يحمل "مصطلح التنمية الجهوية" خليطاً من الدلالات والمضامين التي تستند إلى مرجعيات وأنسقة متباعدة أحيانا ومتقاطعة أحيانا أخرى، لكنها جميعها تجعلنا أمام مفهوم سجالي على أكثر من صعيد.هو مفهوم سجالي لكونه طالما كان شعاراً يغذي معجمية الخطاب السياسي الإنتخابي طوال عقود من الزمن لمختلف ألوان الطيف السياسي في تهافت محموم نحو استمالة الناخب المهمش الذي لفظته آلة التنمية في معناها الشامل.

وهو سجالي أيضا لكون كل سياسات التنمية التي انتهجتها الدولة بتناقضاتها المختلفة (تعاضد، تعايش بين القطاعين، إصلاح هيكلي، سياسة تحررية)[1] جميعها جعلت من التنمية الجهوية هدفاً وتبريراً لكل الخيارات المختلفة.

وهو مفهوم سجالي أيضا لكونه أصبح عنوانا للظاهرة الاحتجاجية بل للعنف السياسي أحيانا. والأحداث التي شهدتها الجهات الداخلية  التونسية بداية الشهر الاول من سنة 2016 خير دليل على ذلك.والسؤال المطروح هنا: ألهذا الحد تحوّل هذا المفهوم من مبحث اقتصادي إلى معضلة سياسية واجتماعية ونفسية أحيانا (محاولات إنتحار جماعي)؟

إنّ المتأمل في مختلف التجارب التي عاشتها الدولة التونسية في هذا المضمار وكيفية تعاطي النخب الحاكمة مع هذا الموضوع يمكن أن يستنتج الآتي:

أولا: غياب تصور ديموقراطي للتنمية الجهوية وطغيان أسلوب الحلول الفوقية في تصور منوال التنمية،

ثانيا: تأرجح بدائل النخب السياسية بين النظرة الميتولوجية الطوباوية للتنمية من جهة والنظرة الفنية التكنوقراطية من جهة ثانية،

ثالثا: قصور الإطار الهيكلي للتنمية الجهوية عن بلوغ الأهداف المرسومة.

لئن اعتمدت البلاد التونسية منهج التخطيط والمقاربات الجهوية والمحلية في إعداد المخطط التنموي، إلا أن الاسلوب المعتمد لا يزال أسلوبا مركزيا سواء بسبب عدم دخول الباب السابع من الدستور المتعلق بالسلطة المحلية حيز التنفيذ أو بسبب تقاليد الدولة التونسية في هذا المضمار. فحتى منشور رئيس الحكومة عدد 5 المؤرخ في 26 فيفري 2015 تضمن أنه على كل وزارة "استعراض النتائج الكمية والنوعية لقطاعها .....وتشخيص التوجهات الإستراتيجية التي تستجيب للتطلعات الوطنية للفترة المقبلة" لتعرض لاحقا "على الاستشارة الوطنية".

هذه المنهجية لم تقطع في الحقيقة مع مركزية التصوّر التي دأبت عليها الدولة حيث تتم ضبط الخيارات العامة وفق رؤية الحكومة وهي رؤية في الغالب محكومة بما تتضمنه الخيارات السابقة للدولة والتي تهمين عليها رؤية تكنوقراطية شعارها "ليس بالإمكان أفضل مما كان"، وهو سلوك طبيعي للإدارة المجبولة على المحافظة من جهة وعلى الرضى عن النفس من جهة ثانية.

من يتأمل منشور رئيس الحكومة عدد 5 لسنة 2015، يتبيّن أن الاختيارات الاستراتيجية تحدد بصفة مسبقة ولا دور لغير السلط المركزية في ضبطها. بل إن التشخيص نفسه الذي هو حجر الزاوية في ضبط التوجهات التنموية العامة هو من صنيع الوزارات كل حسب قطاعه.

الرؤية القطاعية وغياب النظرة الشموليّة:

إن المتأمل في المنهجيّة المعتمدة من طرف الحكومة يلاحظ بجلاء طغيان النظرة القطاعية على تصوّر السياسة التنمويّة حيث تتولى كل وزارة ضبط توجهاتها وتشخيصها لقطاعها في غياب أي مسار نقدي من هياكل استشارية منتخبة أو غير منتخبة.

ورغم ما كان يعاب على المجلس الإقتصادي والإجتماعي قبل الثورة من مسائل لها صلة بالتمثيلية، إلا أن غياب هيكل مماثل له اليوم كان له الأثر العميق على استفحال هذه النظرة الأحادية المركزية للتنمية.

لقد كان من الأجدى إحداث هيكل استشاري ولو مؤقّت في انتظار تفعيل المؤسسات الدستورية على غرار هيئة التنمية المستدامة وحقوق الأجيال القادمة المنصوص عليها بالفصل 129 من الدستور. ومن شأن حضور فعاليات المجتمع المدني والخبراء والجامعيين وممثلي الأحزاب السياسية في مثل هذه الهياكل أن يثري النقاش والتصورات حول توجهات التنمية في تونس خصوصاً بعد الكمّ الهائل من الاستحقاقات التنمويّة التي تطرح بشكل ملحّ وأحيانا بطباع احتجاجي.

وأول ما يستنتجه المتأمّل لخيارات الحكومة المضمّنة بمنشور رئيس الحكومة عدد 5 أن الدولة في وادٍ وحراك المجتمع واحتقاناته في موضوع التنمية في وادٍ آخر.

لذلك، فقد بقيت الرؤية مجرد "عملية إجرائية" تتولاها وزارة التنمية بوصفها "منسقا" لاستراتيجية التنمية بين القطاعات (الوزارات).

التنمية الجهوية: ملف مشتّت

لن نجازف بالقول إن ملف التنمية الجهوية يكاد يقسم على كل الهياكل والوزارات مع مشاركة محتشمة للجهات.

فلكل وزارة برامجها التنمويّة الخاصّة وفق رؤية مصالحها المركزية. فعلى سبيل المثال لوزارة التجهيز برامجها الجهوية للطرقات والمسالك تضبطها وفق مذكّرات تعدّها الإدارات العامّة المختلفة بجهة "آلان سافاري" دون أي مشاركة للجهة ولا حتى القطاعات الأخرى (رؤية مصالح وزارة النقل حول شبكة النقل البري وكثافته).

ومن غرائب الأمور أن برنامج تعبيد المسالك الريفية يضبط بوزارة التجهيز ولا دخل للجهات في ضبط الاختيارات عدا ما يتم تدوينه من طرف المعتمدين من حاجيات لتعبيد المسالك الريفية بشكل عفوي يقوم في الغالب على إرضاء طلبات مختلف العمد وفعاليات المجتمع المدني إن وجدت ليتمّ "التحكيم" في النهاية من طرف المسؤولين المركزيين على هذا الملف.

بل والاغرب من ذلك أن عدداً من الطرقات تقع برمجتها في نفس الوقت من طرف الولايات من جهة في نطاق ما يسمّى البرنامج الجهوي للتنمية الممول من وزارة التنميةPRDومن مصالح وزارة التجهيز المكلفة بالمسالك الريفية بمقر الوزارة من جهة ثانية، ومن مصالح وزارة الفلاحة من جهة ثالثة.

وأحيانا نجد مسالك محرومة من البرمجة من الجهات الثلاث المذكورة.

كما أن لكل وزارة برامجها التنموية المضبوطة من المركز. فهناك برامج خاصة بوزارة الفلاحة وأخرى بوزارة الصناعة وأخرى بوزارة البيئة الخ....
كل تلك البرامج في نهاية المطاف هي برامج تنموية مضبوطة من مصالح مركزية بالأساس.

المجالس الجهوية بين الدور الريادي في النصوص والوظيفة التنفيذية في الواقع

لئن جعل قانون 1989 المتعلق بالمجالس الجهوية من هذه الأخيرة المنبر الأساسي لتصور سياسات التنمية على المستوى الجهوي إلا أن دورها ظل دورا تنفيذيا لسياسة الدولة المركزية.

ولا يغير من ذلك أن أغلب الوزارات باستثناء الدفاع والخارجية (وزارات سيادة) والتعليم العالي (بسبب ارتفاع حجم الاستثمارات ومركزية لجان الصفقات) تودع موازين برامج التنمية القطاعية على المستوى الجهوي لدى موازين المجالس الجهوية، مما يُظهر أن المتصرف الفعلي في ميزانية التنمية الجهوية هو الوالي رئيس المجلس الجهوي بوصفه آمر الصرف تعهداً ودفعاً على المستوى الجهوي. فهذا المظهر سرعان ما يتبدد لأسباب عديدة:

- أولا لأن برمجة وتصور المشاريع الجهوية يتم ضبطهما من طرف الوزارة المعنية التي هي من يختار المشروع ويضبط له اعتماداته ويأذن بتحويلها إلى ميزانية المجلس الجهوي المعني،

- ثانيا: أن تنفيذ ذلك البرنامج الجهوي من طرف والي الجهة غالبا ما يصطدم بالبطء في التنفيذ بسبب التأخر في تحويل الاعتمادات من الوزارة المعنية التي تتم أحيانا في آخر سنة الميزانية وفي وقت تكون فيها تقديرات الإعتمادات المرصودة قد تجاوزتها الاحداث بسبب التضخّم مما يجبر المجلس الجهوي المكلف بتنفيذ المشروع على المطالبة باعتمادات إضافية تكميلية والتي ترحل بدورها إلى الميزانية المقبلة.

- أن الوالي رئيس المجلس الجهوي لا يتوفر في أغلب الأحيان على الإمكانيات البشرية والمادية اللازمة للسهر على تنفيذ المشاريع التي يكلف بتنفيذها. فجلّ ولايات الجمهورية لا يتوفر بها مهندسون مختصّون الأمر الذي يجبر تلك المجالس الجهوية على الاستعانة بمصالح الإدارات الجهوية للتجهيز، وهي إدارات لا محورية تمثّل مصالح خارجية للإدارة المركزية لوزارة التجهيز. وهنا نعود إلى "لعبة المركزي والجهوي" أو "إرتهان الجهوي للمركزي"، علاوةً على ضعف نسبة التأطير لدى أغلب الإدارات الجهوية للتجهيز بالبلاد التونسية. فتصبح هذه الإدارات مدعوةً ليس فقط لإسناد المجالس الجهويّة في تنفيذ البرامج الجهوية للتنمية في الولايات، بل وأيضا لإسناد البلديات الخالية من مهندسين وعديد الوزارات الأخرى وحتى بعض المنشآت العمومية محدودة الموارد البشرية في بعض الجهات.

- ثالثا أن الجهات غير مؤهلة قانونا لإعادة النظر في جدوى المشاريع المبرمجة مركزيا إذا ثبت لها عدم جدواها أو تضاربها مع برامج جهوية أخرى (برمجة طريق أو مسلك من طرف برامج مختلفة) بل عليها أن تعيد الكرة الى المربع الأول بطلب الترخيص من الوزارة المعنية في إعادة برمجة الإعتمادات في برنامج آخر أو حتى الترخيص لاستعمال فواضل ميزانية المشروع المعني لدعم بعض مكوناته غير المدرجة بالبرنامج (مثال صرف فواضل اعتمادات بعد ختم صفقة عمومية لانجاز مركز صحة أساسية قصد تجيهزه أو حتى تسييجه إن لم يكن التسييج مبرمجا بسبب عدم كفاية الاعتمادات الأولية).

وخلاصة القول، تحولت المجالس الجهوية من هياكل أناط القانون بها مهمة البرمجة والتصور والتنفيذ والمتابعة إلى مجرد "هياكل وديعة"des dépositaires du budget central au niveau régional

وبعبارة أخرى تحولت الجهة إلى مجرد لعب دور سلبيّ في عملية التنمية الجهويّة والحال أنها هي قاطرة التنمية الجهوية والمحرك الأساسي لها.
 
في قصور التنظيم الهيكلي للتنمية الجهوية:

لن نجازف بالقول إن هياكل التنمية الجهوية تعيش حالة من "الانتصاب الفوضوي المؤسساتي".

فوزارة التنمية تعنى مركزيا بقطاع التنمية الجهوية من حيث البرمجة والتنسيق بين الوزارات والجهات.

كما تعول على مؤسسات عمومية تقوم بدور تنموي على مستوى الجهات ممثلة في المؤسسات التالية:

- دواوين التنمية بالوسط والجنوب والشمال الغربي، وهي دواوين مستقلة عن بعضها البعض عضوياً،

- المندوبة العامة للتنمية الجهوية والتي تعنى بولايات الشريط الساحلي.

وإلى حد الآن، لم نفهم مبررات إفراد المناطق الداخلية وولايات الشمال الغربي بدواوين تنمية offices de développement  لها صبغة المؤسسات العمومية التي لا تكتسي صبغة إدارية، فيما أفردت المناطق الساحلية بمندوبية عامة للتنمية الجهوية CGDRمجال تدخلها المناطق الساحلية (الشمال الشرقي والشرق).

وبالتأمل في النصوص المحدثة لتلك المؤسسات، نلاحظ بجلاء أن دورها يقتصر بالأساس على ضبط التصورات والإسناد النظري لهياكل التنمية الأخرى بالجهة وليس لها دور عملياتي ذات شأن. ولا يستثنى من ذلك إلا ما عُهد للمندوبية العامة للتنمية الجهوية لجهة وضع برنامج الحضائر الجهويةPCRDوهو برنامج مسكّن لآلام البطالة يتمثل في تشغيل العاطلين من غير الحاملين للشهائد العليا في برامج ظرفية كصيانة المباني الإدارية وإصلاح المسالك المعطبة وغيرها من الأشغال الطفيفة ولأي أعمال محدودة. والمعلوم أن هذا البرنامج متوقف حالياً.

ونرى إعادة النظر في دور هذه الهياكل الإدارية البيروقراطية المكلفة بشأن التنمية الجهوية دون أن تكون منتخبة، وذلك في إطار الرؤية الجديدة للسلطة الجهوية والمحلية. فلمَ لا تتحوّل دواوينالتنمية والمندوبية العامة للتنمية الجهوية الى أقاليم ترابية، كما نصّ على ذلك الباب السابع من الدستور حفاظاً على المال من تضخم المؤسسات وتضارب مهامها، فيتحول ديوان تنمية الجنوب الى إقليم الجنوب وديوان تنمية الوسط إلى إقليم الوسط وديوان تنمية المراعي والغابات بالشمال الغربيoffice de développement sylvo pastoral du nord ouestإلى إقليم الشمال الغربي والمندوبة العامة للتنمية الجهوية إلى إقليم للشرق والشمال الشرقي.

أما بقية القطاعات فلها نصيبها من هذا المشهد الفسيفسائي للتنمية الجهوية. فالمجالس الجهوية تتولى تنفيذ اغلب برامج التنمية الجهوية لمختلف الوزارات مع جنوح نحو التقليص من مهامها لمصلحة بعض الوزارات في خرق واضح لتوجهات الدولة، مثال ذلك قيام وزارة التربية بإحداث المندوبيات الجهوية للتربية في شكل مؤسسات عمومية إدارية مستقلة بذلك عن المجالس الجهوية التي لم يعد لها أي دور في المجال التربويّ، رغم أن القانون أهّلها لذلك ولم يعد الوالي بالتالي آمر صرف بالنسبة لمشاريع وزارة التربية وهو خالي الذهن مما تقوم به هذه الوزارة على المستوى الجهوي.

ولقد تعزز هذا التوجّه الخارق للقانون في فترة تولي السيد سالم البيض وزارة التربية حيث حذف اختصاص الولايات في مجال المؤسسات التربوية الخاصة مثلا بدعوى مقاومة الفساد.

يُضاف الى تلك المؤسسات تدخلات المنشآت العمومية كالشركة التونسية للكهرباء والغاز، الشركة الوطنية لاستغلال توزيع المياه والديوان الوطني للتطهير الخ....ولكلمن هاته المنشآت برامجها المركزية المنفّذة جهويّا من طرف تلك المؤسسات ولا دخل للمجالس الجهوية في برمجتها وتصورها وتنفيذها.

وعلاوة على ذلك، فإن مراقبة مصاريف التنمية الجهوية معقودة في كافة الجهات وحتى البلديات لموظفين تابعين لرئاسة الحكومة، وهم مراقبو المصاريف العمومية والذين بإمكانهم منع إنجاز أي نفقة تنموية قررتها الجهة أو شرعت في تنفيذها في نطاق برنامج قطاعي لا لأسباب لها صلة باحترام القانون contrôle de légalitéبل لاعتبارات لها علاقة بالجدوىcontrôle d’opportunité.

وهكذا تكاد كل هياكل الدولة باستثناء رئاسة الجمهورية تقود سفينة التنمية في مشهد مؤسساتي فوضوي لا مكان للجهة فيه بوصفها هدفا للتنمية إلا بشكل محتشم وغير تقريري.

ولعل مشروع مجلة الجماعات المحلية سيزيد الطين بلة لما جعل من البلدية قطب الرحى في التصور الجديد للامركزية، متجاهلا بذلك الجهة كوحدة ترابية لا مركزية رغم أن حجم الجهة في التنظيم الترابي في تونس يتماشى أكثر مع احتياجات التنمية مقارنة بحجم البلدية الذي يعدّ غير كاف لتنفيذ برامج تنمية مؤثرة في حياة الناس ومستدامة نظراً لصغر حجم البلديات التونسية وضعف مواردها.

وختاما إن التنمية الجهوية هي تصور نابع من المعنيين به أولا بما يستوجب بلورة برامج التنمية الجهوية من طرف فاعلين منتخبين،, كما أنه لا تنمية جهوية بدون تصور مجالي يراعي نسبة اندماج وانسجام الوحدات الترابية المعنية وقدرتها على تصور برامج متكاملة تراعي خصوصيات الجهات من ناحية لكنها تضمن التكامل بينها.

نشر في العدد 4 من جلة المفكرة القانونية


[1]تجارب تنموية انتهجت من دولة الاستقلال في اطار البحث عن المنوال التنموي تراوحت بين الاختيار الليبرالي الى حدود سنة –  تجربة الاقتصاد التعاوني من سنة 1964 الى حدود سنة 1969     تجربة الاقتصاد الليبرالي مع دور اقتصادي للدولة الى حدود سنة 1986 – تجربة ليبرالية مع سعي لخروج الدولة من القطاعات التنافسية بداية من سنة 1986