1 ـ مقدمة

بعد بداية النزاع المسلح سنة 2011، بدأ يطفو على السطح، حديث عن الاعتداءات الجنسية، حديث كان من قبل في عداد الطابوهات[1]. وقد كانت بداية خروج هذه الظاهرة إلى العلن في تونس مع العائلات الليبية النازحة بسبب الحرب حيث لاحظ مجموعة من الحقوقيين الليبيين أن من بين الفارين من ليبيا إلى تونس ضحايا قد تعرّضوا للعنف الجنسي وأنهم يعانون من مشاكل صحية[2]، واجتماعية[3]، ومالية[4] وحتى إدارية[5] بسبب هذا الاعتداء.

وبعد انتهاء النزاع المسلح ونجاح أول انتخابات تشريعية، بادر وزير العدل صلاح المرغني إلى وضع مشروع قانون للمعنفات والمغتصبات في باكورة 2013.وقد انبنت مواده على أمرين اثنين:

1 ـ رغبات الضحايا المعبر عنها بشكل مباشر، بعد سؤالهن عن احتياجاتهن من الدولة،

2 ـ المزايا المنصوص عليها في المادة 3 من القانون رقم 4 لسنة 2013[6] في شأن تقرير بعض الأحكام المتعلقة بذوي الاعاقة المستديمة من مصابي حرب التحرير، حيث قرر القائمون على صياغة المشروع إنه يجب معاملة هؤلاء الضحايا المعاملة ذاتها التي قررتها الدولة لجرحى الحرب.

وبعد عرض مشروع وزارة العدل على السلطة التشريعية (المؤتمر الوطني العام) في شهر مايو 2013، رفض أعضاء السلطة التشريعية إقراره في مسعى لإنكار هذه الانتهاكات. وقد علّل هؤلاء موقفهم بأن القانون يتعارض مع القيم المجتمعية والدين القويم لليبيين الذي أمر بالتستر على مثل هذه الوقائع، وبأن القانون، في حال إقراره، سيفتح باباً تدخل منه بعض المنحرفات بدعوى أنه تم اغتصابهن بسبب مواقفهن من النظام السابق. واشترط بعض الأعضاء مجيئ الضحايا بأنفسهن إلى جلسة من جلسات المؤتمر الوطني العام للمطالبة بإصدار القانون، ليتم التأكد من صحة ادعائهن. وبالطبع، كان يستحيل التجاوب مع هذا الشرط لتعارضه مع مبدأ السرية المعتمد في نيل ثقة الضحية[7].

وبفضل تفهم الوزراء لأهمية مشروع القانون، وصدق القضية الكامنة وراءه، قرر مجلس الوزراء اعتماد المشروع في صورة قرار صادر عن مجلس الوزراء رقم 119 لسنة 2014 بشأن معالجة أوضاع ضحايا العنف الجنسي. وقد كشف القرار بجلاء وجود اختلاف في السياسة التشريعية التي ترتكز عليها كلتا السلطتين: التشريعية والتنفيذية وقت عرضه أي في 2013/2014. فالبرلمان كان ينتهج سياسة تتبنى المفهوم التقليدي للقيم التي تفضل الصمت وعدم الإشارة إلى الإنتهاكات الجنسية التي وقعت على النساء الليبيات زمن النزاع المسلح، حفاظاً على الآداب العامة والنظام العام، ومراعاة للتقاليد والعادات عن هذه الوقائع. بالمقابل، اتخذت الحكومة سياسة تشريعية ذات منحى تقدمي. فهي اعتمدت مفهوما حديثا للقيم: فمن حق الضحية أن تنال اعتراف المجتمع بالإنتهاك الذي تعرضت له، وأن تنال اعتذاراً مجتمعياً يتمثل في محاولة تعويضها عما لحق بها من أذى، باعتباره شرطا لازما لتحقيق المصالحة الوطنية وإصلاح ذات البين وترسيخ السلم الاجتماعي والتأسيس لدولة الحق والقانون[8].

ويجدر بنا الإقرار بأن مشروع القانون غير مسبوق، على المستوي  الاقليمي والدولي وهو يؤسس لخطوة مهمة في طريق العدالة الانتقالية.
 
أولاً : الحماية المدنية التي يكفلها مشروع القانون لضحايا العنف الجنسي:

نلاحظ أن أساس القانون تعويض مادي مبني على مزايا مالية في مجملها من بينها[9]: منحة شهرية، تأمين طبي، أولوية في التعيين، أولوية في الحصول على قرض سكني، منح فرصة للتدريب والتأهيل العلمي والدراسة بالداخل والخارج، وتحديد حصة محددة سنوية في أفواج الحجيج.

ولعل بعض هذه المنح لازمة لجبر الضرر الواقع على الضحية ولمساعدتها على بدء حياة كريمة من جديد. إلا أن بعض هذه المزايا يمكن الاستغناء عنها بدون أن يؤثر ذلك على الهدف المرجو تحقيقه من القانون وبما يخفف الأعباء المالية عن الدولة.

كما أن مشروع القانون لم يسعَ إلى إرساء بنية تحتية داعمة للرعاية النفسية والاجتماعية للضحايا وخصوصا لجهة تدريب الأطباء وعلماء النفس على التعامل مع هذا النوع الضحايا. ويجب أن نؤكد على أهمية متابعة الضحية وعائلتها من الناحيتين النفسية والإجتماعية. فضحية الإغتصاب في المجتمعات المحافظة كالمجتمع الليبي تدفع الثمن مرتين؛ المرة الأولى عند الفشل في حمايتها، ومرة أخرى عند محاسبتها هي على ما تعرضت له من انتهاك لا إنساني. كذلك غابت الإشارة إلى تأسيس جمعيات خيرية ومؤسسات المجتمع المدني تحمل على عاتقها دعم أولئك الضحايا مادياً ومعنوياً.

ثانياً :الحماية الجنائية التي يكفلها مشروع القانون لضحايا العنف الجنسي:

قائمة المزايا المقدمة للضحايا ذٌيّلت بإشارة وحيدة ـ وعلى استحياء ووجل ـ إلى مساعدة المغتصبات في التتبع القانوني للجناة، والعمل على تقديمهم للقضاء. وقد سعت جمعيات أهلية ليبية إلى جمع أدلة وبراهين تدين رئيس الوزراء في النظام السابق، البغدادي المحمودي، بالانتهاكات التي وقعت لعدد من النساء الليبيات خلال النزاع المسلح. وقام النائب العام الليبي بإرسال ملف التحقيق إلى القضاء التونسي[10]، بناء على تلك الأدلة والاستدلالات. وعلى الرغم من صعوبة تحديد رقم لحالات الاغتصاب بسبب الحرب، يتم التحقيق في هذا المجال بشكل سري من دون ذكر أسماء فيما أُحيل إلى النائب العام الليبي. كما تدعي عديد من المنظمات الناشطة في الشؤون الاجتماعية، التابعة للمجتمع المدني الليبي، حيازة تقارير طبية تؤكد قيام النظام السابق بالتحريض على الإغتصاب، وهو أمر أقر به المعتقلون من جنود جيش القذافي[11].

ويلحظ أنقانون العقوبات يخلو من نص صريح يشير الى العنف الجنسي في زمن الحرب. فهو نص فقط على جريمة المواقعة التي تقع بدون ظرف الزمن وذلك في المادة (407) من قانون العقوبات الليبي، وفرق بين أن تقع بالإكراه وأن تقع بالرضى من حيث مقدار الجزاء الجنائي.

ويبدو هذا النص غير ملائم للوقائع التي أمامنا سواء من حيث عدم دقة انطباق الركن المادي لأننا أمام فعل اُرتكب في زمن الحرب، أو الركن المعنوي لأن الفعل يصاحبه قصد جنائي خاص وهو نية هزيمة العدو وكسب المعركة بتوسل هذا الفعل غير الأخلاقي، أو من حيث عدم ملاءمة العقوبة وتناسبها مع فداحة الجرم. فهي لا تتعدى العشر سنوات سجن إلا بظروف تشديد معينة ليس من بينها ارتكاب الفعل زمن الحرب.

2 ـ مدى كفاءة وفاعلية القرار الوزاري

أخيرا صدر المشروع  في شكل قرار وزاري،  وتفصح ديباجة المشروع عن هدف القانون المزمع اصداره :

1 ـ إجراء المعالجات اللازمة للفظائع التي ارتكبت خلال الحرب من النظام السابق وما ترتب عليها من نتائج.

2 ـ اعترافاً بضحايا ظلمت ولم تنل أيّ حق من الرعاية أسوة بالفئات الأخرى ."

إلا أن القول بحصول اعتراف بالضحايا يبقى منقوصاً في ظل رفض إثرار المشروع من قبل السلطة التشريعية الممثلة للشعب. فعلى أهميته، يبقى القرار الوزاري معيوباً لاغتصاب السلطة التشريعية؛ وهذا ما يجعله معدوماً ولا قيمة له لصدوره من جهة الادارة. فموضوعه لا يدخل مطلقاً في اختصاص الوظيفة الإدارية، حيث إنه يتعلق بالمواطن؛ حقوقه واجباته وكرامته. كما يحتوي على التزامات مالية ملقاة على عاتق الخزانة العامة، وهي أمور يجب أن ينظمها عمل تشريعي. كما أن قيام السلطة التنفيذية بتنظيم أيّ موضوع خارج عن نطاق اللوائح المستقلة والمتمثلة في لوائح المرافق العامة ولوائح الضبط الاداري، يعد مخالفاً للقواعد الدستورية[12]، وفق ما نصّ عليه الإعلان الدستوري الصادر عن المجلس الانتقالي في 3/8/2011.

3 ـ مستقبل القرار:

لعل النظرة الاستشرافية لتصور مستقبل قانون معالجة ضحايا العنف الجنسي تتطلب رصداً للوضع الحالي. ويمكن القول بأن السلطة التنفيذية قد وجدت في القرار الوزاري ما يمكنها من الحراك التنفيذي؛ خارجياً بطلب وتلقي المشورة والدعم الدوليين[13]، وداخلياً بإصدار قرارات تنفيذية لتطبيق القانون. فقد تم الاتفاق على إعداد قاعدة بيانات إحصائية على مستوى المستهدفات بالقرار الوزاري. وعلى صعيد تنفيذي مالي، أصدر وزير العدل القرار رقم 904 لسنة 2014 بشأن تنظيم صندوق معالجة أوضاع العنف الجنسي، تبعيته حالياً لوزارة العدل، ثم ستنقل لوزارة الشؤون الاجتماعية (المادة 5 من قرار وزير العدل). وتم فتح الحسابات للصندوق الذي سوف يبدأ تمويله بهبة من وزارة العدل[14]

أما عن السؤال الرئيسي: هل سترقى القاعدة القانونية لمستوى التشريع الصادر عن ممثل الشعب أي السلطة التشريعية، ذات الاختصاص الأصيل بالتشريع؟ بهذا الشأن نلمس تفاؤلاً كل من بعض ممثلي السلطة التنفيذية والتشريعية في ليبيا حالياً، الناتج عن وحدة السياسة التشريعية لديهما. فوزارة العدل متفائلة بخصوص مستقبل هذا المشروع لإعادة طرحه على البرلمان، لكي يقره كقانون. أما عن السلطة التشريعية، فقد أكدت بعض السيدات في مجلس النواب، على أنهن قدمن مقترحاً إلى رئاسة مجلس النواب للمطالبة بإقرار قانون ضحايا العنف الجنسي. ولقد وقع على هذا المقترح أكثر من خمسين نائباً. ولعلي ذات نظرة أكثر تشاؤمية من السابق وأقول أني أرى القرار وقد ولد في ظل ظروف زمانية ومكانية وأمنية تختلف عما هي عليه الحال حالياً، مما يعدم أي أمل في إعادة طرحه من جديد. فالسلطة التشريعية موجودة في المنطقة الشرقية من ليبيا، حيث لم ترصد حالات لضحايا العنف الجنسي، وحيث البعد الزماني عن أحداث فبراير 2011، بالاضافة إلى الأحداث السياسية والإضطرابات الأمنية وخطر الإرهاب المنتشر في البلاد. كل هذه الحيثيات كفيلة بجعل فكرة تبني هذا القرار الوزاري كقانون صادر عن السلطة التشريعية فكرة بعيدة عن قائمة أولويات المشرّع الليبي حالياً.
 
نشر في العدد 4 من مجلة المفكرة القانونية 


[1]ذكر بان كي مون الدول العربية التي استخدم فيها العنف الجنسي : اليمن .ليبيا . سوريا .العراق .السودان . الصومال , كان ذلك في تقريره المقدم لمجلس الامن في 15/4/2015م حول العنف الجنسي المتصل بالنزاعات المسلحة عن العام 2014م.
[2]الإجهاض او النزيف او سواها من الإصابات الجسدية البالغة .
[3]الطلاق بالنسبة للمتزوجات والنبذ بالنسبة للفتيات
[4]انعدام المأوى نتيجة للهرب أو لطرد العائلة
[5]عدم وجود اوراق ثبوتية , إما لكونها هربت بدونها , وإما لكونها تؤثر عدم إبرازها لكي لا تكشف عن ذاتها .
[6]الجريدة الرسمية ,العدد 05 ,السنة الثانية , بتاريخ : 21/3/2013م , ص: 246
[7]إفادة مكتوبة من عضو سابق في المؤتمر الوطني العام وهو السيد : جمعة اعتيقه , قدمت للباحثة بتاريخ 22/6/2015م .
[8]التفرقة بين المفاهيم القيمية , نجيب الحصادي في كتاب المسح القيمي منشورات مركز البحوث والاستشارات ,2015م
[9]المادة الثالثة من مشروع القانون .
[10]حيث إن المحمودي قد سبق احتجازه في السجون التونسية واتهامه بتهمة عبورالحدود بطريقة غير مشروعة , وتمت تبرأته من قبل محكمة توزر في يوم الثلاثاء 13فبراير 2012م
[11]ورد ذلك في تقرير نعيمة المصراتي 18/7/2013م في صفحة ليبيا المستقبل على شبكة الانترنت http://www.libya-al-mostakbal.org
[12]عصام علي الدبس ,"أثر تحديد الطبيعة القانونية للأنظمة المستقلة على الرقابة القضائية على مشروعيتها " مجلة كلية بغداد للعلوم الاقتصادية ,العدد 25 ,سنة 2015م ,ص :279 وما بعدها
[13]الامم المتحدة , الجمعية العامة , مجلس حقوق الانسان ,الدورة 28 البندان 2_10 من جدول الأعمال , التقرير السنوي لمفوض الامم المتحدة السامي لحقوق الانسان .
[14]السيدة وكيل وزير العدل لحقوق الإنسان في مقابلة أجرتها معها الباحثة بتاريخ :1/6/2015م.