بتاريخ 14-03-2016، أكّد وزير أملاك الدولة والشؤون العقارية حاتم العشي أن مشروع القانون الأساسي للمصادرة المدنية الذي أعدته وزارته سيخضع لمراجعة تعتمد الملاحظات التي قدمت في شأنه قبل أن يعرض على مجلس الوزراء للمصادقة عليه. وكان رئيس الحكومة التونسية الحبيب الصيد قد أكد مباركته لفكرة المشروع بعدما عدّها "تطوّرا تشريعيّا هامّاً سيمكن الدولة من إضافة آلية جديدة لمساءلة كلّ من تتعلّق به شبهة فساد"[1].

ويذكر أن الطرف الحكومي برر مبادرته بالحاجة إلى تخليص "المصادرة التي تعدّ عقوبة تكميليّة" من الإرتباط بالتتبّع الجزائي لغاية تلافي تعذّرها في حالة انقراض الدعوى العمومية أو في صورة  انتقال المال الفاسد لشخص لا علاقة بينه وبين الجريمة مصدره. واستند في اختياره إلى التجارب القانونية المقارنة خصوصاً منها المدرسة الانغلو–أمريكية التي تقر بالمصادرة المدنية[2].

وإذ تقدّر المفكرة القانونية إيجابياً انفتاح الوزير على المؤاخذات التي أثيرت حول مشروع القانون، يهمّها في هذا السياق إبداء بعض الملاحظات المنهجية، وتحديداً حول السؤال إذا كانت الآلية المقترحة تهدف إلى سدّ نقص في المنظومة التشريعية لمكافحة الفساد أم إذا كانت مجرد تصوّر جزئيّ لاحتياجات تفترض تعاطياً أكثر شمولية.

ومن أهم هذه الملاحظات، الآتية:

أولاً: أنه مشروع يوحي باكتمال منظومة تشريعية لمكافحة الفساد

اعتبر المسؤولون الحكوميون أن مشروع المصادرة المدنية هو القانون المشروع الوحيد الممكن تصوره وأنه يحقق القدرة على مكافحة الفساد والكسب غير المشروع[3].ويدفع هذا الطرح إلى الإعتقاد بوجود منظومة متكاملة لمكافحة الفساد يسعى المشروع المقترح لإتمام نقائصها، فيكون تتبّع الأموال الفاسدة من خلال آلية المصادرة المدنيّة مخرجاً لتجاوز العقبات التي تتولد عن تعذر تتبع من يتهمون بالفساد لسبب ما.

ولا نبالغ إذا قلنا أن هذا التصوّر يناقض الواقع. فالنظام القانوني التونسي يفتقر لتشريعات تتعلق مباشرة بالفساد إذا ما استثنينا مرسوم المصادرة المحدود في مجال تطبيقه زمنياً وموضوعياً. وما يؤكد ذلك هو أنّ الحكومات التونسية المتعاقبة كانت على بينة من وجود فراغ تشريعي في هذا الخصوص. وهذا ما نستشفه بشكل خاص من إعلان كاتب الدولة للوظيفة العمومية آنذاك أنور بالحاج خليفة بتاريخ 30-09-2014[4] لجهة أن حكومته تولت صياغة مشروع قانون إطاري لمكافحة الفساد يشمل ثلاثة مشاريع قوانين تتعلق بالإثراء غير المشروع والتصريح بالمكاسب والممتلكات والتبليغ عن حالات الفساد، علماً أن هذا الأمر لم يتأكد لاحقاً. فلم يتم الإعلان عن تلك المشاريع ولا عرضها على المجلس التشريعي. وهذا ما يتأكد أيضاً في تصريح رئيس الحكومة الحالي في ذات جلسة عرض مشروع المصادرة المدنية لجهة أن الإصلاح التشريعي المزمع القيام به يتمثل في اقتراح حزمة مشاريع قوانين "توفر للدولة آليات مكافحة الفساد  وتتعلق بالهيئات الدستورية الخاصة بمكافحة الفساد والاثراء غير المشروع وتضارب المصالح والتصريح بالممتلكات والمصادرة"[5]. ويظهر التعجيل باقتراح المصادرة المدنية في مواجهة آثار جرائم الفساد المالي دون الإلتجاء إلى صياغة منظومة قانونية متكاملة بمثابة تقديم للفرع على الأصل، مما يؤشر على أزمة في منهجية العمل.

وتقترح المفكرة القانونية في هذا السياق أن تتوجّه الحكومة ومن خلفها الأغلبية النيابية الداعمة لها إلى تصور علاقة تكاملية بين مقترح القانون عدد 83/2015 الذي يتعلق "بالشفافية ومكافحة الاثراء غير الشرعي" الذي تقدمت به مجموعة من أعضاء مجلس نواب الشعب وفكرة مشروع القانون الحكومي. فيكون المقترح التشريعي الأساس القانوني لسياسة تشريعية تكافح الفساد فيما تكون آلية المصادرة المدنية متمماً أساسياً لتلك السياسة يضمن تتبع المال الفاسد واسترداده.

ثانياً: أن المشروع ينيط بهيئة الحوكمة الرشيدة ومكافحة الفساد صلاحيات قبل إنشائها  

فهو يسند لهذه الهيئةالمحدثة بالفصل 130 من الدستور دوراً محورياً في إجراءات المصادرة المدنية، قوامها مباشرة إجراءات تقصّي الفساد المالي وتجميد المال الفاسد فضلا عن إمكانية التداعي باسم المجموعة الوطنية في قضايا المصادرة المدنية. ولا يخفى على أحد أن هذه الهيئة التي خصص مشروع القانون الجانب الأكبر من أحكامه لتفصيل اختصاصاتها لم تحدث بعد ولم تتولّ الحكومة عرض مشروع قانونها الأساسي على المجلس التشريعي بما يتعين معه مراجعة المنهجية التشريعية.

وكان الأحرى بالحكومة أن تنكبّ على صياغة مشروع القانون الأساسيلهيئة الحوكمة الرشيدة ومكافحة الفساد قبل اقتراح مشروع قانون يسند صلاحيات لهيئة لم تحدث بعد. وقد يكون من المفيد التفكير في إدراج الأحكام الخاصة بدور تلك الهيئة في مجال مكافحة الفساد في مشروع قانونها الأساسي بما يضمن التلاؤم بين تصور صلاحياتها وهياكلها.

ثالثاً: المصالحة الهدف الحقيقي غير المعلن لمشروع القانون

كما سبق بيانه، تقوم الفلسفة المعلنة لطرح "المصادرة المدنية" على ادعاء ضرورة فصل المصادرة كإجراء مدني عن كل تتبّع جزائي[6]. ويبدو إلتزام مشروع القانون بهذا الفصل الصارم بين المدني والجزائي جليّا في إجراءات المصادرة التي لم يتم التعرض بمناسبة تفصيلها للأبحاث الجزائية المتصلة بها أو لحجية الأحكام الجزائية التي قد تكون صدرت في موضوعها. إلا أن الإنسجام الداخلي لهذا الطرح ينهار في الباب الثالث لمشروع القانون الذي خصص للصلح. فقد نصّ هذا الباب على أن الدعاوى الجزائية تنقرض بموجب الصلح، بما يستفاد منه إقرار مشروع القانون بأهمية ربط الجزائي بالمدني عندما يتعلق الأمر بالصلح.

حاول مشروع القانون أن يجعل من الفساد المالي جنحة مدنية تحت شعار "تتبع المال الفاسد بقطع النظر عن التتبع الجزائي من عدمه"[7]. واهتم بموازاة ذلك بايجاد آليات صلح تقفل ملفات التتبعات الجزائية الجارية. كما أسند ذات المشروع لوزير أملاك الدولة صلاحية مراجعة قرارات المصادرة السابقة للتخفيف من حدتها وإخراج جانب من الاموال التي شملتها من نطاقها.

وتؤكد هذه الإختيارات المجتمعة على أن فكرة المصالحة كانت الدافع الحقيقي لصياغة مشروع قانون المصادرة. فالتوجه نحو فصل المصادرة عن التتبعات الجزائية ينتهي لحماية من يتهمون بالفساد من مخاطر تلك التتبعات. وذات الحماية يوفرها لهم الصلح فيما تعلق بالتتبعات الجارية في حقهم.
وتعتبر في هذا الإطار المفكرة القانونية أن المراجعة التي وعدت بها الحكومة لمشروع القانون قبل عرضه على مجلس الوزراء تستدعي التصريح بالأهداف الحقيقية للمشروع دون السعي إلى تخفيتها. فالتصريح بكون مشروع القانون يهتم بالمصالحة عوض الإدعاء بأنه قانون للمصادرة مهم وضروري لضرورة مواءمة أحكامه في هذه الحالة مع قانون العدالة الإنتقالية ولأهمية الحرص على عدم تحول المصالحة لتطبيع قانوني مع الفساد تحت مسمى الجنحة المدنية.
 
نشر في العدد 4 من مجلة المفكرة القانونية تونس


[1]كلمة رئيس الحكومة بمناسبة افتتاح الندوة الدولية حول المصادرة المدنية التي عقدت يومي 03-03-2016 و 0403-2016 بتونس العاصمة.
[2]العناصر المرجعية في اعداد مشروع قانون المصادرة المدنية وثيقة نشرت على هامش الندوة                                                         
http://fr.slideshare.net/zoubeirbelaid3/ss-58976755                               
[3]يراجع تصريح وزير املاك الدولة والشؤون العقارية الاستاذ حاتم العشي لوسائل الاعلام التونسية بتاريخ 03-03-2016 والذي اكد ان " أنّ مشروع قانون المصادرة المدنية  هو الوحيد القادر على مكافحة ظاهرة الفساد والكسب غير المشروع "  مشروع قانون المصادرة المدنية سيقضي على ظاهرة الفساد في تونس اذاعة صراحة أف أم
[4] في تصريح إعلامي بتاريخ 30-09-2014 تم الادلاء به على هامش ندوة دولية حول مكافحة الفساد.
[5] كلمة رئيس الحكومة بمناسبة افتتاح الندوة الدولية حول المصادرة المدنية التي عقدت يومي 03-03-2016 و0403-2016 بتونس العاصمة.
[6]تراجع " وثيقة العناصر المرجعية في اعداد مشروع قانون المصادرة المدنية " تم عرضه على هامش الندوة الدولية حول مشروع القانون:http://fr.slideshare.net/zoubeirbelaid3/ss-58976755
 
[7]اجراءات المصادرة المدنية – عماد العبدلي – محاضرة القيت خلال الندوة.