة "الممنهج" وهي عادة الحجج التي تتعلل بها الأنظمة لتبرير عدم عملها على تنمية مناطق دون أخرى.

يرتبط الإقصاء والتهميش الممنهج بمفاهيم أساسية ومنها عدم التمييز على أي أساس وحق المواطنين بالولوج إلى الحقوق والخدمات. ولذا يكون على المناطق التي تعتبر نفسها ضحية أن تبرز من ناحية عدم حصولها على الحقوق والمرافق الراجعة لها من ناحية وعلى أن السلطة الحاكمة لم تعمل أبدا على تغيير تلك الأوضاع رغم مرور عشرات السنوات. هذا العمل يصبح يسيرا إذا ما توفرت مؤشرات التنمية من ناحية ووثائق الميزانية ومخططات التنمية من ناحية أخرى. فاستمرارية حال التدني والتدهور على مستوى الحقوق والخدمات لعقود يعكس مسؤولية السلطة عن تردي الأوضاع وعدم قيامها بما يتوجب عليها فعله طوال هذه الفترة[6]. فليس من باب الصدفة أن تنتفض في كل مرة نفس المناطق المرتبة في أسفل سلم مؤشر التنمية البشرية في تونس: القصرين، سيدي بوزيد، جندوبة.. حيث يقل هذا المؤشر فيها عن 0.1 بينما يقترب المعدل الوطني من 3 نقاط. و يكون ترتيبها جميعها ضمن العشر الأواخر في هذا السلم من مجموع 264 معتمدية. و ليس من الصدفة أن تكون نسبة البطالة فيها ضعف المعدل الوطني تقريبا: عين دراهم 28%، القصرين 26.2%، بينما المعدل الوطني هو 15%. هذه الوضعية تزداد سوءاً بإحساس متساكني هذه المناطق بالحرمان والظلم خاصة عندما يرون مواردهم الطبيعية (الخشب، الخفاف، الماء، الحلفاء، المعادن..) تستخرج من عندهم وتحوّل إلى أماكن بعيدة عنهم. هذه المعطيات لم تتغير كثيراً منذ الستينيات إلى اليوم وببقائها لا يمكن أن تعطي إلا نفس النتائج: الإحتجاجات والإنتفاضات. فكيف يمكن لسياقات العدالة الانتقالية أن تتعامل مع هذه الظروف؟
 
2- آليات التعامل مع المنطقة الضحية:

بالرجوع إلى القانون المنظم للعدالة الانتقالية، نلاحظ أنه لم يتناول كيفية تمثيل هذه المناطق ولا الدور الذي يمكن لهيئة الحقيقة والكرامة القيام به بالنسبة للمناطق الضحايا والتعويضات الجماعية.
 
1-2 آليات تمثيل المنطقة الضحية:

إن النص المنظم للعدالة الانتقالية لم يحدد أي إجراء لتقديم المطالب لا من حيث الشكل ولا من حيث المحتوى. واكتفى بضبط أجل سنة لتقديم المطالب. ويحق للهيئة أن تمدد في ذلك لمدة ستة أشهر. وهو ما تم. خاصة وأنه إلى حدود نهاية السنةالأولىلقبول الملفات لم يقدم أمام الهيئة إلا ملف واحد: ملف ولاية القصرين. ومن المنتظر بنهاية أجل التمديد (14 جوان 2016) ألا يتجاوز عدد ملفات المناطق العشر ملفات، علماً أنه تم تقديم ملف واحد حتى الآن خلال الفترة الممددة هو ملف عين دراهم. بالرغم من أن القانون والهيئة أيضا لم يشترطا الشيء الكثير لإيداع وقبول الملفات إلا نسخة من بطاقة تعريف مقدم الملف واستمارة تملأ وتودع أو ترسل إلى الهيئة بما في ذلك عبر الإنترنت.

هذه التسهيلات التي تحفّز الأفراد على تقديم مطالبهم لم يكن لها نفس الوقع على الملفات الجماعية أو ملفات المناطق. فهذه الملفات تحتاج إلى قيام مجموعة عمل واعتماد منهجية بحث وصياغة تقارير لم تعهد منظمات المجتمع المدني العمل عليها خاصة في المناطق التي عانت من التهميش والإقصاء.

فالغاية من ملفات المناطق في تقديرنا متعددة الأبعاد: أولها أن يكون العمل نابعا من متساكني المنطقة ذاتها وهو ما من شأنه أن يخلق دينامكية عمل جماعي ومن شأنه أن يقرب المتساكنيين باختلاف انتماءاتهم ومشاريعهم وأعمارهم حول مشروع جامع لهم يتعلق في نفس الوقت بماضيهم وحاضرهم ومستقبلهم، ثانيها أن يدرك متساكنو المنطقة حقيقة الوضع الذي تعيشه منطقتهم وأن يقوموا بأنفسهم بإعداد ملف منطقتهم بعيداً عن العموميات والبديهيات التي عادة ما تهيمن على متساكني منطقة ما حول منطقتهم وأنفسهم. ويكون إعداد الملف مناسبة لوضع توصيفدقيق للمنطقة ومشاكلها ونقائصها والأسباب التي أدت إلى ذلك دونما سقوط في العموميات من ناحية وفي التبسيط من ناحية أخرى. ثالثها أن يقدم سكان المنطقة بأنفسهم ولأنفسهم تصورا حول مستقبلهم ومستقبل منطقتهم كما يرونه في إطار تنمية عادلة وشاملة ومتوازنة ومستمرة. وهي مسألة تستوجب من المتساكنيين التفكير العميق في الحلول المستدامة وفي كيفية تحقيقها والقطع مع منوال انتظار الإعانة والمساعدة والقرار. هذه المنهجية في العمل من شأنها أن تعطي معنى للعمل التشاركي ولرسم الأهداف ووضع البرامج والتفكير في الموازنة و التصرف. إلا أنها تتطلب إرادة و تدريبا و تأطيرا مناسبا.

بالرجوع إلى الملفات التي قدمت ملف القصرين وملف عين دراهم، نلاحظ أن الأول قد أعدته منظمتان، إحداهما وطنية (المنتدى التونسي للحقوق الاقتصادية والاجتماعية) والثانية دولية (محامون بلا حدود)و تم تقديم الملف باسم المنتدى ممثلا في رئيسه و لم تقدمه منظمات أو أهالي القصرين. فكان التقرير الأول مناسبة للحوار والجدل حول منهجية العمل وحول مضمونه. أما التقرير الثاني فقد أعدته وقدمته جمعيات من عين دراهم بدعم من منظمة وطنية (مركز الكواكبي للتحولات الديمقراطية). وحاول هذا التقرير أن يستفيد من تقرير القصرين وأن يقدم تقريراً مختلفاً مؤسساً على التحليل النوعي أكثر من الجانب الكمي الرقمي الذي طبع تقرير القصرين. وحاول أن يولّد دينامية عند إعداده بين مختلف مكونات المجتمع المدني في عين دراهم وخاصة الجمعيات الشبابية.

هذا العمل الأولي الذي قامت به منظمات المجتمع المدني يمكن أن يمنح السكان وثيقة عمل نموذجية تمثل سلطة اقتراح سواء أمام السلطات الحالية أو عند إعداد البرامج وإرساء اللامركزية التي أكد عليها الدستور. كما من شأنه أن يمكن هيئة الحقيقة والكرامة من قاعدة معلومات وبيانات هامة لإعداد تقاريرها.
 
2-2 دور هيئة الحقيقة والكرامة:

إذا كان دور هيئة الحقيقة والكرامة بموجب النصّ المحدث لها، هو تلقّي الشكاوى والعرائض المتعلقة بالانتهاكات (الفصل 40) ووضع برنامج شامل لجبر الضرر الفردي و الجماعي لضحايا الانتهاكات (الفصل 39)، فإن ذلك يتطلّب منها قبول كل الملفات والمطالب بنهاية الآجال القانونية وإعداد هذا البرنامج أو هذه البرامج. ومن شأن اتباع هذه الخطوات أن يستغرق وقتا طويلا (من سنتين إلى ثلاث سنوات)، فيما قد نكون أمام مطالب آنية وعاجلة. وفي هذا الإطار، يجدر التذكير بأن القانون المتعلق بالعدالة الانتقالية لهيئة الحقيقة والكرامة ينص صراحة على إمكانية "إتخاذ إجراءات إحاطة وتعويض وقتية وعاجلة للضحايا" ( الفصل 39 المادة 4). وفيما يبدو هذا النص في  ظاهره محصوراً بالضحايا بالمعنى الفردي، إلا أن عبارة الضحايا جاءت على إطلاقها وتؤول عندها على معنى الفصل 10 من نفس القانون والذي يدرج ضمن مفهوم الضحية: المناطق التي عانت التهميش أو الإقصاء الممنهج. وعملا بهذا التأويل، يمكن للهيئة أن "تأخذ إجراءات إحاطة وتعويض وقتية وعاجلة.." للمنطقة الضحية. ولكن، كيف يمكن للهيئة أن تتصرف مع قبولها الأولي للملفات المقدمة إليها في هذا الإطار؟ فبالرغم من أن الهيئة لم تتلقّ ملفات عديدة حول الجهات الضحية إلا أن ذلك لا يمنعها من تناول دراسة تلك الملفات لإبراز الحاجيات العاجلة لتلك المناطق وأن تضبطها وتقدمها للسلطات صاحبة القرار لأخذها بعين الاعتبار في برامجها وميزانيتها.

وفي هذا الإطار، كانت الهيئة قد توصلت بملف القصرين كمنطقة ضحية منذ جوان 2015، أي ستة أشهر قبل ختم ميزانية الدولة لسنة 2016. وكان للهيئة تالياً الوقت الكافي لدراسة ملف هذه الجهة ووضع تقرير عاجل حول الحاجيات الآنية لهذه المنطقة وتقديمها للحكومة تمهيداً لعرضها لاحقاً على مجلس نواب الشعب، ولو كان ذلك بمناسبة نقاش ميزانية الهيئة. هذا التمشي من شأنه أن يجعل من الهيئة شريكا في وضع البرامج و التخطيط لمستقبل هذه الجهات التي وإن تواصل تهميشها و عدم إنصافها ستنتفض من جديد.
 
الخاتمة: التعويض والتنمية

إن مفهوم المنطقة الضحية هو من المفاهيم التي تضعنا أمام التساؤل حول الحق في التنمية و مدى ارتباطه بالتعويضات التي قد تقرر لهذه المناطق؟
فإذا كان الحق في التنمية قد أصبح حقا دستوريا للأفراد والجماعات والمناطق حيث ينص الدستور على أنه :"تسعى الدولة إلى تحقيق العدالة الاجتماعية والتنمية المستدامة والتوازن بين الجهات استنادا إلى مؤشرات التنمية واعتمادا على مبدأ التمييز الإيجابي" (الفصل 12)، فإنه لا يجب الخلط بين هذا الحق والحق في التعويض العادل والمنصف وهو "حق يكفله القانون والدولة مسؤولة على توفير أشكال الجبر الكافي والفعال بما يتناسب مع جسامة الانتهاك ووضعية كل ضحية على أن يؤخذ بعين الاعتبار الإمكانيات المتوفرة لدى الدولة عند التنفيذ" ا)لفصل 11 من القانون عدد 53 لسنة 2013 المؤرخ في 24 ديسمبر 2013 و المتعلق بإرساء العدالة الانتقالية وتنظيمها). فالحق في التعويض و إن كان محمولا على الدولة بما لها من إمكانيات يسبق ويتزامن مع برامج التنمية التي تحق لكل الجهات والمناطق. و لذا لا يجب أن تتحول برامج التنمية إلى آليات تعويض عن الضرر الناتج عن التهميش والإقصاء. فبرامج التعويض توضع لتسري على ماضي تلك المناطق ولتقرب بينها وبين المناطق الأخرى الأكثر نموا، ثم تكون برامج التنمية المقامة على الأهداف المستقبلية لكل منطقة. و يكون مبدأ التمييز الإيجابي الذي أكد عليه الدستور من أهم مفاتيح المقاربة التعويضية التنموية.

نشر في العدد 4 من مجلة المفكرة القانونية تونس


[1] أنظر ملف المنطقة الضحية لولاية القصرين، موجود على موقع المنتدى التونسي للحقوق الاقتصادية و الاجتماعية http://ftdes.net/2015/06/le-dossier-region-victime-de-kasserine-une-premiere-en-justice-transitionnelle/
[2]أنظر ملفمعتمدية عين دراهمالمنطقة الضحية
https://files.acrobat.com/a/preview/27e0c575-1e52-4d63-8b7f-7b3cf8fe1736
[3] أنظر في هذا الصدد: حبيب العايب، دراسة ميدانية حول قضايا التهميش في تونس، حي السيدة المنوبية و حي زريق نموذجا، تونس، المعهد العربي لحقوق الإنسان، 2012، 60 ص.
[4] أنظر: محسن عوض، قضايا التهميش و الوصول إلى الحقوق الاقتصادية و الاجتماعية، نحو مقاربات جديدة لمكافحة التهميش في العالم العربي، القاهرة، المعهد العربي لحقوق الإنسان، 2014، 212 ص.
[5]Malcolm Langford, “The justiciability of social rights: from practice to theory”, in Social Rights Jurisprudence: Emerging Trends in International and Comparative Law, M. Langford, ed. (Cambridge, Cambridge University Press, 2008).
[6] أنظر: عزام محجوب، الحق في العمل اللائق و التنمية الجهوية، تونس، المعهد العربي لحقوق الإنسان، 2014، 114 ص.