يعاني القضاء منذ أمد من ظاهرة جديدة هي ظاهرة عدم سوق الموقوفين الى المحكمة. وقد تفاقمت هذه الظاهرة بشكل خاص مع توزيع الموقوفين على مراكز الاحتجاز في المناطق، وبخاصة في طرابلس. والحجة الاعتيادية هي عموما "تعذر علينا سوق السجين لنقص في العديد والآليات"، وأحيانا ترد عبارة "تعذر" من دون تفصيل. وبمعزل عن أسبابها، تشكل هذه الظاهرة برأينا أحد أبرز مظاهر ازدراء القضاء وبالتالي حقوق المتقاضين، لأسباب عدة: أنها تؤثر على سير المحاكمة التي تصبح مشروطة بتوفر السيارات والعديد، أنها تؤثر على حرية الموقوف الذي يبقى محتجزا بانتظار استجوابه، أنها تجعل الانتقال الى المحكمة بمثابة امتياز يعطى لقلة من المحتجزين، وليس حقا لهم أو لخصومهم، مما يفتح الباب أمام شتى أساليب الرشوة والفساد، أنها تشكل جرما بمفهوم قانون العقوبات الذي تعاقب المادة 369 منه عدم سوق الشرطة للمتهمين الى قاعة المحكمة بالحبس من شهر الى سنة. 
 وهنا، تنشر "المفكرة القانونية" تعليقا على حكم يدل على عمق هذه الظاهرة ويسعى الى ايجاد حلول من شأنها التخفيف من آثارها السلبية. لكن هذه الحلول تبقى بالطبع منقوصة بغياب محاسبة حقيقية للادارة...  فما هو دور القضاء؟ ما هو دور وزارة العدل؟ هذا ما سنعمل على درسه في هاتين الصفحتين (المحرر).
بتاريخ 15-3-2012، أصدر القاضي المنفرد الجزائي في بيروت يحي غبورة حكما أفرد فيه مساحة هامة لمناقشة هذه الظاهرة وآثارها ودور القاضي في التصدي لها أو التخفيف من آثارها السلبية. وقد صدر هذا الحكم في قضية تشكى فيها أحدهم على شخص آخر (سوري التابعية) بسرقة أقفاص طيور لا تتعدى قيمتها مائة وخمسين ألف ليرة لبنانية، فتم التحقيق مع المشكو منه من قبل الضابطة العدلية وقاضي التحقيق كما تم توقيفه والادعاء عليه أمام القاضي الذي أصدر الحكم موضوع التعليق تبعا لاقراره بالسرقة. وكان القاضي قد أرجأ المحاكمة ثماني مرات نتيجة عدم سوق المدعى عليه "لنقص في العديد والآليات" الى جلسات المحاكمة مما أدى الى استمرار احتجازه لخمسة أشهر من دون أن يتمكن من استجوابه وفق ما تقتضيه الأصول. وانطلاقا من ذلك، وازاء "هذا الواقع الشاذ"، جاء الحكم بمثابة مجموعة من التساؤلات بشأن الطريق الأكثر ملاءمة للتعامل مع هذه الظاهرة.   
فأولا، وهو السؤال الأكثر بداهة، هل بامكانه اتخاذ قرارات من شأنها الزام آمر السجن بتأمين احضار الموقوف بطريقة من الطرق؟ وبالطبع، أول ما يتبادر الى الأذهان في هذا المجال هو تحريك الدعوى العامة ضد آمر السجن للامتناع عن ذلك، وفق المادة 369 من قانون العقوبات. وفي هذا المجال، تضمن الحكم حيثيات هامة تبرز مدى خطورة هذا الفعل، فعدم سوق الموقوف يشكل وضعا شاذا غير طبيعي يتعرض لحقوق أساسية، وهي الحق في المحاكمة، وبشكل خاص حق الموقوف في المثول أمام القضاء، "وهو حق أساسي مكرس بمقتضى الاعلان العالمي لحقوق الانسان الذي تتبناه مقدمة الدستور اللبناني، والذي يسمو حتما على التشريع". وتذكر المحكمة "بأن حق المثول أمام القاضي يعني في حالة الموقوف خصوصا أن يتأمن سوقه ضمن مهلة معقولة لا في لحظة تتراخى بلا حد". ولكن، ورغم ذلك، امتنع القاضي عن اتخاذ تدابير بحق آمر السجن: فهو "علم أن ما يجيب به رئيس الفصيلة (أي نقص السيارات والعديد) صحيح وأن الأمر عام بالنسبة الى السوق من الفصيلة المذكورة، وأن الضابطة العدلية المنوط بها تنفيذ أمر السوق غير مقصرة ضمن الامكانيات المتوفرة لديها، كي ما تقوم بواجبها بمحاسبتها". وهكذا، وفيما تميز الحكم باعطاء الظاهرة وصفا قانونيا يؤكد على خطورتها، أبدى القاضي بالمقابل حرصا على ابراء آمر السجن ومعه الضابطة العدلية من أي مسؤولية في هذا الصدد، وذلك على اساس "معلوماته الشخصية"، من دون أي تحقيق، ومن دون التأكد من الأسباب التي تدعو آمر السجن الى انتقاء موقوفين من دون آخرين، وأخيرا من دون اتخاذ أي اجراء لتحديد الهيئة المسؤولة عن نقص السيارات والعديد مما كان ليسمح بمساءلة من هم أعلى من آمر السجن. فاكتفى في مكان آخر بوصفها بالسلطة الاجرائية. وقد بدا القاضي من خلال ذلك وكأنه يحدد اطار صلاحياته ودوره في هذه القضية: فالمسألة ليست مسألة أخطاء شخصية هنا أو هنالك، بل هي مسألة خيارات اجتماعية وسياسية للسلطة الاجرائية برمتها التي هي تحدد كيفية توزيع الموارد البشرية والمادية. وما يعزز هذه القراءة هو قراره  بتوجيه صورة عن هذا الحكم، بواسطة حضرة الرئيس الأول لمحكمة الاستئناف، الى جانب وزارة العدل للتفضل بالاطلاع والتنسيق مع الوزارة المولجة أمن السجون وتأمين السوق للعمل على معالجة هذه الظاهرة في أقرب وقت ممكن. 
وانطلاقا من ذلك، يكون القاضي قد حصر دوره في لفت نظر وزارة العدل الى هذه الظاهرة، بما سببته من اطالة أمد توقيف المدعى عليه ومنع مثوله امام المحكمة لابداء دفاعه، والتنديد بها من دون التوغل في استخدام وسائل المساءلة التي سارع الى استبعادها. وهو بذلك عكس رؤية قد تكون الأكثر واقعية لدور القاضي في مساءلة السلطة الاجرائية. 
وهذه الخلاصة تقودنا الى السؤال الثاني، وهو الحلول المتوفرة لدى القاضي لضمان حقوق الخصوم، وخصوصا الموقوف، في ظل واقع مماثل هو بمثابة قوة قاهرة ليس بامكان القاضي تجاوزها بما لديه من وسائل. فألا يكون آمر السجن مسؤولا عن عدم سوقه، "لا يعني أن يتحمل الموقوف بالمقابل وزر تقصير السلطة الاجرائية في تأمين آليات لسوقه لممارسة حقه في المثول أمام القضاء". فبالاضافة الى أن استمرار احتجاز الموقوف يؤدي الى تحميله مسؤولية وضع ليس مسؤولا عنه، فهو يشكل اعتداء سافرا على حقوقه الأساسية... مما يفرض على المحكمة الخروج عن صمتها لاتخاذ "الاجراء الأكثر توافقا مع مصلحته والمصلحة العامة معا".
ولكن ما هو هذا الاجراء؟
هنا، درس القاضي امكانية اللجوء الى تدبير من اثنين: اخلاء السبيل، أو اختتام المحاكمة واصدار الحكم من دون استجواب المدعى عليه. وفيما بدا أكثر اقتناعا بالتدبير الأول من حيث المبدأ، فانه اعتمد التدبير الثاني في حكمه لأسباب عملية. فاتخاذ التدبير الأول يحتاج الى طلب من الموقوف أو محاميه بهذا الشأن، وهو أمر يعجز عنه الموقوف الذي ليس له محام بسبب عدم احضاره الى المحكمة. وانطلاقا من ذلك، يصبح التدبير الثاني ضرورة يتعين على المحكمة اللجوء اليها لوضع حد لهذا الواقع الشاذ، عملا بواجبها "بحماية الحقوق الأساسية للأفراد" والذي يسمو على واجبها بالتقيد بالشكليات ولا سيما اذا سببت ضررا. وللتوصل الى ذلك، استعانت المحكمة بقواعد تأويل بالغة الأهمية: أولا، أن من واجب المحكمة أن توازن بين واجباتها (احترام شكليات المحاكمة اي الاستجواب) و(حماية الحقوق الأساسية للأفراد ازاء استمرار التوقيف) بحيث يتعين عليها أن تنحاز الى الواجب الذي يضمن اقرار الحقوق الأسمى، فـ "لأن كان من واجب المحكمة أن تستجوب المدعى عليه قبل اختتام المحاكمة عندما يكون موجودا، كما هي الحال في الدعوى الراهنة، تقيدا بغير مبدأ يرعى أصول المحاكمة، الا أنه من واجبها أيضا، أن تحمي الخصوم من أي شذوذ قد يطالهم من جراء وضع غير طبيعي يتعرض لحقوقهم الأساسية في المحاكمة، وكلما كانت الحقوق المومأ اليها أسمى، كلما أضحى الواجب الثاني مقدما على الأول".
وثانيا، أن من واجب المحكمة تأويل القوانين عملا بالقاعدتين الكليتين الناطقتين أن المشقة تجلب التيسر وأن الضرورات تبيح المحظورات necessitas legem non habet، وقد وضعت المحكمة أن هاتين القاعدتين المنصوص عليهما في مجلة الأحكام العدلية ما تزال كل منهما سارية المفعول وجزءا أساسيا مركزيا في القانون الوضعي اللبناني.
والواقع أن حيثيات الحكم هنا بالغة الأهمية على أكثر من صعيد: فعلى صعيد المبادئ العامة، شكل الحكم تطبيقا جديدا لمبدأ موازنة الحقوق والمصالح الجديرة بالحماية والمعروضة امامها، بانحيازه الى المصلحة الأكثر سموا مع التضحية بالمصالح أو الأصول الأخرى. كما أنه أعاد التأكيد على نفاذ بعض القواعد المنسية من المجلة وهي قواعد من شأنها أن توسع هامش الاجتهاد. ولكن، بالمقابل، وعملا بهذه القواعد نفسها، ساغ التساؤل عن الحل الذي توصل اليه الحكم على أساسها: فاذا كانت الضرورات تبيح المحظورات في القضية الراهنة (اختتام المحكمة من دون استجواب المدعى عليه)، فلا نفهم لماذا حللت المحكمة تجاوز الشكليات المتمثلة بـ "ضرورة الاستجواب"، فيما أنها عدت الشكلية المتمثلة بورود طلب اخلاء سبيل ضرورة لا مجال لتجاوزها، علما أنه كان من شأن تجاوز الشكلية الأخيرة أن يحفظ مصلحتين ساميتين وهما منع استمرار احتجاز المدعى عليه وحقه بالدفاع عن نفسه، فيما أن تجاوز الشكلية الأولى أدى عمليا الى حماية مصلحة سامية واحدة (منع استمرار احتجاز المدعى عليه) مع التضحية بحقه بالدفاع عن نفسه. فتماما كما أنه لا مجال لتحميل المدعى عليه وزر أعمال السلطة الاجرائية من خلال اطالة أمد توقيفه، لا مجال لتحميله هذا الوزر من خلال منعه من الدفاع عن نفسه. فضلا عن ذلك، فان للجوء الى اخلاء السبيل أهمية رمزية كبرى، بحيث يتساوى وضع المستمر توقيفه بسبب العجز المتكرر والمتمادي عن سوقه الى المحكمة بالموقوف تعسفا (والذي هو يسوغ اطلاق سبيله من دون طلب مسبق)، طالما أن استمرار توقيفه مبني على أسباب واقعية (سواء كانت ضرورات أو مخالفات أو انتهاكات) أكثر مما هو مبني على قرار قضائي الذي هو وحده يجعل التوقيف قانونيا.

نشر في العدد الخامس من مجلة المفكرة القانونية