جسّد القانون عدد 52 لسنة 1992 "المتعلق بالمخدرات" لمدة عقدين من الزمن سياسة جزائية تقوم على فكرة تشديد العقوبات في مواجهة كل من يرتكب جرائم مخدرات مع تجريد القضاء من صلاحية تفريد العقوبات، وتحديداً من صلاحية تخفيفها. وعليه، انحصر دور القضاء في إثبات الإدانة والتصريح بالعقوبة التي ضبط المشرع أدناها وأقصاها. لم ينازع القضاء التونسي حصر دوره على هذا الوجه، ولم يمارس بالتالي رقابة دفع بعدم الدستوريّة للإعتداء على صلاحياته. واتجه فقه القضاء  في المقابل إلى التشدّد في اثبات جرائم المخدرات مع القضاء بأدنى العقوبة المقررة تشريعياً وهي سنة سجن .

انتهت تجربة التشدد التشريعي في مواجهة المخدرات للفشل. فقد تضاعف عدد المحكوم عليهم في جرائم المخدرات[1] وتزايدت ظاهرة العود في صفوفهم. وتبعاً لالتزام رئيس الجمهورية التونسية باجي قايد السبسي في مشروعه الانتخابي باقتراح إصلاح  تشريعيّ جذريّ لقانون المخدرات، تقدّمت الحكومة لمجلس نواب الشعب بمشروع القانون الأساسي عدد 79 لسنة 2015 المتعلق بالمخدرات.  وقد انبنى نصّ المشروع على مقاربة قوامها أن مستهلك المخدرات يعدّ في المقام الأول ضحية للظاهرة يستحق المساعدة وأن امتناعه عن قبول المساعدة يستدعي تسليط عقوبة في حقه تتناسب مع الأفعال المنسوبة اليه من دون تشدّد. بالمقابل، وتحسبا لأي اتهام بالتشجيع على استهلاك المخدرات، عمد المشروع إلى رفع العقوبات فيما تعلق بجرائم ترويج المخدرات من ستّ إلى عشر سنوات، مع منع القضاء من التخفيف عمن تثبت في حقهم تلك الجرائم.

وعليه، قايض مشروع القانون تطوره تجاه مستهلكي المخدرات بإصرار على منع القضاء من صلاحية تقدير العقوبة في حق من يثبت في حقهم تهمة ترويج المخدرات.وعدا عن أنّ هذا التوجه يتعارض مع موجب احترام اختصاص القضاء وعدم التدخّل في أعماله، فإنه يخشى في الوقت نفسه أن يؤدي لعقوبات قاسية في حق من يتهمون بجرائم ترويج مخدرات. وهذا ينطبق بشكل خاص على الأشخاص الذين يسلّمون للغير موادّ مخدرة على سبيل الضيافة أو في حق صغار المروجين الذين يعمدون للترويج لتأمين حاجاتهم من المواد المخدرة. ويخشى بالطبع أن تؤدي هذه القسوة لمآسي اجتماعية تذكّر بتلك التي تولّدت عن قسوة القانون عدد 52. وتأمل المفكرة القانونية أن يتنبه المجلس التشريعي لأهمية الأمر، فيعدل عنه.

نشر في العدد 4 من مجلة المفكرة القانونية تونس


[1]حسب احصائيات  التفقدية العامة لوزارة العدل  التونسية ارتفع عدد المحكوم عليهم في جرائم المخدرات من 731 شخصا خلال السنة القضائية 2006 -2007 الى 1593 خلال السنة القضائية 2010-2011.