في  18-11-2011، فوجئ أساتذة كلية الآداب بمنوبة بغرباء يحتلون مداخل الأقسام ليمنعوا قسما كبيرا من الطلبة من اجتياز اختباراتهم بالقوّة بعد أن أغلقوا أبواب الأقسام. وشيئا فشيئا، تحوّلت الساحات إلى منابر لتكفير عدد من الأساتذة وللتهجّم على الإطار الجامعي لأنّه يمثّل ثقافةهيبنظرهم بقايا الاستعمار وهيمنة الثقافة الفرنسية والتغريبية.وانطلقت الحوارات والمشادات الكلامية بين الطلبة المؤيدين والرافضين  لهذا الاحتجاج، وبين الطلبة والأساتذة حول مسائل دينية تتعلق بالمنهج الجامعي وبالمسائل المدرّسة للطلبة وبالصلاة في الجامعة. وسرعان ما اتجهت النقاشات الحادة المفعمة بالحماس والتي تهدد بالعنف  صوب ما كان البعض يسميه بمشروع أسلمة المؤسسات التعليمية. وهكذا تحوّلت ساحات الجامعة إلى مجال مفتوح للمتنافسين على الزعامات والمتقمّصين شخصيات الدعاة[1].

كانت هذه الحركة إيذاناً بانتصاب محاكم للتفتيش تنبش في كل فكر وتجرّح في كل إبداع. وقد شاركت بعض هذه العناصر الجامعية مع عناصر أخرى متطرفة من خارج الجامعة في احتجاجات عنيفة متواترة. ومن الأمثلة على ذلك، الهجمات على سينما "أفريك آرت"-بسبب عرضها الفيلم المثير للجدل "لا ربي لا سيدي" في 26 جوان  2011(فيلم وثائقي حول مدى التزام الشباب التونسي بصوم رمضان)، وعلى مكاتب قناة "نسمة" التلفزيونية الخاصة بسبب بثّ الفيلم الفرنسي- الإيراني "برسيبوليس" في 9 أكتوبر 2011 (يصور الفيلم حوارا خيالا بين طفلة صغيرة وكائنا تعتبره إلها)، وعلى السفارة الأميركية للاحتجاج على فيلم أميركي اعتبر مسيئا للنبي محمد في14 سبتمبر 2012.كما اقتحم السّلفيّون بعد تهديداتهم النهارية ليلة 10 جوان 2012 قصر العبدلّيّة الحفصيّ بالمرسى الذي كان يحتضن عرض ربيع الفنون. دنسوا الأعمال الفنّيّة التي يعارضونها، ومُزِّقَت وخُربت حوالي عشر لوحات. وهي أعمال عدّها  المهاجمون خروجا عن الدين[2] ولقوا مناصرة من وزير الثقافة نفسه الذي بذل جهداً لإيجاد تبريرات للمعتدين من باب اعتبار تلك الأعمال تافهة ولا تستحق العرض كما اعتبارها استفزازا لمشاعر الشعب.

وفي سنة 2012 أيضاً، كانت ساحة الجامعة الزيتونية شاهدة على حادثة اعتداء على المفكر والجامعي يوسف الصديق من قبل مجموعة قليلة من شباب الجامعة أرغمته على مغادرة المكان وسط شعارات تتهمه بالإلحاد. وفي "قليبية" وهي مدينة ساحلية قريبة من العاصمة، تعرض، في العام نفسه، الجامعي والفيلسوف يوسف الصديق إلى العنف اللفظي ومحاولة الاعتداء عليه على خلفية تقديم محاضرة حول «التعصّب الديني» رفقة الأستاذة الجامعية ألفة يوسف. لقد لاحقت تهمة التكفير المفكر يوسف الصديق دون هوادة، فكان في أكثر من مناسبةعرضة للاعتداء. وكمثال على ذلك، ما حصل خلال مناظرة فكرية جمعته في القيروان مع الشيخ عبد الفتّاح مورو، وهو من المؤسسين لحركة النهضة الإسلامية والمعروف باعتداله. وكان مآلها  قذف الشيخ "مورو" بكأس من البلّور على مستوى الوجه بسبب دفاعه على مُناظره الأستاذ يوسف الصديق.وفي هذا السياق، واجه الأساتذة عبد المجيد الشرفي ورجاء بن سلامة ونائلة السليني وغيرهم، حملات سب وذم وتحريض مباشر على العنف تجاههم بسبب أفكارهم وكتاباتهم[3]. وبعد حملات التشويه التي وصلت حد التهديد الصريح بالقتل، اضطرت سنة 2014 د. ألفة يوسف إلى توقيع كتابها الجديد «ليس الذكر كالأنثى» تحت الحراسة الأمنية بعد اكتشاف مخطط لاغتيالها.وتعرّضت د. آمال قرامي أيضا  يوم 6 جانفي 2016 إلى اعتداء بالعنف الشديد في إطار حملة  "السيف المسلول على شاتم الرسول". واتهم الإعلامي بقناة "الزيتونة" ذات التوجه الديني الأصولي الأستاذة أمال القرامي بالكفر والإلحاد على خلفية تصريحات لها عن المثلية الجنسية ومساندتها للحرية الشخصية. وقد تخصصت  الأستاذة أمال القرامي في القضايا الدينية المحرجة من خلال بحثها في "قضيّة الردّة في الفكر الإسلامي: قديماً وحديثاً"، ومن خلال البحث في "ظاهرة الاختلاف في الحضارة العربية الإسلامية: الأسباب والدلالات". كما تعرض المفكر محمد الطالبي وهو من أبرز الوجوه الجامعية  إلى حملة تكفير عقب موقفه الأخير في جانفي 2016 حول الخمر والبغاء الذي أحدث زوبعة منقطعة النظير. وقد أكد الطالبي أن قوله بأن القرآن لا يتضمن تحريماً صريحاً للخمر والبغاء هو «مجرد رأي وليس بفتوى ملزمة» غير أن  هذا لم يشفع له أمام سياط القذف واللعن والتجريح.

وتجدر الإشارة إلى أن منتجات كليّات الآداب والعلوم الإنسانية في تونس كانت في السابق عرضة للتكفير والتشهير اذا ما تجاسرت على وضع ما عُدّ من "الثوابت" في دائرة السؤال والمراجعة. فكانت سهام النقد من المتخصصين وغير المتخصصين موجّهة بصفة خاصّة إلى أساتذة الحضارة بالجامعة التونسيّة. غير أنّ الملاحظ اليوم هو تضخّم عمليّات التشويه لأولئك الجامعيّين باستغلال العاطفة الدينيّة العامّة واعتماد منهج أخلاقي بالأساس يلفت أنظار النّاس إلى مواقف مقتطعة من سياقات بحثية كبيرة بغاية استفزاز الرأي العام وتأليبه ضدّ الفكر التقدّمي في الجامعة بل والتحريض عليه.        

واللافت للنظر في هذه الأسماء التي ذكرناها في هذا المقال أنّ أغلبها هم من المشتغلين على الفكر الديني بمنهجيّة تختلف جوهريّا عن الفكر التقليدي. وعلى الرغم من تعدّد زوايا النظر التي ينطلقون منها، يطرقون جميعاً أبواب البحث من جهة الفكر المتشبّع بقيم الحداثة والتقدّم، وهي القيم التي يعاديها الفكر المتشبث بقناعات الماضي وبديهياته[4] والفزِع من أي تأويل مختلف للإسلام، خاصّة إذا طال هذا التأويل النصوص المؤسّسة: القرآن والسنّة النبوية.

    في سبيل الذهاب أبعد من التشريعات

ينص دستور 27 جانفي  2014  في فصله 33 على أن «الحريات الأكاديمية وحرية البحث العلمي مضمونة " وذلك في باب  الحقوق والحريات. كان ذلك نتيجة نضال مستميت خاضه الجامعيون من أجل دسترة حق الجامعي في أن يمارس التدريس والبحث والنشر والتعبير بكامل الحرية.  كما خاض المثقفون في تونس معركة حاسمة من أجل إقرار الدستور التونسي ما بعد الثورة بمبدأ حرية المعتقد والضمير وذلك في الفصل السادس  منه[5].إلا أن المسالة ليست دستورية فقط اذ أنه من الواجب تنزيل هذه المبادئ على مستوى النصوص القانونية،  ولكن أيضا على مستوى التشريعات الخاصة في سبيل إشاعة مبدأ الحصانة الأكاديمية في حدود البحث العلمي ونشر نتائجه ومخرجاته والعمل على إقرارها في القوانين الأساسية والمواثيق الأكاديمية[6]، مع رفع كافة التضييقات المسلطة على الأكاديميين ووضع حد للانتهاكات الخطيرة التي يتعرض لها المجتمع الأكاديمي. وهذا الأمر يحتاج إلى أبعد من التشريعات أي إلى إشاعة مناخ الحرية والفكر النقدي والقبول بالاختلاف ونبذ العنف سواء في الأسرة أو في المؤسسات التربوية من خلال المناهج التعليمية أو في البيئة الاجتماعية عموماً.
 
 
 نشر في العدد 4 من مجلة المفكرة القانونية


[1] روت الحادثة الأستاذة آمال قرامي في مقال لها بعنوان " إذا كان العهر في شرعكم هو هذا ...فأنا عاهرة " انظر الحوار المتمدن 4 ديسمبر
2011
[2] خصص المفكر الراحل عبد الوهاب المؤدب مقالا لتحليل اللوحات التي وقع تحطيمها وبين على عكس ما يعتقد الكثيرون أنها تحتفي بالقداسة أكثر مما تدنسها انظر مقاله " الفن تمرد أو لا يكون " ترجمة عبدالسلام الككلي موقع الاون 7 نوفمبر 2104
[4] انظر مقال  نادر الحمامي "في التهجم  على الجامعيين  أو في توابع الزوابع" جريدة المغرب  23 جانفي 2016  
[5] ينص الفصل السادس من الدستور على أن "  الدولة راعية للدين، كافلة لحريّة المعتقد والضمير وممارسة الشعائر الدينيّة، ضامنة لحياد المساجد ودُور العبادة عن التوظيف الحزبي. تلتزم الدولة بنشر قيم الاعتدال والتسامح وبحماية المقدّسات ومنع النيل منها، كما كما تلتزم بمنع دعوات التكفير والتحريض على الكراهية والعنف وبالتصدّي لها
[6] نشر عدد من الأكاديميين التونسيين المنضوين تحت  لواء الجامعة  العامة للتعليم العالي والبحث العلمي "مشروع ميثاق الحريات الأكاديمية للجامعيين التونسيين "، غير أن هذا المشروع لم يناقش من قبل  الأسرة الأكاديمية وظل مجهولا عند اغلب  الجامعيين  عدا الناشطين النقابيين انظر نص المشروع بموقع الأوان 14 افريل 2010.