عرّف الدستور التونسي في الفصل 15 منه الادارة العمومية من خلال دورها الوظيفي فذكر أنها – أي الإدارة العمومية - جهاز" في خدمة المواطن والصالح العام. تُنظّم وتعمل وفق مبادئ الحياد والمساواة واستمرارية المرفق العام، ووفق قواعد الشفافية والنزاهة والنجاعة والمساءلة". أبرز التعريف مبادئ جديدة للعمل الإداري تبدو أكثر قربا لفكرة التصرّف طبق الأهداف مع تحديد ضوابط هي احترام مبادئ حيادية المرفق العام والشفافية. أخرج تبعا لذلك الدستور في نصه الإدارة من جبّة الجهاز الممثل للسلطة الى المرفق الذي يقوم بخدمة المواطن. ويشكل إعادة تصور دور الادارة على هذا الوجه ثورة مفهومية يجدر التساؤل حول إمكانية تنزيلها خارج إطار الدستور أي داخل مقار الإدارات والعوائق التي قد تواجه هذا التنزيل.

1-الجبة البيروقراطية القديمة في مواجهة الأدوات الجديدة للحوكمة

يبدو الإرث التاريخي الطويل للإدارة التونسية المعتمد على بيروقراطية متصلبة مسيطرا بشدة على سيرها. فهي لم تتمكن رغم الرجات المتتالية من الخروج من جبّة السلطة. فهذه الإدارة لا تزال معتمدة على تنظيم متكلس يعتمد تقسيما وتفكيكا للمسؤوليات تحول بمرور الزمن إلىغطاء للتهرب من اتخاذ القرارات وتحمل المسؤوليات. يركز هذا التنظيم الإداري مجهوده على ضمان شرعية وقانونية قراراته أكثر من سعيه إلى تحقيق نتيجة وأثر للسياسات العمومية. وهو ما حوّل أغلب الإجراءات الإدارية التي هي وسيلة لتحقيق الهدف إلى هدف في حد ذاته عوض أن تكون أداة لتطوير الخدمات العامة. تركّز على هذا الأساس كل مجهودات الإدارة على ضمان احترام الإجراء بدل السعي إلى بلوغ الأهداف التي سنّ من أجلها هذا الاجراء. وساهم هذا الوضع مباشرة في تضخم الجسم الإداري البيروقراطي استجابة لتضخم الإجراءات دون أن يكون هذا الجسم فاعلا وناجعا في تحسين الخدمات الادارية.

وتبدو مغامرة التحوير الجذري لهذه المنظومة الإدارية البيروقراطية مع ما تتطلبه من تنقيحات في النظام القانوني وتغيير لطرق التصرف المالي والإداري غير مأمونة العواقب لدى الكثيرين. فمن ناحية تبدو السلطة متخوفة من احتمال فقدان تحكمها في الإدارة إذا ماهي قبلت بتخفيف التشدد البيروقراطي. ويتأكد ذلك في تواصل التوجّس من الشفافية في التعامل الإداري والتردد في تشريك المواطنين في صنع القرارات. وليس أدل على ذلك التأخير الذي جاوز السنتين في المصادقة أمام مجلس نواب الشعب على قانون النفاذ الى المعلومة بعد أن سحبته الحكومة وهو في المراحل الأخيرة للمصادقة وما صاحبه من جدل تعلق خاصة باستثناءات النفاذ. وكذلك تواصل تفضيل العديد من المسؤولين عدم اتخاذ قرارات إدارية خشية أن يكونوا موضوع مساءلة وتحقيق. وهو ما حوّل الإدارة إلى جسم هامد لا يتحرك إلا بصدمات كهربائية من أعلى، دون أي اهتمام بما يمكن أن ينجر عن البطء والعجز عن اتخاذ القرار من إهدار للمال العام واضطرابات اجتماعية.

إنّ المعطيات الدستورية الجديدة التي أكدت على مبادئ الشفافية والمشاركة والنجاعة والحكم الرشيد ومكافحة الفساد ما زالت لم تفعّل بشكل كاف يستجيب للمتطلبات الجديدة للدستور. فباستثناء بعض المبادرات المحدودة التي يعود أغلبها الى التزامات دولية فرضتها شروط مؤسسات القرض الدولية، لم نرَ تحويرات كبرى في طرق التصرف ترقى لإحداث ثورة الإدارة التونسية. كما لم نرَ لها أثرا متكاملا في واقع التعامل اليومي مع الإدارة. وتالياً، بقيت الإدارة تسير على نفس المنهج من الانغلاق والتعتيم. وغالبا ما تعلّلت الحكومات التي تداولت على الحكم في ظرف السنوات الأخيرة بوجود أولويات أخرى تسبق إصلاح الإدارة كتنظيم الانتخابات أو مواجهة التهديد الإرهابي أو إنقاذ ما يمكن إنقاذه من القطاعات الاقتصادية. كما أن كثرة الصراعات والاشكالات والطوارئ جعلت من الإدارة التونسية رجل إطفاء يعالج جيوب حرائق مندلعة دون قدرة على تحديد بوصلة برؤية واضحة. فمبادرات إصلاح السياسات العمومية، ونظام الخدمة المدنية وتحديث إدارة الموارد البشرية وتأسيس اللامركزية وتطوير الإجراءات الإدارية نحو تحسين الأداء بناء على مبادئ النجاعة والفاعلية والاقتصاد في التكاليف، تبقى فاقدة للأثر لأنها لم تندرج ضمن تصوّر متكامل ينبني على تملّك الموظفين لتلك الإصلاحات ورؤية قيادية تسير بها نحو مسارها النهائي.

من جهة أخرى، تطرح المقاومة السلبية  للتغيير تحديا حقيقيا في مواجهة حديث الاصلاح. وتفسر هذه المقاومة التي تصدر من داخل البيروقراطية الادارية بعدة اعتبارات من أهمها الخوف غير المعلن من فقدان امتيازات. ويترافق هذا الخوف مع الخوف من فقدان الوضع القائم والذي يبقى المحرك الأساسي لما يصطلح على تسميته بالإدارة العميقة. هذه الادارة التي تقاوم الاصلاح من خلال عملها على تحويل كل عمليات الاصلاح لاجراءات ادارية لا تنتج اثراً. فمن المفارقات في تجارب الإصلاح الإداري أنه بدل التحكم في بيروقراطية النخبة تتعزز سيطرة هذه النخبة. وتُفسر هذه الحالة في جزء منها بأن نفس تلك النخبة البيروقراطية التي يتم السعي إلى الحد من نفوذها تواصل تحكمها في وضع وتنفيذ التدابير الاصلاحية. ويتطلب هذا الوضع إيجاد آليات مراقبة شعبية من المجتمع المدني للإصلاحات في مختلف مراحلها للحد من الانحراف بهذه الإصلاحات.

2-الولاء للدولة أم الولاء للسياسة

ارتبطت الإدارة التونسية طوال أكثر من خمسين سنة تحت حكم نظام رئاسوي بالخضوع إلى السلطة السياسية الحاكمة المتمثلة أساسا في رئيس الجمهورية وهو ما أثر سلبا على طرق التسيير ومراكز اتخاذ القرار داخلها وتشويه دورها كأداة لتنفيذ السياسات العامة. فضبط السياسات العمومية وأهدافها وتحديد المشاريع الكبرى وتعيين الوظائف العليا مرتهن أساسا بالعلاقة بهرم السلطة، وهو ما أدى إلى إحكام رئيس الجمهورية السيطرة على الإدارة التي فقدت حيادها وتحولت إلى أداة سياسية في خدمة النظام من خلال تسخير جزء هام من طاقاتها لقضاء المآرب الخاصة به. ومع غلبة منطق الولاء للأشخاص بدل الولاء للدولة تكرّس غياب أي شكل من أشكال المساءلة الفعلية. فوسيلة المحاسبة الوحيدة مركزة بيد طرف وحيد هو رئيس الجمهورية. وزاد ضعف المشاركة الشعبية بسبب غياب انتخابات حرة ونزيهة وعدم إمكانية ممارسة ضغط مجتمعي سلمي سواء في اتخاذ القرار أو تنفيذ وتقييم السياسات العمومية.فخلال أكثر من نصف قرن من حكم رئاسوي نادرا ما تمت محاسبة أو إقالة موظفين بسبب سوء تصرف أو فساد أو حتى فشل في إنجاز المهام باستثناء حالات نادرة تعود بالأساس إلى عدم رضى رئيس الجمهورية على المسؤول، وهو ما عزز ثقافة الإفلات من العقاب وساهم في إحكام السيطرة على الإدارة.

لكن انطلاقا من 2011، برزت أشكال جديدة من الإعتراض على فشل السلطة السياسية في إدارة الشأن العام والإعتراض على عجزها على إيجاد حلول للمشاكل الاجتماعية. أخذت في البداية أشكالا عنيفة في التنديد والاحتجاج نظرا لفقدان الثقة في أجهزة الدولة وقدرتها على الاستجابة لهذه المطالب. ثم أخذت تدريجيا طابعا أكثر سلمية مع تشكل وسائل جديدة للمساءلة عن طريق المجتمع المدني أو الإعلام الذي أصبح قادرا على ممارسة ضغط لكنه يبقى محدودا لحد الآن. لذلك، فإن بطء الاستجابة أو عدم القدرة على الاستجابة يدفع من حين لآخر المجتمع التونسي إلى العودة إلى الاحتجاجات العنيفة كما هي الحال مع الاحتجاجات الأخيرة لشهر جانفي 2016 التي كادت أن تدخل تونس في دوامة من الفوضى.

لكن تبقى هذه التحولات نحو تأسيس نظام مساءلة ناجع وسلمي غير مستكملة المعالم. فاستجابة الإدارة التونسية للآليات السلمية للمساءلة محدودة مقابل استجابتها السريعة للآليات العنيفة. كما أن تواصل التأثير القوي لكل ما هو سياسي على العمل الإداري يشكل دليلاً واضحاً على هشاشة البناء الإداري وعدم قدرته على السير باستقلالية عن التأثير السياسي. فالنظام الديمقراطي المشكل حديثا في تونس ساهم في تقوية وزن الأحزاب السياسية التي ستسعى إلى تركيز مكانتها عبر استمالة الإدارة والعمل على التحكم فيها عبر خلق ميكانيزمات زبونية لتوطيد حكمها. وهو ما سيؤدي حتما إلى عدم تحقيق المبدأ الدستوري في حياد الإدارة خصوصا مع وجود إرث تاريخي طويل في ولاء الإدارة للحزب، وهو يجعل كل تلك التحولات مجرد إرهاصات لم تستكمل معالمها.
 
نشر في العدد 4 من مجلة المفكرة القانونية