مع صدور قرار مجلس شورى الدولة بوقف تنفيذ مرسوم توزيع عائدات الصندوق البلدي المستقل مراعاة لحقوق البلديات المصابة بمطمر للنفايات، عاد هذا الصندوق بما يحيطه من اشكاليات الى الواجهة مجددا. فكيف يتم توزيع عائداته، وهي عموما مجمل الضرائب والرسوم التي تحصلها الدولة لصالح البلديات ووفق أي معايير؟ وما هي الغاية من انشائه؟ وهل تستغل الدولة موارد هذا الصندوق لتحقيق انماء متوازن بين البلديات والمناطق فتوزعها على أساس الحاجات الانمائية للبلديات أم أنها تستغلها لاحكام سيطرة الحاكم على البلديات فتوزعها وفق قواعد المحاصصة والمحسوبية بما يعزز منطق الاستقطاب لدى السلطة المركزية ويهمش دور البلديات ومعها اللامركزية بشكل شبه كامل؟ وقد تصدت المفكرة لهذه الاشكاليات في عددها صفر، من خلال مقال للباحث الاقتصادي سامي عطالله. فبخلاف قانون البلديات الذي عد العائدات المحصلة أمانة لها، عمدت الحكومات المتعاقبة تدريجيا خلال التسعينات الى التحكم في صرفها وكيفية استخدامها، من خلال تلزيم لم النفايات والتنظيف لشركات خاصة أكثرها شهرة شركة سوكلين. كما عمدت هذه الحكومات اجمالا الى اصدار مراسيم توزيع العائدات في الأوقات ووفق المعايير التي تناسبها من دون اعارة أي اهتمام لحاجات البلديات، وتعاملت مع الأصول والمعايير التي نص عليها مرسوم 1979 بتحديد أصول توزيع للعائدات، على أنها توجيهية محض وغير ملزمة فعدلتها كيفما شاءت في مراسيم توزيع العائدات السنوية، في تنكر كامل للحقوق المكتسبة التي تكون قد نشأت عن هذه المعايير. وهكذا فيما ينص مرسوم 1979 على وجوب تخصيص 30% من العائدات المخصصة للبلديات لمشاريع تنمية مقابل 70% لدعم موازنة البلديات العامة، فقد عبرت الحكومات بشكل واضح عن موقف أقل مراعاة للحاجات التنموية فأحجمت عن تخصيص أية مبالغ لغاية التنمية عند توزيع عائدات الصندوق حتى 2006، اعتمدت نسبة 10% فقط في مراسيم توزيع عائدات سنوات 2007 و2008 و2009. وأكثر من ذلك، فان هذه المراسيم حصرت توزيع هذه النسبة المخصصة للتنمية بالبلديات الصغيرة التي لا يزيد عدد سكانها المقيدين في سجلات الأحوال الشخصية عن 4000 نسمة وحدها، وذلك بخلاف مرسوم 1979 فيما من الثابت أن البلديات الصغيرة ليست بالضرورة الأحوج الى التنمية. كما يبقى للأسف سائر معايير توزيع العائدات غير ملائم وأكثر اتصالا بخيارات سياسية قد يهدف بعضها الى منح امتيازات للبلديات الأقل احتياجا كما بين عطالله تفصيليا في مقاله. بقراره وقف تنفيذ توزيع الأموال المودعة في الصندوق حفظا للحقوق المكتسبة للبلديات التي أقيم مطمر نفايات في خراجها، يذكر مجلس شورى الدولة بأمور عدة : أهمها أن الأموال المودعة في الصندوق هي أمانة للبلديات وليس للدولة المركزية التحكم بها كما تشاء وأنه ليس للحكومة أن تعدل كما تفعل كل سنة معايير توزيع هذه الأموال وفق مصالحها، وأن ثمة حقوقا مكتسبة للبلديات صاحبة الحق المدعوة الى الدفاع عن حقوقها في تحديد وجهة توزيع الأموال على شكل منصف وعادل. إذا القرار يمنع توزيع الأموال اعتباطا فمتى يمنع توزيعها من فوق؟ بقي أن نشير الى أن قرار وقف التنفيذ بقي من دون أثر بحيث أن وزارة المالية عجلت توزيع المبالغ على البلديات استباقا له فذكرت بشروط اللعبة التي تروق لها. (المحرر) مطمر الناعمة أشهر من أن يعرّف، فلطالما تناوله الاعلام والمجتمع المدني كقضية حياتية وطنية أساسية وليس كمسألة خاصة بالمنطقة التي يتواجد فيها حصرا: فهو يحوي أكثر من نصف نفايات لبنان وكان يرمي بالأساس الى التخلص من النفايات الصلبة تحديدا كبديل عن مطمر برج حمود وبصورة مؤقتة ريثما يتم ايجاد بديل آخر، وذلك إثر اتفاق مع أوقاف الناعمة. ثم راحت تطمر فيه نفايات المستشفيات والمواد العضوية مما أثّر سلباً على المنطقة، وأضحى يحوي أكثر من نصف نفايات لبنان. وهو يقع في محافظة جبل لبنان وتحديدا في خراج بلدات الشحار الغربي ضمن النطاق الجغرافي لبلديات ثلاث هي الناعمة (في قضاء الشوف) وبعورته وعبيه- عين درافيل (وكلاهما في قضاء عاليه). وبتاريخ 15-3-2012 تقدمت إحدى هذه البلديات الا وهي بلدية عبيه- عين درافيل أمام مجلس شورى الدولة بمراجعة بوجه الدولة تتعلق بالمطمر المذكور. ومن أبرز ما طلبته فيها، بالاضافة الى إدخال مجلس الانماء والاعمار إلى المحاكمة، وقف تنفيذ المرسوم المتعلق بتوزيع عائدات الصندوق البلدي المستقل عن عام 2010 ثم ابطاله لاعتبارات عدة أبرزها مخالفة المرسوم المتعلق بتحديد أصول وقواعد تنظيم اموال الصندوق البلدي المستقل (1979). فقد اعتبرت المستدعية أن المرسوم المطعون فيه يحرمها من المبالغ المستحقة لها من جراء وقوع حوالى 80% من مساحة مطمر الناعمة الصحي ضمن نطاقها العقاري، في حين ينص مرسوم 1979 المعدل على إفادة كل بلدية يتم في نطاقها إنشاء مطمر صحي للنفايات الواردة من البلديات الاخرى من زيادة على حصتها في العائدات التي تترتب لها من الصندوق المعني، مما يمنحها حقا مكتسبا في هذا الخصوص. وتستنتج المستدعية من خلال ذلك أن المرسوم المطعون فيه جاء ليلحق بها أضرارا مالية أيضاً بعد أن كان وما زال مطمر الناعمة يلحق بها أضرارا صحية جسيمة. ويقتضي التوقف بشكل خاص عند حجّة أخرى استندت اليها البلدية المستدعية مفادها أن المرسوم المطعون فيه لا يحقق المصلحة العامة ومن شأن تنفيذه المس بحقوقها وبحقوق أهالي بلدتي عبيه وعين درافيل. فاللافت أن المطلوب إدخاله مجلس الانماء والاعمار عاد ليرتكز بدوره لاحقا في لائحته الجوابية الى المصلحة العامة لكن من زاوية أخرى، على أساس أن وقف تنفيذ المرسوم المذكور يضرّ بالبلديات ويحرمها من الدفعة الثانية المستحقة لها بموجبه. وهذه الحجج انما تعكس اختلافا جذريا في فهم المصلحة العامة: فهل يكمن الصالح العام في تسديد الأموال للبلديات ولو خلافا للقانون ودون مراعاة الحقوق المكتسبة من قبل بعضها بموجب القانون، أم أن جوهر المصلحة العامة يقوم على تطبيق الاصول القانونية الهادفة اصلا الى انصاف البلديات التي لطالما تحمّلت العبء الكبير عن البلديات الأخرى؟ أما الدولة فقد طلبت رد مطالب البلدية لأسباب عدّة أبرزها وأكثرها غرابة أن المستدعية لم تحتجّ على الضرر الصحي اللاحق بها من جراء رمي النفايات والطمر في أراضيها، إلا بعدما ألغي دفع التعويضات المستحقة لها بالمقابل. ولقد أضافت الدولة أن البلدية لم تطعن بالعقد المبرم بينها وبين باقي البلدات بهذا الصدد على افتراض وجوده. وقد ردّت البلدية على ذلك بأن المطمر قد أنشئ دون استشارتها وهي تعجز عن إقفاله، وبأن الحقوق المادية التي كفلها المرسوم المتعلق بتنظيم اموال الصندوق ليست حقوقا تعاقدية بل انها حقوق ثابتة منحتها السلطة المركزية للبلدية التي توافق على طمر النفايات في نطاقها العقاري، وأن منحها التعويضات هو حق مشروع لها بمعزل عن الضرر البيئي اللاحق بها. وهذا المنطق القانوني سليم لأن مرسوم 1979 لم يميّز بين الحالة التي يكون قد أبرم فيها عقد بين البلدية (أو البلديات) التي يقع المطمر الصحي في نطاقها الجغرافي وتلك المستفيدة منه من جهة، والحالات التي ينعدم فيها عقد مماثل من جهة اخرى. وبتاريخ 16-5-2012 صدر القرار موضوع التعليق وقد نص على أن ما تطالب به البلدية من مبالغ متوجبة بذمة البلديات المستفيدة من الطمر في نطاقها في الناعمة يقارب نسبة 2,6 بالمئة من حصة هذه البلديات المستفيدة لدى الصندوق البلدي المستقل. لقد قضى مجلس الشورى بالتالي بوجوب وقف تنفيذ المرسوم المطعون فيه جزئيا، لتوافر شروط وقف التنفيذ باعتبار أنه من شأن هذا المرسوم أن يلحق بالبلدية ضررا بليغا من جهة، وأن المراجعة المقدمة من هذه الاخيرة ترتكز الى أسباب جدية مهمة من جهة أخرى، بحيث يتوقف تنفيذ توزيع ما نسبته 2,6 بالمئة من المبالغ الملحوظة في المادة الرابعة من المرسوم المطعون فيه، والمخصص للتوزيع على البلديات المستفيدة من الطمر. لقد شكّلت هذه القضية المحورية والقرار الصادر بشأنها مساحة لعرض هموم حياتية وشجون وهواجس يعيشها يوميا ليس المقيمون في البلدات المجاورة لمطمر الناعمة وحسب، بل سائر القاطنين بالقرب من مطامر صحية او مكبات او معامل معالجة النفايات أو أي وجه من أوجه التلوث عموما والبيئي والصحي تحديدا. كما أن الملف الراهن يعني كل مواطن لبناني لأن حل مشكلة بيئية كهذه يستدعي وضع سياسة عامة وخطة وطنية شاملة واستراتيجية قابلة للتطبيق عمليا. ولعل هذا القرار القضائي بمثابة دعوة عامة لسائر البلديات الى مداعاة الدولة التي تستبيح معايير توزيع أموال الصندوق البلدي المستقل كما تشاء. واللافت انه يدور في فلك مسألة مطمر الناعمة وحدها عدة مبادئ ذات قيمة دستورية وتوجهات واهداف وطنية بامتياز: فمن جهة، يسلّط هذا الموضوع الضوء على الحاجة الماسة الى تحقيق الانماء المتوازن بما يعنيه من تنمية شاملة ومستدامة تنصف كافة المناطق اللبنانية على نحو يحفظ الوحدة الوطنية وتماسك النسيج الاجتماعي، الأمر الذي يستدعي ضرورة تنفيذ ما جاء في الدستور وفي وثيقة الوفاق الوطني لجهة اللامركزية الادارية التي يقتضي تعزيزها وتحتّم لامركزية مالية، وكل ذلك نظرا لدور اللامركزية الادارية في عملية التنمية باعتبارها وسيلة أساسية لتحقيق الانماء المتوازن، علما أن الجمعيات الأهلية الناشطة في ملف مطمر الناعمة قد طرحت خطة بهذا الصدد. من جهة ثانية، تزيد الخلفيّة السياسية المتعلقة بمطمر الناعمة من تراجع ثقة المواطن بالدولة وبالسلطات المحلية على حد سواء، كما تعكس انعدام الرؤية والخطط المستقبلية لدى السلطة العامة، ذلك أن الحكومات المتعاقبة لم تف بوعودها لجهة إغلاق المطمر وبالتزاماتها المالية تجاه البلديات التي تستحق لها التعويضات، وسط تزايد الحديث عن الفساد والزبائنية والمحسوبية في هذا الملف البيئي والصحي الحيوي بامتياز. أخيراً، ترتبط قضية أخرى بموضوع مطمر الناعمة ألا وهي مسألة التهجير باعتبار أن السكّان المسيحيين المهجّرين من بلدة عين درافيل المحاذية للمطمر المعني لم يتمكنوا من العودة الى بلدتهم حتى الآن بسبب استحالة السكن بالقرب منه، لكن هذا موضوع آخر... من شأن كل من الأفكار السالف ذكرها أن يفتح باب وجوب تفعيل اللامركزية الادارية على مصراعيه بعد أن تمّ إغلاقه بإحكام على مدى أعوام.

نشر في العدد الخامس من مجلة المفكرة القانونية