المياومون، جباة "الإكراء"، أجراء غب الطلب... والعديد من التسميات تعبر عن حالة توظيف بحقوق منتقصة، إتبعتها الإدارة بعد إنتهاء الحرب اللبنانية. خلال السنوات الفائتة، لم يكف هؤلاء، على إختلاف تسمياتهم بالتكتل في أطر نقابية والتحرك والإضراب والتواصل مع السياسيين مطالبين بإقرار حقوقهم الأساسية كعمّال. والحال أن أياً من هذه الجهات والأفرقاء السياسيين لم ينصفهم. الحدث الهام في 2014-2015 تمثل في القرارات الصادرة عن مجلس العمل التحكيمي في الشمال برئاسة القاضي منير سليمان، بتثبيت صفة عمال كهرباء قاديشا كأجراء، وبتكريس حقهم بالضمان الاجتماعي منذ بدء عملهم فيها. وقد أكدت محكمة التمييز بغرفتيها هذا الحقّ، وذلك من خلال ردّ الطعون المقدمة على 49 حكماً صادراً لمصلحتهم. ونظراً لأهمية هذه الأحكام، قابلت المفكرة القانونية كلا من المحامي أحمد طالب الوكيل في هذه الملفات كلها ونقيب عمال كهرباء قاديشا خالد الرفاعي. تحدثنا خلال المقابلة عن الأسباب التي دفعت عمال قاديشا إلى تقديم هذه الدعوى، والمراحل التي قطعتها، فضلا عن دوري المحامي والقاضي في نصرة حقوقهم (المحرر).

أجرت المقابلة إلهام برجس 

نقابة جباة قاديشا: من "السياسية" الى العدالة

"ما في سياسي بالبلد ما لجأنا إله، وجميعهم قالوا معكم حق. ولكن ما قدرنا أخدنا حقنا الا عبر القضاء". هي خلاصة يطرحها نقيب جباة وقراء الاكراء في شركة كهرباء قاديشا خالد الرفاعي، خلال مقابلته معنا. يضيف الرفاعي مخاطباً "كل مواطن وعامل يشعر أن حقوقه مهدورة، ومؤدياً اليهم نصيحة من خاض التجربة، أن "يلجؤوا إلى القضاء وإلى رجال القانون والمحامين، وأن يستحصلوا قبل ذلك على نسخ عن القرارات الصادرة لمصلحتنا ليستفيدوا منها". يستعيد الرفاعي تفاصيل المعركة التي خاضتها النقابة. وكانت شرارتها وفاة أحد مؤسسيها – عبدالسلام العبوشي- على باب إحدى مستشفيات طرابلس، بعدما امتنعت الأخيرة عن استقباله رغم حيازته على بطاقة الضمان الممنوحة له.

في التفاصيل، عام 2004، لاحظ أحد مفتشي الضمان الإجتماعي في زيارة لشركة كهرباء قاديشا "وجود عدد كبير من العمال ما دفعه للسؤال اذا كانوا منتسبين للضمان الاجتماعي. فأعلمته الإدارة أننا عمال إكراء". فبادر المفتش للإستماع إلى العمال، مستوضحاً منهم معلومات حول ظروف عملهم. فتوصل الى نتيجة مفادها أنهم يستحقون الاستفادة من الضمان الإجتماعي، ويقع على الشركة واجب تسجيلهم في الضمان. بالتالي، طلب من العمال تزويده بالأوراق اللازمة لتسجيلهم في الضمان. وحاز 80 شخصاً من أصل 150 من موظفي الشركة على بطاقاتهم بحلول العام 2006. وكان من المفترض أن يحصل الباقون عليها لو لم يتبين لهم سريعاً من خلال حادثة جرت لأحد العمال أنها من دون جدوى. ويروي الرفاعي تفاصيل هذه الحادثة. "أحد الزملاء دخل الى المستشفى على اثر نوبة حصي في الكلى، وكان دخوله بناء على بطاقة الضمان. في اليوم التالي، طلبت المستشفى منه إفادة عمل لتسيير ضمانه، إلا أن مجلس الادارة رفض منح الإفادة وأبلغ زوجته ألا حق لهم". وجاء جواب مجلس الإدارة وقتها على النحو الآتي: "راجعوا يلّي ضمنوكم"، أي الصندوق الوطني للضمان الاجتماعي". وقد تبين إذ ذاك للعمال أن شركة كهرباء قاديشا رفضت دفع الإشتراكات كما امتنعت عن تسليم إفادات العمل التي تسمح للعمال من الإستفادة من الضمان عند الدخول الى المستشفى، مما أدى إلى تعطيل مفعول البطاقات بحوزتهم. فالضمان وفق الرفاعي "فضل ألا يأخذ على عاتقه تغطية هؤلاء الأشخاص قبل إثبات صفتهم القانونية من خلال حكم قضائي. وهذا ما أبلغنا إياه مدير عام الضمان الإجتماعي طالباً منّا أن نرفع دعوى قضائية ضد الشركة لدفع الإشتراكات". كما يلفت الرفاعي لهذه الناحية الى أنه تمكن من الحصول على مستند يفيد أن إستفادته من الضمان معلقة على صدور حكم قضائي، وكان ذلك قبل سنتين، حين كان يسعى إلى تأمين الإستشفاء لزوجته وأولاده عبر وزارة الصحة. "موقف الضمان هذا حرمنا طوال السنوات السبع التي استغرقتها الدعوى من قدرة الوصول الى الإستشفاء، خصوصاً أن إدراجهم في سجلات الضمان قد عطل إمكانية حصولهم على تغطية وزارة الصحة". ويقول الرفاعي أن قبل اكتشاف عدم فائدة البطاقات، كان جباة قاديشا قد بدأوا العمل على تشكيل نقابة خاصة بهم. وقد تمكنوا من تسجيلها بشكل رسمي لدى وزارة العمل عام 2007 بعد سلسلة من العراقيل. وبعد فترة وجيزة من إنشائها، حصلت ـ"فاجعة" كبرى داخل الشركة، تمثلت بوفاة المعوشي بعدما رفضت المستشفى استقباله. تحت وطأة هذه الفاجعة، حسمت النقابة موقفها باللجوء إلى القضاء كمرجع وحيد علقت عليه آمالها بحل القضية. غير أن العديد من المحاذير فكر بها العمال، تتعلق بهذه الخطوة. يقول الرفاعي: "وقت قالولنا ما الكن غير القضاء صرنا بدنا نبحث عن حدن يتبنانا. فنحن بوضعنا الإجتماعي والإقتصادي، نتخوّف من الأعباء لا سيما الخاصة بأتعاب المحامي".

"تعرفنا الى المحامي أحمد طالب وكان مندفعاً جداً وقد عبر عن إستعداده للوصول الى أبعد مدى ممكن في القضاء لتبيان حقنا"، يقول الرفاعي. يضيف "كنا نعرف عنه من زميلنا المرحوم المعوشي أنه مناصر لحقوق العمال وللحق. وأول ما قام به طالب هو طمأنة العمال إلى كون مطالبهم قانونية ومحقة. كما أنه عبّر للعمال عن عدم اكتراثه للشق المالي، فسار في القضية من دون تحميل العمال أي عبء مالي، ما ساعدهم في الإستمرار حتى صدور الحكم الأخير".

دور المحامي المناصر والداعم، لم ينتهِ عند هذا الحد. فقد عمد طالب، بالإضافة الى المرافعة والمدافعة عن حقوق العمال الى تقديم النصح لهم على المستوى الشخصي ليؤكد لهم أنهم أصحاب حقوق، وليدفعهم للترفع عن التفاوض على حقوقهم. فعمل على طمأنتهم بأن حقوقهم مصونة بالقضاء ودفعهم للثقة بهذه المؤسسة.

وقد استمر دور طالب حتى بعد صدور قرارات التمييز بالمصادقة على أحكام مجلس العمل التحكيمي. ففي خطوة التفافية على القرارات الصادرة، حاولت شركة كهرباء قاديشا "فتح مباراة محصورة بجباة الإكراء، ومن بينهم الحائزين على أحكام قضائية، مشترطة أن يتنازل هؤلاء عن نتائج الأحكام القضائية". وقد تدخل طالب ليوضح للعمال أنه "من غير المقبول قانوناً أن نعود للخضوع للمباراة فيما لدينا أحكام قضائية مبرمة تضمن حقوقنا. لجأت الإدارة على إثر رفضنا لهذا الحلّ إلى تصعيد الموقف والتهويل بطردنا، الأمر الذي أخاف العمال فالأمر يتعلق بمستقبلهم". يقول الرفاعي: "نحن لسنا رجال قانون. أيّ شغلة ممكن تاخدك وتجيبك كمواطن عادي وعامل عادي بسيط. مني دارس حقوق لأعرف إذا المسؤول الإداري عم يحكي صح أو غلط. وقد أعاد المحامي طالب الأمور إلى نصابها، حين أرسل كتباً إلى مدير قاديشا بالإنابة في طرابلس السيد عبد الرحمن المهندس. والمدير العام كمال حايك أوضح لهما وجود أحكام مبرمة بالتمييز وطالب الإدارة بالإلتزم بتطبيق الأحكام. كما أنذرهم باللجوء الى الملاحقة الجزائية بوجه كل من يحاول عرقلة تطبيق الأحكام". يقول الرفاعي أن هذا الأمر دفع العمال إلى التمسك بالمكتسبات والإمتناع عن التفاوض على حقوقهم".

وقد حصلت المفكرة على نص المذكرة الصادرة بتاريخ 26-2-2016 ومفادها أن مجلس الإدارة قرر عملاً بأحكام القانون رقم 287 الصادر في 30-4-2014 دعوة العمال إلى مباراة حصرية، مع الإشتراط صراحة بوجوب تنازل الراغبين بالمشاركة فيها عن الدعاوى المقدمة منهم ضد الشركة. وعدا عن أن هذه المذكرة تفضح سعيا من الشركة للإيحاء بأن القانون المذكور ينطبق أيضا على عمالها خلافا لمضمونه الذي يحصر تطبيقه بمؤسسة كهرباء لبنان، فإنها تكشف أيضا ما يتيحه هذا القانون من ضرب لحقوق العمال المضمونة قانوناً، وأهمها حقوقهم في الضمان عن سنوات عملهم السابقة. فالفائز في المباراة يتم تثبيته تبعا لفوزه فيها وليس بتاريخ دخوله إلى العمل، فيما الراسب يفقد كل حقوقه. وعليه، وفيما بقي القانون غير منفذ بما يتصل بعمال مؤسسة كهرباء لبنان المشمولين به، نرى شركة أخرى تسارع إلى تنفيذه بغية التملص من أحكام قضائية مبرمة. والمفارقة بحسب الرفاعي أن المباراة لن تتم من خلال مجلس الخدمة المدنية تبعاً للقانون المذكور، بل من خلال لجنة خاصة تكون مسؤولة عن المباراة، الأمر الذي يكشف نية الشركة بتطبيق القانون على عمال لا يشملهم.

في نهاية حديثه، أعلمنا الرفاعي أن عدم تنفيذ الأحكام المبرمة لا يقتصر على الشركة. فالضمان الاجتماعي يبدو أيضا متقاعسا في هذا المجال: فأحد العمال، الذي بات يحتاج إلى غسل كلى، اضطر إلى تأمين تكاليف الجلسات على حسابه الخاص بعدما رفض الضمان تغطية تكاليفه، رغم صدور قرار محكمة التمييز لصالحه.
محام مناصر للقضايا الإجتماعية 

عند الاستماع إليه، سلّط المحامي أحمد طالب الضوء على دور القضاء في هذه القضية. فـ"قيم العدالة هي التي تحكم تفسير القاضي وتأخذه باتجاه تطبيق النص. وعندما يكون النص جامداً، يقتضي تفسيره بما يتوافق مع حقوق الناس. وهنا تتجلى براعة القاضي في حماية حقوق الناس". ويشير طالب إلى أن "عظمة القضاء ترتبط أحيانا بمدى تمسك المحامي ومن يمثلهم بالدفاع عن حقوقهم. ومتى حمل المحامي والقاضي نفس الهم في ظل قضية محقة، ينتج هذا التلاقي المظهر الأسمى العدالة".

أما عن المسار القانوني للدعوى، فقد تقدمت النقابة في البداية "بدعوى نقابية واحدة من قبل 150 شخصاً يؤلفونها". غير أن "مجلس العمل التحكيمي وجد أنّالدعوى النقابية لا يمكن أن تكمل في هذا الإطار لأنه لا يستطيع أن ينظر بدعوى غير فردية". في إثر ذلك، "تقدمنا ب ـ49 دعوى فردية لكل عامل على حدة لا سيما أن كل شخص باشر العمل بتاريخ مختلف. ذلك أن الطلب لم يكن منح العمل حق الانتساب الى الضمان، بل الإعتراف بحق قائم والزام الادارة وشركة كهرباء قاديشا بتطبيقه". 

ويعتبر طالب أن القاضي سليمان، مع هيئة المجلس أصدروا أحد أهم القرارات القضائية. وتكمن أهمية هذا القرار بمضمونه الذي اعتبر العمال "مرتبطين بعقد عمل مع مؤسسة كهرباء قاديشا وأنهم بالتالي يستحقون الاستفادة من الضمان منذ لحظة مباشرتهم العمل في الماضي". كما اعتبر القرار "أن هناك رابطة تبعية متوفرة في علاقة الجباة مع الشركة، وذلك لوجود توجيه وعلاقة مباشرة ما بين الإدارة والجباة من جملتها الاشراف والتوجيه وحتى تصدير المعلومات والتعليمات". والحال أن كل هذه العناصر تفيد أن العلاقة بين الشركة قائمة على عقد عمل عادي وليس عقد صناعة "كما حاولت أن تثبت الإدارة".

وكانت شركة كهرباء قاديشا حاولت أن ترتكز الى طبيعة عمل الجباة خارج مكاتب الشركة وطبيعة دخلهم المستند المرتكز الى نسب مئوية مرتبطة بالفواتير المجبية، لتثبت أنهم غير تابعين لها وتبقى غير مسؤولة عن تسجيلهم في الضمان الإجتماعي. والدفوع التي لجأت اليها الشركة لم تبدُ مقنعة بالنسبة للقاضي الذي "استطاع أن يصف بشكل قانوني طبيعة هذا العقد وهو عقد عمل". يضيف طالب "أن ثقافة القاضي وعلمه وفهمه للواقع الاجتماعي والانساني والواقع السياسي للبلد له الدور الأساسي في الوصول إلى هذه النتيجة في قضية كهذه، نشأت وتفاعلت خلال الربع قرن الذي تبع الحرب الأهلية".

مع صدور قرارات مجلس العمل التحكيمي بدرجتها الأولى، لجأت شركة كهرباء قاديشا إلى تمييز الحكم. يجد طالب أن "تمييز الادارة للحكم معناه أنها لا تريد للعمال أن يحصّلوا حقوقهم". ويضيف " يبدو أن هذا الحكم لا يتناسب مع مفاهيمهم المدنية، في الوقت الذي يفترض على الإدارة أن تفهم أن للناس حقوق وواجبها أن تؤدي هي هذه الحقوق لهم. فنحن لم نعد في زمن التسويات القبلية. اليوم دور الإدارة أن توصل الناس إلى حقوقها من دون دفعها لقطع طرقات والقيام بثورات لتحصيل هذه الحقوق".

المعركة بالنسبة لطالب الآن تتعلق بـ" 5000 شخص يعانون من حالة مشابهة لن يصلوا إلى حقوقهم الا من خلال مراجعة القضاء". وبما أن القضاء، وبقرارات صادرة عن محكمة التمييز "أنصف هؤلاء العمال، بات على الباقين أن يحذوا حذوهم. والمطلوب من الباقين أيضاً ألا يرضوا بأي عرض من الادارة لتثبيتهم كون هذا الحل يؤدي إلى إلغاء حقبة زمنية كاملة عمل خلالها الشخص في هذه المؤسسة أو تلك".

حقوق العمال، نظام عام لا يقبل المساومة

واللافت أن مجلس العمل التحكيمي أقرّ في أحكامهالصادرة في قضايا عمال قاديشا بالرابط الوثيق بين الاستفادة من تقديمات الضمان الاجتماعي وكرامة الفرد مؤكّداً أنه "حق انساني دستوري".ف"عدم تسجيل الأجير أو التوقف عن نفعه من تقديمات الصندوق الوطني للضمان الاجتماعي سواء لناحية فرع المرض والأمومة أو تعويض نهاية الخدمة يحول دون تمكينه من صون صحته وصحة من هم بعهدته عبر حجب أو الحد من إمكانية تأمين الطبابة والاستشفاء له أو توفير الحد الأدنى من معيشته في شيخوخته فيعرضه للمس بسلامته وفي كرامته الإنسانية". كما تستوقفنا في الأحكام تذكيرها بأنه يتوجب تسجيل الأجراء "إلزامياً" لدى الضمان الإجتماعي بغض النظر عن مدى موافقة الشركة. ويكون حقّهم هذا غير قابل للتفاوض عليه من قبل العمال أو التنازل عنه أو الدخول في تسويات بديلة". كما ذكر مجلس العمل التحكيمي بالبديهيات التي تكاد تكون منسية ومفادها أن على الصندوق الوطني للضمان الإجتماعي موجب البحث عن العمال غير المسجلين والعمل على تسجيلهم، وإفادتهم من فروعه. كما اعتبر أن "على الشركة (بصفتها صاحبة العمل) مسؤولية تسجيلهم أيضاً وتسديد بدلات اشتراكهم. وفي حال تمنعها يعود للضمان أن يسلك كل الطرق الإدارية التي يمكنه من خلالها إلزام الشركة بالتسديد، من دون أن يتمكن من الإمتناع عن تغطية ضمانات العمال".
 

نشر في العدد 37 من مجلة المفكرة القانونية