"الحب دون القانون"[1]، حبّ جائز ولكن حبّ يكافحه القانون اللبناني عبر إخضاع ثمراته لوضع قانوني متدنٍّ. وعبر إخضاع الأولاد، يخضع الأحباء، وفي لبنان، يخضعون للصيغة الوحيدة المتواجدة على الأراضي اللبنانية وهي الصيغة الطائفية، عندما لا يتمتعون بالوسائل اللازمة للسفر إلى الخارج.

بتاريخ 31/3/2016، أصدر قاضي الأمور المستعجلة جاد معلوف في بيروت قراراً قضى بردّ الدعوى المقدمة بوجه الدولة اللبنانية من قبل زوجين عقدا زواجاً مدنياً على الأراضي اللبنانية أمام كاتب العدل طالبين إلزام هذه الأخيرة بتسليمهما وثائق أحوالهما الشخصية ومنها وثيقة الزواج ونسخة طبق الأصل عن القيود تحت طائلة غرامة إكراهية.وكان الزوجان تقدّما بهذه الدعوى على إثر رفض المديرية العامة للأحوال الشخصية تسجيل زواجهما المعقود أمام كاتب العدل في لبنان.

وبالرغم من أن القرار المذكور خلص إلى ردّ مطالب الجهة المدعية، إلا أنّ الخوض في التحليل المعتمد من قبل قاضي الامور المستعجلة ضروريّ نظراً لما يتضمنّه من نظرات متجدّدة لجهة الرابطة الطائفية وطبيعة الزواج وما يحكمهما من حريات عامة وحقوق أساسية.
 
-       الرابطة الطائفية، رابطة علنية ورسمية تخضع للإرادة الفردية

بعد التنويه بحرية المعتقد المكرّسة بموجب المادة 9 من الدستور اللبناني والمادة 16 من الاعلان العالمي لحقوق الانسان والمادة 18 من العهد الخاص بالحقوق المدنية والسياسية، اعتبر القرار أن حرية المعتقد لا تقتصر فقط على "حرية إبدال الدين أو المذهب"، وإنما تمتدّ لتشمل "أيضاً حرية عدم اعتناق أي دين أو مذهب، كما وحرّية عدم الإعلان عن اعتناق دين أو مذهب".

واذا كان حق ترك الطائفة معترفاً به ويستنتج من أحكام المادة 11 من القرار 60 ل.ر. التي تنصّ على الإمكانية المتاحة لكل"من أدرك سن الرشد وكان متمتعا بقواه العقلية لأن يترك أو يعتنق طائفة ذات نظام شخصي معترف بها"، إلا أن حرّية عدم الاعلان عن اعتناق دين أو مذهب تطرح اشكاليةمختلفة. تنتج هذه الإشكالية من اعتماد الرابطة الطائفية كعامل أساسيّفي قاعدة الإسناد بحيث ترعى تنازع محاكم وقوانين الأحوال الشخصية كما يتبين من أحكام المادة 10 من القرار 60 ل.ر.[2] التي تخضع اللبنانيين إلى نظام أحوال شخصية طائفي أو مدني بحسب انتماء الشخص إلى طائفة معترف أو غير معترف بها.

يعالج القرار هذه الإشكالية عبر الربط ما بين مفعول الرابطة الطائفية من جهة والإعلان عنها وقيدها في سجلات النفوس من جهة أخرى، فتتحوّل السجلات من وسيلة إثبات إلى قيد منشئ للرابطة الطائفية بحيث لا تنتج الرابطة الطائفية مفاعيلها والنتائج القانونية المترتبة عنها خاصة لناحية تحديد نظام الاحوال الشخصية ذي الاختصاص إلا بالإعلان عنها. والإعلان عنها يخضع بطبيعة النصوص إلى إرادة الفرد المنفردة، مما يعلّق نشأتها كرابطة مدنية علنية عامة[3] على إرادة الفرد إذ أن "الإنتماء إلى طائفة الذي ينتج آثاره القانونية تجاه الإدارة، هو ذلك المعلن عنه من قبل الفرد في القيود الرسمية، وبانتفاء القيد في هذه السجلات سواء بسبب عدم إيمان الفرد بأي من الأديان أو المذاهب المعترف بها، أو بسبب عدم رغبته بإعلانإيمانه تجاه الإدارة وإبقائه مسألة خاصة، لا يمكن للإدارةإفتراض أي انتماء للفرد، ولا يمكن إلا اعتبار من لم يذكر قيده الطائفي في سجلات النفوس، من ضمن فئة الأشخاص غير المنتمين إلى أي طائفة، وإلا كان موقف الإدارة مناقضاً للنصوص المشار اليها أعلاه ومقيداً "لحرية المعتقد".

في هذا السياق، لا تقتصر إرادة الفرد على تعيين انتمائه أو عدم انتمائه إلى دين أو طائفة معينة بل تتعداه لتحصر سلطة الدولة فيما يتعلق بالاعتداد بالانتماء الطائفي بالفرد الذي يعلن لها عن ذلك الانتماء.

بالطبع، يشكّل هذا التحليل تطوّراً ملحوظاً بالنسبة لما كان قد اعتمد في استشارة هيئة التشريع والاستشارات التي استند عليها التعميم الصادر عن وزير الداخلية زياد بارود بتاريخ 6/2/2009 في ما يتعلّق بشطب القيد الطائفي والتي كانت قد أشارت إلى أنه في حال "كانت هناك حقوق مرتبطة بالانتماء الطائفي وكانت ممارسة هذه الحقوق تستوجب هذا الانتماء الطائفي، فإنه يكون ممكناً في أي وقت لصاحب العلاقة إبراز ما يثبت انتمائه الطائفي"[4].

انطلاقاً من هذا التحليل، يبحث القرار أيضاً في توجب تحرير ممارسة الحقوق من الانتماء أو عدم الانتماء الطائفي، وعلى رأس هذه الحقوق ما اعتمده القرار من حق بالزواج وبإنشاءأسرة.
 
-       الحق بالزواج وبإنشاء أسرة مكتملا" بالحق بالمساواة وعدم التمييز على أساس الدين أو المعتقد

لكل شخص الحرية في أن يعتنق أو ألا يعتنق ديناً معيّناً وأن يعلن أو أن يمتنع عن الإعلان عن إنتمائه الطائفي، ولكل شخص الحق بالزواج وبإنشاء أسرة.

هذا ما يرد في القرار الذي يصنّف الحق بالزواج وبإنشاء أسرة ضمن فئة الحقوق الأساسية للإنسانويستنتجه من مضمون المادة 16 من الإعلان العالمي لحقوق الإنسان كما ويعتبره جزءاً من الحرية الفردية، ليعود ويصرّح من هذا المنطلق "أن الحق بالزواج ليس بحاجة للإقرار بموجب القانون، ذلك أن الأصل هو الإباحة في ممارسة الحقوق الأساسية".

بناء عليه، يكرّس القرار حقّ الأشخاص الذين لا ينتمون إلى أي طائفة معترف بها كما والأشخاص الذين تمنعوا عن الإعلان عن انتمائهم الطائفي بالزواج إنطلاقاً من الحقّ بالزواج مكتملاً بحرية المعتقد ومبدأ المساواة، وما يستتبعه هذا الاكتمال من إخضاع زواج هؤلاء للقانون المدني وفق أحكام القرار 60 ل.ر.

بمعنى آخر، لمن لا يريد أن يخضع في علاقاته مع الدولة للرابطة الطائفية الحق في أن يعقد زواجاً مدنياً. وأن هذا المنحى متطابق مع قراءة الفقه للمادة التاسعة من الدستور حيث يرى معظم الفقهاء أن إقرار زواج مدني اختياري هو موجب ملقى على عاتق الدولة اللبنانية تماشياً مع حرية المعتقد وحرية الزواج[5].
 
وهذا ما يتوصّل إليه القرار المذكور عبر تفسير مدى الحق بالزواج.ف"ممارسة المشرّع سلطته عبر إصدار تشريعات تنظّم الزواج وتقيّده لضرورات المصلحة العامة، مقبولة، شرط ألا تؤدي الى المساس بالحق بالزواج، ويمكن القول أنّ الأمر عينه يصحّ عند ممارسة المشرّع سلطته عبر اختيار عدم التشريع لمقتضيات معيّنة، وهو حقّ من حقوقه، شرط ألا يمسّ ذلك بالحق بالزواج". أي أن امتناع المشرّع اللبناني عن إقرار زواج مدنيّ من شأنه أن يمسّ بالحق بالزواج العائد لمن لا ينتمي ولمن لا يعلن عن انتمائه الطائفي.

إلا أن هذا التعليل لا يكفي وفق القاضي معلوف بحد ذاته لاعتبار الزواج المعقود بصيغة العقد الموقّع أمام كاتب العدل زواجاً صحيحاً تلزم الادارة بتسجيله، إنما يستدعي مناقشة إمكانية إخضاع الزواج لقانون أجنبي، تجاوزاً للفراغ التشريعي.
 
-       طبيعة الزواج وحرية اختيار القانون الواجب التطبيق

لا بدّ من الإشارة بادىء ذي بدء إلى أن القرار يعتمد النظرة التعاقدية للزواج حيث يخوض في مدى "إمكانية إخضاع العقد لقانون أجنبي"، فيخالف الرأي المعتمد من هيئة التشريع والاستشارات[6] لينضم إلى الهيئة الاستشارية العليا[7].

إنطلاقاً من ذلك، يعتبر القرار أنّ للمتعاقدين الزوجين في هذه الحالة إخضاع عقد زواجهما إلى قانون أجنبي بالرغم من أنه عقد داخلي غير دولي.فحصر حرية المتعاقدين باختيار القانون الذي يرعى علاقتهم التعاقديّة بالعقود الدولية دون العقود الداخلية لا تبرره سوى "ضرورة عدم تمكين الفرقاء من التفلّت من الأحكام الملزمة للقوانين الوطنيّة، عبر خلق رابط مصطنع يحلّهم من تطبيق القانون الوطني". إلا أنه في هذه الحالة، وبغياب القانون الوطني الذي يرعى وينظم الزواج المدني في لبنان، يزول المبرّر لتحلّ محلّه إرادة الفريقين خاصة، وأن اختيار القانون الاجنبي يشكّل "هدف(اً) ايجابي(اً)" وهو "تفادي وجود عقد دون قانون".

وما يؤكد على قوّة الإرادة في ما يتعلّق بتحديد شكل الزواج ومفاعيله هو ما كرّسه الإجتهاد اللبناني بناء على المادة 25 من القرار 60 ل.ر. لجهة صحة الزواج المعقود خارج الأراضي اللبنانية وفق الصيغة المحددة في البلد الأجنبي، وإخضاع مفاعيل هكذا زواج للقانون المدني الأجنبي دون فرض وجود أية رابطة بين القانون المدني الأجنبي والزوجين اللذين يعقدان زواجهما.

ويشير القرار إلى أن الإقرار بمبدأ حرية اختيار القانون الأجنبي لا تستبعد إمكانية حصر مفاعيلها عبر التأكد في حال طُرحت المسألة لاحقاً، من مدى تطابق القانون الأجنبي مع النظام العام.

وهنا لا بدّ من التوضيح بأن القانون اللبناني لا يتخلّله فراغ تشريعي في حال اعتماد النظرة التعاقدية البحتة للزواج. فقانون الموجبات والعقود يرعى العقود. وهنا يكمن التساؤل الأساسي الذي لا يتطرّق اليه القرار المذكور. هل أن عقد يتضمن موجبات غير مالية على رأسها موجب المساكنة والحياة المشتركة هو عقد يصحّ ويتمّ بمجرد تبادل الفريقين لرضاهما؟ وفي حال لم يعمد الفريقان إلى تحديد قانون أجنبي ليرعى عقدهما، هل يصحّ عقد الزواج المنعقد أمام كاتب عدل؟ وهل يمكن للزوجين أن يتفقا على فسخ زواجهما بالصيغة التي يختارونها ودون المرور المتوجّب أمام محكمة من أي نوع كان؟

مع التسليم بأن النظرة التعاقدية تجد أصداءً في لبنان نظرا" لاعتمادها وتكريسها في الطوائف الإسلامية خلافاً للطوائف المسيحية التي يتصف الزواج في قوانينها بصفات مؤسساتية، يطرح اعتماد الإرادة الفردية كمعيار أول في قضايا العائلة وكل ما يتعلّق بالفرد وأحواله إشكاليّات يتمحور صلبها حول كيفية حماية الفرد كون الارادة الفردية غالباً ما تحدّها علاقات قوّة واقعية.

بمعزل عن كل هذه التساؤلات، يعتبر القرار أن للزوجين أن يعقدا زواجاً مدنياً أمام كاتب العدل في لبنان وأن اختيار القانون الاجنبي يقع في محلّه. الا أنه بالرغم من كل ما سبق تبيانه، ينتهي إلى ردّ الدعوى المقدمة منهما بوجه الدولة اللبنانية عبر اعتبار أن التعدي ليس واضحاً.
 
-       الحق بالزواج وبإنشاء أسرة، حقّ أساسيّ معلّق على وضوح الإجتهاد ...

بالرغم من تكريس الحق بالزواج وبإنشاء أسرة كحق أساسي وحرية المعتقد ومبدأ المساواة، ينتهي قاضي الأمور المستعجلة إلى ردّ الدعوى المقدمة من المدعيين. يبرّر القاضي ردّ الدعوى باعتبار أن صلاحيته تنحصر بحالات التعدي الواضح وهو التعدي الصارخ بعدم مشروعيّته وأنه في ظل عدم وجود تشريع للزواج المدني في لبنان، يعود للقضاء سدّ الفراغ التشريعي وفقاً للحجج المبينة في متن القرار خاصّة عبر "الاعتبار أنه يجوز إخضاع عقد الزواج لقانون أجنبيّ بناء على إرادة المتعاقدين"، الأمر غير المتوافر حالياً نظراً لعدم بتّ هذه المسألة في الاجتهاد (من قبل قضاة الأساس).

إلا أنه لا بدّ من الإشارة هنا إلى احتمال وجود تناقض في متن القرار. فإذا كان الحق بالزواج وبإنشاء أسرة هو حقّ أساسيّ، "ليس بحاجة للإقرار بموجب القانون، ذلك أن الاصل هو الإباحة في ممارسة الحقوق الأساسية" (عبارة وردت حرفياً في الحكم)، وهو يلقي موجباً على عاتق الدولة بالتشريع، في حال أدّى الامتناع عن التشريع إلى المسّ بهذا الحق، كيف يمكن القول بعد ذلك أن رفض الإدارة تسجيل زيجات معقودة بالشكل المدني لا يشكّل تعدياً صارخاً بعدم مشروعيته؟

بالطبع، يمهدهذا القرار الطريق لتكريس الحق بالزواج المدني في لبنان قضائياً، بحيث أنه يدحض تباعاً جميع الإعتراضات المدلى بها للتشكيك بصحته. ولكنه بالمقابل يتّسم بالحيطة التي ربما تجد ما يبرّرها بالحساسية الإجتماعية لعقد زواج مدني في لبنان. فكأنما القاضي أراد توثيق رأيه في حكم قضائي من دون فرضه، داعياً الفرقاء إلى مراجعة قضاة الأساس وفي الوقت نفسه قضاة الأساس لحذو حذوه. ولربما تعبر هذه الحيطة عن شعور بأن التقدّم الحقيقي في قضية كهذه لا يتمّ من خلال حكم واحد مهما كان رائداً، إنما يتطلب تآزرا قضائياً لتحقيقه وبأن التقدم خطوة خطوة في هذا المجال قد يكون أكثر فائدة مما قد يظهر قفزاً في الهواء. بقي أن نتساءل عما سيكون عليه موقف الأزواج الذين طال انتظارهم لتسجيل زيجاتهم. فهل يستمرون في معركتهم حتى بلوغ أهدافهم؟ وفي هذه الحالة، هل يستأنفون الحكم أم يلجؤون إلى القاضي الناظر في قضايا الأحوال الشخصية عملاً بالخارطة التي رسمها الحكم المستعجل؟ أسئلة كثيرة تقررها الأيام القادمة. فلنتابع...
 
 نشر في العدد 37 من مجلة المفكرة القانونية


[1]Jean Carbonnier, « L'amour sans la loi: Réflexions de psychologie sociale sur le droit de la filiation, en margede l'histoire du protestantisme français », Bulletin de la Société de l'Histoire du Protestantisme Français (1903-), Vol. 125(Janvier-Février-Mars 1979), pp. 47-75
[2]"يخضع السوريون واللبنانيون المنتمون الى الطوائف المعترف بها ذات الاحوال الشخصية لنظام طوائفهم الشرعي في الامور المتعلقة بالاحوال الشخصية ولاحكام القانون المدني في الامور غير الخاضعة لهذا النظام.
 
يخضع السوريون واللبنانيون المنتمون الى طائفة تابعة للحق العادي وكذلك السوريون واللبنانيون الذين لا ينتمون لطائفة ما للقانون المدني في الامور المتعلقة بالاحوال الشخصية".
 
[3]الأحوال الشخصية للأستاذ  بيار غناجةللسنة الرابعة في برنامجيها القديم والحديث،جامعة القديس يوسف،ص. 17
[4]إستشارة هيئة التشريع والإستشارات رقم 276/2007، تاريخ 5-7-2007
[5]Pierre Gannagé, Le principe d’égalité et le pluralisme des statuts personnels dans les Etats multicommunautaires, Mélanges Terré, éd. PUF, 1999, p. 431, Léna Gannagé, «Religion et droits fondamentaux dans le droit libanais de la famille» in Droit et religion, colloque du Cedroma, Beyrouth mai 2000, texte intégral disponible sur http://www.cedroma.usj.edu.lb/files/droitreligion.htm, Marie-Claude Najm, «Principes directeurs du droit international privéet conflits de civilisations – Relations entre systèmes laïques et systèmes religieux », éd. Dalloz, p. 600, "عقد الزواج وعقدة الدولة"، المفكرة القانونية، العدد 8، 2 نيسان 2013
[6]رأي هيئة التشريع والاستشارات، رقم 1100/2012، تاريخ 8/12/2012
[7]رأي الهيئة الاستشارية العليا، شباط 2013