قصة المفكرة القانونية مع رصد أعمال القضاء الذي يشكل أحد أهم أسباب وجودها طويلة. فمنذ قيامها، أعلنت المفكرة أن هدفها الأساسي هو أن تخصص للشؤون القضائية، وتالياً لقضايا الناس المطروحة أمام القضاء، حيزاً أكبر في المساحات العامة. والنجاح في ذلك يفترض أمرين: إعادة الاعتبار لقضايا المواطنين مع تحويل قضاياهم محوراً للاهتمام العام من جهة، وإعادة الاعتبار للقضاء كمرجع للمواطن الذي يعاني من غبن وكمسرح للقضايا الاجتماعية من جهة ثانية. وبالطبع، عمل مماثل ليس تبشيرياً ولا توعوياً، بل هو بالدرجة الأولى عمل بحثي وميداني كما تشهد على ذلك أعمال المفكرة التي تتخذ دوماً من الواقع منطلقاً لها. كما أنه ليس عملاً تقنياً محضاً ذا رؤية مجتزأة، بل هو عمل سياسي ذو رؤية وطنية بامتياز، ما دام اجتماع هذه الأمور يؤدي الى تعزيز المواطنة والديمقراطية وفصل السلطات.

ومن أجل تحقيق ذلك، بذلت المفكرة جهوداً كبيرة منذ تأسيسها لتطوير عملها ومواردها، فاستحدثت وسائل إعلامية خاصة بها (مجلة أصبحت شهرية وموقعاً إلكترونياً). وقد سمحت هذه الوسائل بتعزيز المعرفة بالتطبيق الفعلي للقانون من دون الإكتفاء بنصوصه التي قد تبقى من دون مفعول أو بمفاعيل محدودة وأيضاً في إزاحة اللثام عن إشكاليات أساسية في تنظيم القضاء تؤدي الى التحكّم بالقضاء تحت غطاء إصلاحه. كما سمحت هذه الوسائل في فضح العديد من ممارسات القوة التي تتخذ من القضاء والنيابات العامة والضابطة العدلية وسائل للتخويف ولفرض التسليم بالظلم. وقد سعت المفكرة في بداية 2014 مع شركائها (إتحاد المقعدين اللبنانيين وجمعية سكون) إلى مأسسة هذه الجهود وتطويرها من خلال إنشاء المرصد المدني لاستقلال القضاء وشفافيته.

وعملياً، أعلن المرصد منذ إنشائه نيّته التركيز على أمرين اثنين:

الأول، مراقبة عمل المحاكم وذلك من خلال الأحكام الصادرة عنها ولكن أيضاً من خلال مشاهدات حسية لجلسات المحاكمة. واعتمد المرصد في هذا المجال على مبادرة العاملين فيه ولكن أيضاً على مبادرة العاملين في المجال القضائي والمتقاضين في لفت انتباهه الى قضايا أو ممارسات معينة. كما شمل الرصد أي تدخل في أعمال القضاء، إيماناً منّا بأن من شأن فضح هذه التدخلات أن يشكّل مدخلاً أساسياً لضمان استقلال القضاء ووقف الممارسات الحاصلة حالياً بشكل واسع. وتجدر الإشارة هنا إلى أنه رغم أن التدخل في القضاء جرمٌ، فإن النيابات العامة تمتنع عن مباشرة أي ملاحقة بشأنه، فيما يتعامل معه كثيرون من القضاة والمحامين والمتقاضين على أنه أمر عاديّ.

الثاني، رصد الإشكاليات المتصلة بالتنظيم القضائي وبالسياسات العامة المعتمدة في هذا المجال. فما هي السياسات المعتمدة لتعزيز استقلال القضاء وشفافيته؟ وما هي السياسات المعتمدة في مجال أصول المحاكمات والمعونة القضائية لضمان شروط المحاكمة العادلة؟ وما هي السياسات المعتمدة على صعيد تنظيم مهنة المحاماة على نحو يمكّن المحامين من أداء مهامهم أداءً مناسباً ومستقلاً؟ ... الخ.
بقي أن نذكر أن هذا المرصد شكل عند إنشائه ثالث مرصد عربي يهدف إلى دعم استقلال القضاء وشفافيته، وذلك بعد المرصدين التونسي والمغربي لاستقلال القضاء. وهو يرى نفسه من هذه الزاوية جزءاً من شبكة إقليمية تلتقي في مقاربة إصلاح القضاء على أنه أولوية إجتماعية وجزء أساسي من أي إصلاح حقيقي ودائم.

طوال السنتين الأولين من حياته، ثابر المرصد على متابعة الشؤون القضائية وعلى تطوير طاقاته وآليات عمله. وقد أدّى ذلك إلى نشر عدد كبير من المقالات في مجلة المفكرة القانونية وأو في موقعها الإلكتروني، رأينا من المفيد جمعها في هذا المجلّد تسهيلاً على الباحثين والناشطين والإعلاميين، وإبرازاً لنتاج المرصد وماهية عمله. ولهذه الغاية، قسّمنا المقالات في أبواب عدة، تشمل على التوالي التنظيم القضائي والجدلية القائمة بين الإعلام والقضاء والأحكام الهامة من الناحية الحقوقية والقضايا الإشكالية فضلا عن الدعاوى ذات الأبعاد الاستراتيجية وحراكات القضاة. وهذا الكتاب يحمل الرقم (1) دلالة على طموح المرصد في نشر كتب دورية توثق أعماله في السنوات المقبلة. وبالطبع، يشكل جمع هذه المقالات وتبويبها مناسبة لتقييم المرصد وخصوصاً لمدى نجاحه في إعطاء صورة واضحة عن الواقع القضائي. ومن أهم مجالات نجاحه، متابعته للتنظيم القضائي العدلي والقضايا والأحكام ذات الأبعاد الحقوقية والاستراتيجية. كما سعى باحثوه إلى استدراك أي تقصير في هذا المجال من خلال إعداد دراسات لاحقة كما هي الحال في قضايا الإيجارات. بالمقابل، بقيت أعماله دون طموحاته لجهة رصد التدخّلات أو عوامل التمييز والفساد في المجال القضائي أو لجهة أعمال القضاء الطائفي، وهي أمور تستدعي مزيداً من المثابرة والطاقات.

وتجدر الإشارة إلى أن المرصد قام إلى جانب ما تقدم، بدرس نتاج عدد من المحاكم في فترات معينة، وهي تحديداً مجالس العمل التحكيمية في بعبدا وبيروت وطرابلس ومحكمة المطبوعات في بيروت ومحكمة التمييز الناظرة في استئناف أحكامها، فضلا عن درس نتاج القضاة الناظرين في قضايا الإيجارات في مختلف المناطق. كما وثّق المرصد المجريات القضائية الحاصلة في إطار ملاحقة متظاهري الحراك الحاصل في صيف 2015 احتجاجاً على أزمة النفايات، وخصوصاً من زاوية نشاط لجان المحامين المتطوعين للدفاع عن هؤلاء. فضلاً عن ذلك، أجرى المرصد دراسة حول الآليات القضائية المتاحة لتفعيل حقوق المعوقين المكرسة في قانون 220/2000. وسينشر مجموع هذه الدراسات في مجلّد ثانٍ للمرصد ما يزال العمل جارياً على تحريره وتنقيحه. وستضمن هذا العدد بعض أبرز خلاصات هذه الدراسات.

في النهاية، يصحّ وصف المرحلة الأولى من عمرالمرصد بأنها مرحلة إستكشاف لصعوبات عمله. ومن أهمّ هذه التحدّيات، الآتيّة:

-       إعداد فريق عمل مؤهّل ومتخصّص لمتابعة القضايا القضائية في قصور العدل. وقد أحرزت المفكرة على مدار السنتين السابقتين تقدماً في هذا المجال، نأمل أن نعززه في السنين القادمة من خلال حضور أكثر كثافة وانتشاراً في المحاكم اللبنانية في مختلف المناطق. كما نأمل في تطوير أساليب ومنهجية العمل المعتمدة، سواء في حضور الجلسات أو في تحليل أعمال المحاكم أو في الاستماع إلى الشكاوى،

-       تسهيل الوصول إلى المعلومة في ظلّ غياب الضمانات القانونية للشفافية في المحاكم وفي الهيئات القضائية على اختلافها، سواء اتصلت المعلومة بالتنظيم أو بالعمل القضائي. وفيما بحث المرصد عن حلول موضعية لتجاوز العوائق التي تحول دون الحصول على المعلومة، فإنه سيسعى في سنواته القادمة إلى تقديم مقترحات لحلول عامة من شأنها تعزيز الشفافية في هذا المجال. وقد يكون الممر الضروري لتحقيق ذلك هو تكوين قوة ضغط من هيئات إعلامية وحقوقية للتفاوض مع وزارة العدل والهيئات القضائية والضغط عليها عند الإقتضاء، 

-       إبراز المرصد كمرجع لمن يتعرّض لانتهاك في المجال القضائي، سواء كان محامياً أو قاضياً أو متقاضياً. وهذا الأمر يتطلب مثابرة وبذل جهود مضاعفة للتعريف بالمرصد وبمهامه ولبناء ثقة بينه وبين هؤلاء. كما يتطلب إبراز عدد من النجاحات من شأنها إقناع هؤلاء بأهمية اللجوء إليه. وفي نهاية السنتين الأولين لعمل المرصد، يتعين علينا الإعتراف بأنه لا يزال أمامنا طريق طويلة لتجاوز هذه الصعوبة،

-       العمل على تعزيز الثقافة الديمقراطية في المجال القضائي. فعدا أنّ المرصد كفكرة يظهر بمثابة تحدّ لمجموعة من الأعراف والعوائد (هيبة القضاء، موجب التحفظ...)، مفادها إبقاء الشؤون القضائية خارج التداول الإعلامي، فإنّ طبيعته النقدية تشكّل خروجاً عن نظام المجاملة الذي يتحكّم بالمجال العام برمته. وعليه، من شأن أي نقد يوجّه لمرجع معين، مهما كان محقّاً، أن يولّد تدابير انتقامية وردود أفعال قد تؤدي إلى جعل الوصول إلى المعلومة أكثر صعوبة. وعليه، يتعيّن على المرصد أن يعمل رويداً رويداً على تذليل بعض المفاهيم الموروثة والعوائد غير الديمقراطية، في سبيل ضمان حقه بالنقد كإحدى أهم ضمانات المتقاضين بمحاكمة عادلة.       

نشر في العدد 37 من مجلة المفكرة القانونية