بالعودة إلى النصوص المعمول بها، يخضع القضاة العدليون لتقييم سنويّ ينتقص إلى ضمانات الشفافية والإستقلالية. فهذه النصوص[1] توجب أن يتم تقييمهم من قبل رؤسائهم المباشرين، وذلك من خلال تعمير إستمارة حدّدت الوزارة عناصر التقييم فيها مسبقاً[2]. وتنحصر عناصر التقييم في نشاط القاضي ومواظبته وانسجامه مع رؤسائه في العمل، ويحرر الرئيس ملاحظات أخيرة عادة ما تتعلق باقتراح إسناد القاضي خطة قضائية أو على العكس في بعض الحالات، طلب استبعاده من المحكمة. كما يمنح الرئيس الإداري المباشر للقاضي عدداً صناعياً،  كل ذلك بطريقة سريّة من دون أن يكون للقاضي الحقّ في الإطلاع أو الإعتراض. وكمعظم النُظُم القضائية التي تستثني بعض القضاة من الرتب العالية من التقييم، يستثني النظام القضائي في تونس قضاة الرتبة الثالثة من التنقيط والتقييم الصناعي بما يؤثر سلباً عند المفاضلة بينهم في إسناد الخطط.

وأمام تأخر إرساء المؤسسة القضائية الدائمة وتأخر صدور القانون الأساسي للقضاة، كان لا بدّ للهيئة الوقتية للقضاء العدليأن تشرع في تطوير نظام التقييم. فاعتمدت عند إعدادها للحركة القضائية 2015/2016 آلية جديدة لتقييم القضاة وعملهم إيماناً منها بأن المرحلة تقتضي إضفاء مزيدٍ من الشفافية والدقة على الحركة القضائية، والحرص على أن يتم إسناد الخطط القضائية لمن يستحقها علماً وصناعة ونزاهة وقدرة على الإدارة.

التجربة الاولى: جرأة في التصوّر وقصورٌ في الإعداد

تمثلت التجربة الأولى بوضع مجموعة من القواعد في قالب أسئلة يتولى رؤساء القاضي تعميرها بإسناد علامات للقاضي مبوّبة بدرجات متفاوتة وهي:

ممتاز: وهو القاضي الذي ينجز عمله بدرجة عالية من النجاعة والجودة،
جيّد: وهو القاضي الذي ينجز عمله دون تأخير وعلى أحسن وجه،
مقبول: وهو القاضي الذي ينجز عمله بطريقة عادية ومرضية،
دون المقبول: وهو القاضي الذي يجد صعوبة في إتمام عمله أو لا يتمّه على الوجه المطلوب.

وتعلقت مواضيع التقييم بالخصوص:

-       بالمؤهلات الشخصية العامة وتضمّ أحد عشر عنصر تقييم يتعلّق بسلوك القاضي وقوة شخصيته وكيفية تعامله مع محيطه من مساعدي القضاء ومتقاضين،

-       تقييم جودة العمل وتضمّ خمسة عناصر تقييمية وهي المعيار الصناعي والعلمي المرتبط أساساً بالكفاءة،

-       تقييم القدرة على إنجاز العمل وتتعلق بالمواظبة والإنتظام في العمل والإنخراط في ثقافة الفريق بالنسبة لأعضاء النيابة وكذلك التحكّم في التكنولوجيات الحديثة لتسهيل إنجاز العمل في أقصر الآجال،

وعلى المسؤول عن التقييم إعلام القاضي بما دوّنه في شأنه. ويمضي القاضي المعني بحصول العلم لديه بمحتوى التقييم، وله أن يقدم إعتراضه في أجل تحدده الهيئة مسبقاً.

إلا أنّ تصوّر الهيئة هذا لم يحظَ بالإعداد الجيّد. فلم تتمكن من تنظيم ملتقى إعلامي مسبق للتعريف بمشروع برنامج التقييم وعناصره وغايته والإستماع إلى ملحوظات مسؤولي المحاكم المتعلقة خاصة بالعقبات التي يمكن أن تعترضهم عند انجاز البرنامج. ومن أسباب التخلّف عن ذلك، الحيّز الزمني القصير الذي يجب أن تُنجز فيه الحركة وعدم تفرّغ أعضائها لأعمال الهيئة. وعليه، اكتفت الهيئة بالتعريف السريع والمبسّط لهذا البرنامج خلال زيارة أعضائها لمختلف محاكم الجمهورية. كما تجدر الإشارة إلى أن اعتياد القضاة على التقييم الفردي والسري والذي يبقى مجهولا من القاضي موضوع التقييم طيلة مسيرته المهنية حال دون إنجاح البرنامج ومثّل أكبر عقبة أمام استثمار نتائجه على الوجه الأفضل.

تفاعل القضاة: بين التحفظ والرفض

وجد غالبية مسؤولي المحاكم صعوبة في إنجاز التقييم وفق الإجراءات التي اشترطتها الهيئة،وقوامها تعمير الإستمارة المتضمنة للأسئلة بكل وضوح ثم إعلام القاضي الذي خضع للتقييم بمحتواها، فنتجت عن ذلك الأمور الآتية:

-       أنّ عدداً كبيراً من مسؤولي المحاكم إمتنع عن إجراء التقييم في حق جميع قضاة المحكمة الراجعين له بالنظر، وذلك لتجنّب مواجهة من يستحقّ تقييماً سلبياً.وقد أثّر هذا الموقف سلباً على حقوق القضاة المجتهدين الذين يستحقّون التشجيع. فبعدم رفع تقييمهم، لاقت الهيئة بعض العناء في إسناد الخطط القضائية لمن يستحقها في تلك المحاكم،

-       أنّ عدداً آخر من المسؤولين أنجز تقييماً فرديّاً وسريّاً فلم يعرضه على القاضي المعني به. وهذا التوجّه يعدّ أيضا ً تعدّياً على حق القاضي في الاطّلاع على تقييم رئيسه له، مع تفويت آجال الإعتراض عليه،

-       أنّ عدداً آخر اعتمدالمحاباة في تقييم جميع قضاة المحكمة دون استثناء وفي جميع النقاط وبعلامة ممتاز أو جيد جداً وتم إطلاع القضاة عليه. وهذا التوجه أيضاً أرسى تقييماً غير جدّي وذات أثر سلبيّ على حقّ القضاة الذين يستحقّون بالفعل علامة امتياز،

-       أن عدداً قليلاً من مسؤولي المحاكم بذل عناية وتفاعلاً إيجابياً مع البرنامج وأنجز عملاً جدياً ومسؤولاً، فقيّم كلّ قاضٍ بما يستحقّه سلباً أو إيجاباً حسب تفاوت الدرجات، ومكّن جميع القضاة من الإطلاع على التقييم مهما كان مضمونه. وأهم المحاكم التي تمّ فيها التقييم بعناية: محكمة الإستئناف بالكاف ومحكمة الناحية بسوسة.

التجربة الثانية: بين تطوير النظام وتجاوز الصعوبات

بخصوص الحركة القضائية القادمة 2016/2017، ما تزال مسألة التقييم مطروحةً أمام الهيئة. ويتعيّن عليها هذه المرة استدراك نقائص السنة السابقة بشأن الإعداد لعملية التقييم والعمل على تجاوزها. ولهذه الغاية، يجدر بها القيام بالخطوات التحضيرية الآتية:

-       تنظيم ملتقى أو أكثر مع المسؤولين الأول لمختلف المحاكم للتعريف بفحوى برنامج التقييم وتلقّي ملاحظاتهم واقتراحاتهم حول إمكانية تطويره والتباحث بشأن الإشكاليات التي أعاقت تجاوبهم معه والحلول الممكنة لتجاوزها،

-       تنظيم ملتقيات جهوية مع القضاة للتباحث بشأن عناصر مشروع التقييم وتلقي انتقاداتهم واقتراحاتهم للأخذ بها عند ضبط قواعده النهائية،
-       تكليف لجنة من أعضاء الهيئة تراعى فيها جميع الاختصاصات الموجودة تتفرّغ لتقييم المسار المهني للقاضي المؤهل لشغل خطة قضائية أولى، وذلك كمرحلة أولية في انتظار أن يتولّى المجلس الأعلى للقضاء تعميم آلية تقييم المسار المهني لكل القضاة،

-       تقييم كلّ من يطلب خطّة قضائية بالرتبة الثالثة (باعتبار أن قضاة الرتبة الثالثة لا يتم تقييمهم أسوة ببعض الأنظمة القضائية الاوروبية)، وذلك عن طريق الرئيس المباشر ومن خلال المسار المهني للقاضي،

-       تمكين القاضي من الإطلاع على التقييم الذي يعنيه؛ وله أن يدلي بملاحظاته بملف التقييم إن أراد ذلك أو الإعتراض على التقييم لدى الهيئة في أجل تحدّده مسبقاً.

ويمكن اعتبار هذه الخطوات أساسية لتطوير جودة العمل القضائي وخاصة بالنسبة لقضاة الرتبة الثالثة. فبالإمكان إخضاع هؤلاء لتقييم خاصّ يهمّ كامل مسيرتهم المهنية صناعياً وسلوكاً وإن بقوا خارج دائرة التقييم السنوي. وستحصر الهيئة هذا الإجراء بالنسبة للقاضي المؤهل لشغل خطة أولى في القضاء مثل رئيس أول لمحكمة استئناف أو حتى رئيس محكمة ابتدائية أو وكيل جمهورية لديها.

التطلع نحو الأحسن

إن إنجاح نظام التقييم يستوجب توفير إمكانيات وعناصر عدة، لدى المجلس الأعلى للقضاء حال قيامه. ومن أهمها الآتية:

-       أن يكون أعضاء المجلس المكلّفون بالإشراف ومراقبة عملية التقييم والإعتراض متفرغين لهذا العمل الكبير على الأقل لمدة ثلاثة أشهر قبل الشروع في إنجاز الحركة،

-       أن يكون للمجلس الموارد المالية لإعداد وإجراء الندوات والجلسات العلمية للتعريف بهذا البرنامج وتطويره بصورة دورية حتى يدخل في ثقافة النظام القضائي في تونس. فالإطار التشريعي لا يكفي وحده لإنجاح هذا البرنامج، إذا لم يكن معزّزا بقناعة القضاة بضرورة تغيير الأساليب القديمة،

-       أن يكون للمجلس إطار بشريّ للمساعدة على تجميع المعطيات وتنظيمها وأرشفتها والرجوع اليها عند الحاجة،

-       أن يشمل التقييم الإطلاع على الأحكام وتقييم جودتها القانونية شكلاً وأصلاً وتحريراً، وكذلك الشان بالنسبة لأعمال قضاة النيابة،

-       أن تُستحدث لجان جهوية للتقييم تتكون من رؤساء القاضي وقضاة منتخبين من نفس مركز العمل ومن رتبة أعلى من رتبة القاضي الخاضع للتقييم وذلك لرفع التحفّظ عن الرئيس المباشر ولبعث مزيد من الثقة لدى القاضي حين يكون أعضاء باللجنة منتخبين من زملائه، فيتم بذلك تكوين ملف تقييم لكل قاض يتم مراجعته دورياً،

في الختام، لا شك أن إرساء نظام تقييم للقضاة وعملهم يستوجب تكاتف جهود أطراف عدة، كما يستوجب إمكانيات مادية وبشرية هامة لإنجازه على أحسن وجه، الأمر غير المتوفر لدى الهيئة الحالية. لكنيُحسب للهيئة في غياب إطار تشريعي، وعدم تفرغ أعضائها، وانعدام إمكانياتها المادية، أنها بادرت بارساء أول برنامج للتقييم في النظام القضائي لتونسيقوم على الشفافية والوضوح والمواجهة. وإذ واجهت صعوبات حالت دون النجاح الفعلي للنظام الذي تصورته، فإنها ستكون مدعوة تبعاً لتأخّر إرساء المجلس الأعلى للقضاء، لتجربة ثانية في هذا المشروع الكبير يؤمل أن تسهم في تهيئة ملامحه الأولية والأساسية للمجلس القادم.

نشر في العدد 4 من مجلة المفكرة القانونية تونس


[1] طبق أحكام الفصول 33 و34 و35 من القانون عدد 29 لسنة 1967 المؤرخ في 14 جويلية 1967 المتعلّق بنظام القضاء والقانون الأساسي للقضاة.
[2] إستناداً الى أحكام الامر عدد 1706  لسنة 1994 المتعلق بضبط الشروط العامة لمنح الأعداد المهنية لأعوان الدولة