يجيز الفصل 62 من الدستور التونسي "لنواب الشعب" في إطار ممارسة الوظيفة التشريعية الكاملة أن يتقدموا بمقترحات قوانين. وتبدو نظرياً صلاحية اقتراح القوانين من قبل النواب منفذاً هاماً يمكّن المعارضة البرلمانية من طرح مشاريع إصلاح تشريعي تنهي احتكار الحكومة التي تكونها الأغلبية الحاكمة لدور صياغة تصوّرات التّشريعات.

خلال الدورة النيابية الأولى، لم يتقدم نواب الشعب إلا بمقترحي قانون كان مصدرهما نواب الأغلبية الحاكمة: الأول هو اقتراح القانون الأساسي لاستقلالية مجلس نواب الشعب والثاني هو اقتراح قانون المحكمة الدستورية. وقد تم تقديم هذين المقترحين إستجابة للدعوة التي وجّهها لهم رئيس مجلس نواب الشعب السيّد محمد الناصر بضرورة دعم مجهود الحكومة  التشريعي[1]. وقد أدّى تحويل المبادرة التشريعية النيابية من نطاق بديل للتصوّر التشريعيّ الحكوميّ إلى مجال دعم لذلك التوجه إلى إفراغ مبادرات النواب التشريعية من روح كان يفترض أن تكون مشبعة بها. فالمقترح الأول هو نصّ لا أثر له على المجتمع، فيما كان المقترح الثاني غير مبرر في ظل تقدم الحكومة بمشروع قانون تعلق بذات الموضوع. لا بل أن هذا المقترح سبّب أزمة أخلاقية بعدما تبيّن أن الدافع إلى تقديمه كان مجرد خدمة مصالح مفترضة لأصحاب المقترح[2].

مع نهاية سنة 2015، شهدت المبادرة  التشريعية النيابية تحوّلاً. فقد تقدم نواب يُحسبون على المعارضة  بتاريخ 10-11-2015  بمبادرة تشريعية تتعلق بمقترح قانون عنوانه " قانون الشفافية ومكافحة الإثراء غير الشرعي". كما سجّل زملاء لهم من ذات الشق بتاريخ 31-12-2015 اقتراحاً ثانياً يهدف "لمنع إنتاج الأكياس البلاستيكية غير القابلة للتحلل واستيرادها وتسويقها وتوزيعها". و بذات التاريخ ، تمّ التقدم بمقترح ثالث بشأن "تجريم التطبيع مع الكيان الصهيوني" وبمقترح رابع يتعلق "بمكافحة التعامل غير المشروع مع المخدرات". وآخر أشكال احتفاء النواب بحقهم في المبادرة التشريعية عبّر عنه نواب الكتلة الحرة حين قدموا اقتراح قانون بمنع ارتداء النقاب بالأماكن العامة. ابتعدت المبادرات التشريعية عن دور معاضدة الحكومة تشريعيا لتطرح تصورات لإصلاحات تشريعية يقدر من تقدم بها أنه تمّ إغفال أمرها من الحكومة أو أن سياسة الحكومة تتعارض معها. وقد تميزت هذه المقترحات بتنوعها: فالأول تعلق بمكافحة الفساد، الثاني بالحق بالبيئة ليتّصل الثالث بالموقف السياسي من التطبيع مع إسرائيل. أما الرابع، فقد هدف لطرح تصوّر معارض لتوجه الحكومة التشريعي في شأن مكافحة المخدرات والذي سبق وتقدمت به. فيما عبر المقترح الخامس عن تصور من اقترحه لعلاقة الأمني بحرية اللباس.

وفيما تبقى غالبية المقترحات التشريعية مدرجة في خانة المقترحات المعروضة على المجلس التشريعي، تولّت رئاسة المجلس منتصف الشهر الثاني من سنة 2016، إحالة إقتراحيْ القانون المتصلين بالشفافية والبيئة إلى اللجان الفنية. وقد كشف النقاش الدائر حول هذين المقترحين عمق الإنزعاج من اضطلاع نواب المعارضة بدورهم كقوّة إقتراح تشريعي. وهذا ما سنسعى إلى تفصيله أدناه.
 
سعي المبادرة التشريعية لحماية البيئة تحرّك مراكز النفوذ

يهدف مقترح القانون المتعلق بمنع إنتاج الأكياس البلاستيكية غير القابلة للتحلّل والرسكلة للحدّ من أثرها السلبي على الوضع البيئي في تونس، في انسجام كامل مع ما كشفته المعطيات الرسمية من تحوّل هذه الأكياس إلى إشكالية بيئية كبرى باتت تهدد التوازن البيئي الحضري والريفي على حدّ سواء. كان يُنتظر تالياً أن يشكّل إعلان لجنة الصناعة والطاقة والثروات الطبيعية والبنية الأساسية والبيئة بمجلس نواب الشعب منتصف الشهر الثاني من سنة 2016 عن شروعها في دراسة المقترح سبباً لاحتفاء المعنيين بالملف البيئي. لكن هذا الأمر لم يحصلْ، فسُرعان ما برز "معيار المصلحة الإقتصاديّة" كنقيضٍ لهذا المقترح.

وفي هذا الإطار، كشفت الغرفة النقابية الممثلة لصناعيّي البلاستيك التابعة للإتحاد التونسيّ للصناعة والتجارة (وهي المنظّمة النقابيّة الأكثر تمثيليّة للأعراف بتونس) عن رفضها للمبادرة التشريعيّة بعدما اعتبرت أنها لا تلتفت لمصلحة القطاع الذي تنشط به مائة مؤسسة صناعية ويشغّل فيه 30 ألف عاملاً. وذات الموقف تمسك به الأمين العام المساعد للإتحاد العام التونسي للشغل (أهم منظمة نقابية عمالية بتونس) والذي دعا عند الاستماع إليه باللجنة البرلمانية للتريث في النظر في هذا المقترح. اتحدت نقابتا الأعراف والعمال في دفاعهما "عن الأكياس البلاستيكية". وحاول الطرفان أن يُعيدا صياغة السؤال البيئي من خلال تحميل الحكومة مسؤولية تردي الوضع البيئي بفعل تناثر الأكياس في كل مكان. فوفق لهما، تدفع المؤسسات المنتجة لتلك الأكياس أتاوات هامة للدولة تتمثل في ما نسبته 5 بالمائة من تكاليف توريد المواد المصنعة، وكان يجب صرف تلك المبالغ التي تناهز 25 مليون ديناراً في تحسين الوضع البيئي. نجحت النقابات في إرباك المبادرة التشريعية بعدما حمّلت النواب مسؤولية حرمان آلاف العمال من حقهم في العمل في حال إقرارها.

وإذ بدت "وزارة البيئة والتنمية المستدامة" الهيكل الحكومي المعني بالملف متحمسة لفكرة منع تصنيع الأكياس البلاستيكية وفق بيانها الصادر في 5-2-2016، إلا أن تحمسها كشف لاحقاً عن معارضة من نوع آخر للمقترح النيابي. فقد ادّعت الوزارة في مرحلة أولى أنها بصدد إعداد أمر حكومي في الغرض ليعود لاحقا الوزير المشرف عليها ليدعي بمناسبة سماعه باللجنة البرلمانية بتاريخ 17-02-2016 أن لوزارته مشروع قانون خاص ستتقدم به لمجلس نواب الشعب وهي غير مطلعة على مبادرة نواب الشعب[3]. وتجاهل الحكومة لمبادرة النواب على هذا الوجه يلتقي موضوعيّاً مع رفض النقابات لها، ليؤسس لفكرة نص بديل تتقدم به الحكومة لاحقا كمخرج. وبالطبع، قد لا يرى النصّ البديل النور، إنّما مجرّد الحديث عنه يكفي لإيجاد مبرّر أخلاقيّ لوأد المبادرة النيابيّة. ويؤكد هذا الأمر أن اضطلاع النواب بدورهم كقوة اقتراح تشريعيّ فعل مربك لما يؤدي له من إحراج لمن يرفعون الشعارات ويرفضون تنزيلها على أرض الواقع. هذا الارباك قد يتأكد متى تقدم الحوار حول مقترح قانون "قانون الشفافية ومكافحة الاثراء غير الشرعي".

2/  سعي المبادرة التشريعية لتطوير منهجية مكافحة الفساد سعي غير محمود

كشف التعاطي القضائي مع قضايا "الفساد المالي" التي أثيرت عقب الثورة أن المنظومة التشريعية التونسية تفتقر لقانون يجيز  مساءلة  من يمارسون مسؤوليات عليا في الدولة عن التضخم غير المبرر لثرواتهم او ثروات أفراد أسرهم. وكان ينتظر من الحكومة أن تعمل على إصلاح الخلل التشريعي. لم تحقق الحكومات المتعاقبة المرجو منها، كما لم تتولّ تطوير منظومة التصريح بالممتلكات لسامي مسؤولي الدولة الموروث عن النظام السابق، فبقيت المنظومة برمتها معطلة.

حدّد أصحاب المبادرة هدف اقتراحهم ب"تكريس الشفافية والنزاهة ومكافحة الاثراء غير الشرعي وحماية المال العام وتدعيم الرقابة على القائمين به". وانتهت منهجية عملهم إلى القول بأن تحقيق ذلك يستدعي أولاً تطوير نظام الرقابة على الثروة من خلال التصريح بالممتلكات وإيجاد نظام خاصّ لتعقّب جرائم المال العام يقوم على اعتبار تضخم الثروة فساد ما لم تثبت سلامة المورد. تميز النص المقترح بتلاؤمه مع التصور الحديث للشفافية كسبيل لمكافحة الفساد. وكان ينتظر تبعاً لذلك أن يلقى الإعلان يوم إحالته في 15-02-2016 للجنة التشريع العام اهتماماً إعلامياً وحقوقياً واسعاً، لكن هذا الأمر لم يحصل. وقد تجاهلت الحكومة المبادرة ولم تعلّق عليها، هنا أيضاً بحجة أن لديها نصاً تشريعياً خاصاً قيد الإعداد يتعلق بما سموه بالمصادرة المدنية.

وأمام هذا التجاهل، يخشى أن يلقى هذا المقترح نفس مصير مجمل المبادرات التشريعية التي كان تقدم بها من قبل أعضاء المجلس الوطني التأسيسي: الأدراج.

نشر في العدد 4 من مجلة المفكرة القانونية


[1]كلمة  الاستاذ محمد الناصر رئيس مجلس نواب الشعب بتاريخ 12-05-2015
[2]يراجع مقال  الصحفي زياد كريشان بعنوان " مبادرة تشريعية لمقترح قانون أساسي متعلق بالمحكمة الدستورية: حركة النهضة والسعي للدخول من الشباك بعد أن خرجت من الباب" نشر بصحيفة المغرب التونسية بتاريخ 11-06-2015

[3]
منع إنتاج الأكياس البلاستيكية محور جلسة استماع لوزير البيئة  موقع تونس الآن 17-02-2016
http://www.tunisianow.org/news/171259.html