قد يبدو للمراقب أن الشؤون القضائية حظيت خلال العشرين سنة الماضية باهتمام إعلامي لافت في لبنان. وبالفعل، لقد أفردت الجرائد والشاشات صفحاتها ومقدماتها لتغطية قضايا عديدة كمحاكمات سمير جعجع (1994-1999)؛ اقفال محطة الـ ام.تي.في. في أيلول 2002 وأزمة التشكيلات والتعيينات القضائية التي استغرق حلّها حوالي أربع سنوات (2005-2009). إلا أنه سرعان ما يظهر أن هذه التغطية الإعلامية ركزت على الشقّ السياسيّ لهذه القضايا متجاهلة في معظم الأحيان الأبعاد القضائية والإجتماعية الأخرى لا سيما المسائل الجوهرية المتعلقة بتحصين القضاء وحماية استقلاليته وتفعيل عمل المؤسسة القضائية.

أما اليوم، فإننا نشهد تراجعاً أكبر في تغطية الشؤون القضائية لصالح المسائل السياسية والأمنية. وقد انعكس ذلك على الصحف بشكل مباشر إذ ألغيت معظم الصفحات القضائية ودمجت ضمن أقسام أخرى. ويقابل هذا الواقع تعاملٌ حذرٌ من جانب القضاء مع وسائل الإعلام ما يعزز اعتماد نمط إعلامي روتيني في متابعة الشؤون القضائية يقتصر مثلاً "على تغطية نشاطات مجلس القضاء الأعلى على طريقة "استقبل ووّدع" كما يروي لنا أحد الصحافيين. وأمام هذا الواقع، ارتأت المفكرة القانونية أن تتطرق في هذه المقالة إلى مسألة العلاقة بين القضاء والإعلام من خلال طرح بعض الإشكاليات التي من شأنها تسليط الضوء على المشاكل وفتح باب النقاش نحو إيجاد حلول لتطوير هذه العلاقة. نحاول أولاً تشخيص واقع الصحافة القضائية لنبحث ثانياً في دور الصحافة القضائية ونعرض أخيراً بعض البرامج التي أُدخلت على المناهج التعليمية في فرنسا لتطوير التواصل بين هذين الجسمين.

واقع الصحافة القضائية: أيةأولوية للقضاء ومشاكله؟

"الإعلام القضائي (في لبنان) غير موجود. فكرة الإعلام القضائي فكرة غير ناضجة. لأنّ الإعلام والمجتمع والمؤسسات لا تنظر إلى القضاء على أنه جسم مستقلّ يستحقّ المتابعة". هذا ما عبّر عنه صحافي في مقابلة مع المفكرة القانونية. وبالفعل، لقد شهدت الصحافة القضائية خلال الأعوام الأخيرة تقليصاً لافتاً للمساحة التي كانت مخصصة لها في السابق.فإذا أجرينا مسحاً سريعاً للصحف الرئيسية في لبنان، نجد أن جريدة المستقبل هي الصحيفة الوحيدة التي حافظت على صفحة لتغطية الشؤون القضائية تحت عنوان "مخافر ومحاكم" بغض النظر عن "التغطية الروتينية لمسائل القضاء في هذه الصحيفة" كما أشار أحد الصحافيين المستمع إليهم. فيما استغنت جريدة النهار عن صفحة "قضاء وقدر"، وضمّت جريدة الاخبار قسم "عدل" إلى قسم "مجتمع". والمساحة المخصصة اليوم لتغطية الشؤون القضائية تختلف تبعاً لأهمية الحدث الذي غالباً ما يكون ذات طابع سياسي. "الخبر يحتلّ الصفحة الأولى إذا ارتبط بتلك المسائل السياسية وإلا يُنشر في صفحة أخرى في مساحة أقصاها 700 كلمة،" وفق ما كشف لنا صحافيّ آخر.

ويجمع الصحافيون والناشطون الإعلاميون الذين قابلناهم على أن هذا الواقع وراءه أسباب عديدة نلخصها كالآتي: الأول يتعلق بالصعوبات التي يواجهها الصحافيون العاملون داخل أروقة العدلية "خاصة أن العدلية مكان مقفل والحصول على المعلومات أمر صعب"، على حد قول أحد الصحافيين. وإذ أنشئ المكتب الاعلامي التابع لمجلس القضاء الاعلى سنة 2013، لمأسسة التعاطي القضائي مع الإعلام، إلا أنه سرعان ما أثار بعض التحفظات والإنتقادات[1]. فبياناته ركزت على التشكيك بمشروعية التداول بشؤون القضاء أكثر ممّا عملت على توضيح المغالطات التي أشارت اليها الوسائل الإعلامية.

الثاني يرتبط بسياسة المؤسسة القضائية تجاه الإعلام. فالقضاء حذرٌ تجاه الإعلام في أغلب الأوقات، وقد واجهه بضراوة في عدة مناسبات، ولذا لا يبحث جديا على سبل لتطوير وسائل التواصل معه. وقد وصفها لنا أحد الصحفيين بسياسة "الترهيب"، والذي يصلَّت من خلالها سيف محكمة المطبوعات على رأس الصحافيين الذين يحاولون التطرق إلى مسائل الفساد أو غياب الاستقلالية داخل المؤسسة القضائية.

الثالث يتمحور حول تعاطي الإعلام الإستنسابي أحياناً كثيرة مع الشؤون القضائية. فعلى الرغم من الدور الإيجابي والفعّال الذي يؤديه الإعلام في مثل هذه القضايا، يبقى اهتمامه مرتبطاً بتفاعل المواطنين المسبق مع القضية. وبالتالي، من النادر أن نرى تحقيقاً صحفياً مبادراً هدفه مراقبة العمل القضائي وإظهار مكامن الخلل أو الإيجابيات داخل هذه المؤسسة، فيولّد النقاش العام بدل الإكتفاء بنقل أصدائه. "هذه المواضيع لا تستحوذ على اهتمام الجمهور، في نظر ناشري الصحف وأصحاب محطات التلفزة،" حسب أحد الصحافيين.

ولا بدّ هنا من تسليط الضوء على سبب إضافي وأساسي يساهم في شكل كبير في تراجع الإهتمام في القضاء وهو غياب صحافة متخصصة في الشؤون القضائية. فمعظم الصحافيين في الصحافة المكتوبة أتوا من كليات الإعلام أو العلوم السياسية. قليلٌ منهم اختار دراسة القانون بعد دخوله إلى الوسيلة الإعلامية ومنهم من اضطر إلى الإطّلاع على المسائل القانونية الأساسية بغية مواكبة عمله. وهؤلاء أطلعونا بأنّ الاعلام، ولاسيما المرئي منه، معرّض للوقوع في أخطاء جسيمة لا سيما أنّ الإعلاميين "ليسوا مطلعين بشكل كاف على المسائل أو المصطلحات القانونية" ما يمنعهم من الحفاظ على المسافة النقدية اللازمة بالنسبة لما تقوله لهم مصادرهم القضائية. "فالمراسل التلفزيوني يذهب الى العدلية فقط عندما تكون القضية مهمة،” أي بمعنى آخر سياسية.

ومن هذا المنطلق، تلعب الخلفية المعرفيّة للصحافي الدور الأبرز في تمكينه من تأدية واجبه المهني. لذا، لا بد من الإشارة هنا إلى أنّ معظم الصحافيين التحقوا في الوظيفة في الأساس لحاجة الصحيفة إلى مندوب قضائي في العدلية، بغض النظر عن أي تخصص أو اهتمام سابق. منهم من لم يتردد في قبول الوظيفة ومنهم من وجد الأمر متعباً وبحث عن الإنسحاب مراراً وتكراراً: "لم أقرر الإلتحاق بقسم الشؤون القضائية في الصحيفة. كانوا بحاجة فقط لمندوب صحافي في هذا القسم عندما تقدمت الى العمل وبقيت هناك. من الصعب جدّاً أن أغيّر اليوم. فالانتقال إلى قسم آخر سيكلفني سنتين من التأقلم ومن بناء معارف جديدة تمكنني من متابعة عملي بشكل دقيق وواسع،" يقول لنا صحافي.

وعند السؤال عن السبب وراء الرغبة في ترك هذا القسم، عزا أحد الصحافيين ذلك إلى الجهد الذي يطلبه العمل في العدلية. "شعرت وكأنني أدخل الى مكان يشبه الأخطبوط. من أين سوف آتي بالمعلومات؟ كيف يمكن أن أدقق بها؟ عندما دخلت المجال، اكتشفت أن الوضع ليس مختلفاً كثيراً عمّا كنت أتصور. القضاء يشبه بالنسبة لي الضمان الاجتماعي. أخاف من هذين الجسمين كثيراً." فيما ترك صحافي آخر القسم بسبب "تجربته المريرة مع القضاء"، وصف كلّ مرة يدخل فيها الى العدلية وكأن "بلاطة تقع على صدري. ما أكتبه الآن أجمل وأريح." وقد أكد زميله هذا الأمر عندما أفصح لنا بأن قليلين "هم الذين ثابروا على الحضور في العدلية. كثيرون أتوا ثم غادروا. لم يتحمّلوا".
 
ما هو دور الصحافة القضائية؟
 
بالإضافة إلى صعوبة العمل داخل قصور العدل، أثبتت التجارب أن تحديد أطر العلاقة بين القضاء والإعلام وتنظيمها يواجه صعوبات كثيرة لا بدّ من تفكيكها إن أراد هذان الجسمان التعاون، خاصة "أن القاضي يعتبر الصحافي فزاعة وشرطة. أنا الشرطة الواقفة أمام القاضي الذي يمثل السلطة". هذا ما قاله صحافي قابلناه. فلماذا كل هذا الحذر والخشية بين القضاء والإعلام؟  

ويقرّ عدد من الإعلاميين الذين التقينا بهم أن الصحافة ترتكب عدّة مغالطات في عملها أبرزها:

-       نشر معلومات تلحق الضرر بسمعة الفرد وتنتهك قرينة البراءة. "لا يمكن أن تنشري كلّ المعلومات التي تحصلين عليها. عليك وضع سقف لطريقة تعاملك مع الخبر."
-          السعي وراء الإثارة والتشويق على حساب الدقة في بعض القضايا."المرئي يميل الى الفضائح أكثر من الشق العلمي.والسبب يعود غالباً إلى بحث الإعلام المرئي عن الإثارة."
 
ويرى الصحافيون أن القضاء لا يريد سوى التركيز على الإيجابيات داخل المؤسسة القضائية. "يطلبون من الإعلام الإكتفاء فقط بالإضاءة على الإيجابي في عمل القضاء."علاوة على ذلك، هناك عدة اعتبارات تمنع الصحافي من إتمام عمله منها:

-          موجب التحفظ الذي يفهمه بعض القضاة الكبار وكأنه يمنعهم ويمنع كافة القضاة من إبداء أي موقف في أي موضوع، حتى إن كان قضائيا، ما يدفع الصحافيين للبحث عن معلوماتهم من مصادر أخرى.
-     طريقة عمل المكتب الاعلامي لمجلس القضاء الأعلى: ” المكتب الإعلامي يصدر ردوداً عادية لا تحمل أيّ بعد قانونيّ بالإضافة الى أنها لا تصل بطريقة صحيحة. ويسألون في الوقت عينه: لماذا يحاربنا الاعلام؟ يتهمون الإعلام بتنظيم حملة على القضاء. لا، أنت لا تعرف كيف تتواصل مع الإعلام،" كما قال أحد الصحافيين.
-         هاجس القضاة، القدامى خاصة، "بالمحافظة على الوضع القائم ومنع أية محاولة تطوير أو تحسين للتواصل بين هذين الجسمين. يختلف هذا الشيء تماماً عند الاصغر سناً. هؤلاء متحمسون ومندفعون ومتشجعون ويريدون التغيير ويسعون الى إدخال أساليب متطورة للعمل،" بحسب صحافي قابلناه.
- عدم إدراك القضاء حاجته إلى التعاون مع الإعلام، و"كأن القضاة قرروا العيش على جزيرة، بعيداً عن العالم، مع أن عملهم الأساسي مرتبط بالمواطن والإعلام،" وفق أحد الصحافيين.
 
وبالتالي، تعتري العلاقة بين هذين الجسمين اليوم شوائب عدة تمنعهما من التعامل سوياً فيما أثبتت التجارب، إن كانت محلية أو دولية، أن التعاون يخدم المصلحة العامة، لا سيما لضمان شفافية القضاء واستقلاليته. فعلى الصعيد المحلي، يمكن الاستعانة بقضية رلى يعقوب لإثبات أهمية دور الإعلام الذي حمل القضية وتمكّن من وقف التعرض للضحية[2]. أما في فرنسا، فقد لجأ القضاة شخصياً إلى الإعلام لتحريك الرأي العام تجاه قضيتهم. وفي هذا السياق، نقل قاضي التحقيق الفرنسي تييري جان-بيار في 1991 ملف قضية "أوربا"[3](Urba) إلى الإعلام. أعلن هذا الأخير أن هدفه من هذه الخطوة يكمن في ضمان استقلالية القضاة ومنع أي تدخّل سياسيّ في ملف قضائيّ. "لقد قمنا بالاستعانة بالإعلام من أجل تجاوز هذه العراقيل. وقد تمكنا من تحقيق مطالبنا. أحرزنا استقلال القضاء. وطبقنا الإصلاحات اللازمة." ونشير أيضاً إلى قضية الفساد داخل نادي مارسيليا لكرة القدم. قرر يومها المدعي العام المكلف بالقضية إيريك دو مونغولفيه اللجوء إلى الاعلام على الرغم من القيود المفروضة على حرية تعبير القضاة. أوضح أن ما يقوم به يأتي "باسم القانون، باسم حق اطلاع الرأي العام على المعلومات، باسم الشفافية. وباسم، أخيراً، الرغبة في انفتاح الجسم القضائي على الصحافة. فنحن لا يجب أن نبقى في برجنا العاجي. لا يجب أن نبقى معزولين عن العالم والواقع.[4]"

وانطلاقاً من تلك الوقائع، نتبيّن دوراً للاعلام غالباً ما يبقى محجوباً في لبنان، دوراً حمائياً للقضاة في وجه الضغوطات السياسية والتدخلات على اختلافها. في الواقع، تضيق فرصة التدخل السياسي في قضية ما أن يضع الإعلام يده عليها، إذ يصبح أي قرار مشبوه -ناتج عن ضغوطات أو تدخلات محتملة -محط مراقبة ومساءلة عامة، ما يخرج القاضي من عزلته أمام السلطات المتدخلة. كما أن القضاء يعزز من خلال إتخاذه الإعلام حليفاً له، من فرص ضمان استقلاليته الذاتية تجاه التدخلات السياسية ويثبت شفافية عمله. فهو يتيح بذلك للجمهور بمراقبة عمله والحكم على أساسه، مع المحافظة طبعاًعلى السرية في بعض الإجراءات والتحقيقات. 

والتدخّل يحصل هنا إن من خلال الضغط مباشرة على القاضي أو من خلال الإستعانة بأعلى هرم السّلطة القضائية التي تتولّى تغيير مجريات القضية. في الحالة الأولى، يساهم تسريب المعلومة وتسليط الضوء على مجريات القضية في منع السياسي من التصرّف بحريّة. ونتيجة لذلك، يزيد الضغط على المتدخّل، المراقب من الرأي العام فيما يعزز موقع القاضي للتصرّف في الطريقة المناسبة. أمّا فيما خص التدخّل من جانب السّلطة القضائية، فيمكن في بعض الحالات أن يلجأ صاحب النفوذ إلى قاضٍ في أعلى الهرم القضائي ويطلب نقل القضية من قاضٍ إلى آخر قد يكون أقرب إلى السلطة التنفيذية. وبالطبع فمن شأن إبقاء الإعلام مطّلعا على هذه المحاولات أن يؤدي إلى التراجع عن التدخل في القضية.[5]

وإلى جانب هذه المهام، ينتقل الصحافي أيضاً للعب دور المراقب لعمل القضاة، خاصة رؤساء المحاكم، في كيفية ممارسة صلاحياتهم. وهنا، تسنح للصحافي فرصة لإطلاع الرأي العام على الأحكام القضائية ذات النتائج الإجتماعية المهمة والإضاءة على نقاط قانونية تكون مبهمة بالنسبة للقارئ في معظم الأحيان. ففي الواقع، إن "القيمة المضافة "للعمل الصحفي تكمن في تفكيك القرارات القضائية والقرارات السياسية ذات البعد القضائي وعرضها للقارئ بطريقة واضحة ومثيرة للاهتمام. وهذا ما أكده لنا أحد الصحافيين: "ليس المهم أن نملأ الصفحات، وليس المهم أن نكتب. المهم أن نضيئ على نقطة قانونية جديدة أو اجتهاد ملفت. والمهم أن نتابع ايضاً القضية إلى خواتيمها. فالرأي العام يريد أن يعرف نتائجها."

محاولات لتطوير العلاقة بين القضاء والإعلام: المثل الفرنسي

هذه العقبات والاشكاليات واجهها القضاء في فرنسا أيضاً، حيث القضاة لم يتلقوا في الماضي أي تدريب حول تقنيات التواصل مع الإعلام خلال فترة تأهيلهم في معهد الدروس القضائية. أما من ناحية الاعلام، فقد جرت عدة محاولات لتفعيل طريقة عمل المندوبين القضائيين لاسيما أن هؤلاء، كما في لبنان، لا يتابعون خلال دراستهم بالضرورة محاضرات في القانون أو الاعلام القضائي. اختلف الوضع اليوم بعدما أجرى القضاء الفرنسي قراءة نقدية لطريقة تعاطيه مع الإعلام، وذلك لسببين رئيسيين: إزدياد عدد وأهمية نقابات القضاة التي تستعين بالإعلام في نضالها ضدّ تدخّل السّلطة السيّاسية في عمل القضاة من ناحية، وظهور أنماط جديدة تنظم علاقة القضاة بالصحافة من ناحية أخرى. فقد أسست نقابة القضاة الفرنسيين مكتباً هدفه التواصل مع الإعلام. لا يقفل هذا المكتب أبوابه طوال أيام الأسبوع ويعمل ليلاً نهاراً لتزويد الصحافيين بالمعلومات التي يحتاجون إليها بالإضافة إلى إطلاع هؤلاء على سير عمل القضاء. كما أن المكتب يتواصل مع الإعلام المرئي لتنظيم برامج تلفزيونية لمحاورة القضاة، ويشجع هؤلاء على نشر مقالات رأي في الصحف والمجلات المحلية فيما يخص الشؤون القضائية[6]. ولتحقيق هذه الغاية، بدأ تنظيم برامج تدريبية في بعض الكليات الفرنسية هدفها التأسيس لحوار يجمع بين القضاء والمحاماة والاعلام وتحديد قواعد السلوك بينها، ما قد يساهم في وضع حدّ لاحتمال نشوب خلافات بين هذه الأطراف، يستفيد منها السياسيون لفرض هيمنتهم على القضاء.

ومن هذا المنطلق، أصبح التدريب على تقنيات التواصل جزءاً من المنهج الدراسي الذي يتابعه القضاة من خلال معهد الدروس القضائية. وهذا التدريب يجري على مرحلتين: المرحلة الأولى، تجمع جميع القضاة في مؤتمرات ومناقشات مع ممثلي وسائل الإعلام الكبرى. أما المرحلة الثانية، فتجمع مجموعة صغيرة من المتطوعين المعنيين بالعلاقة بين هذين الجسمين، ضمن نشاط تحت عنوان: "نشاط المعلومات والأبحاث." AIR: Activité d’Information et de Recherche)). ولا بد من الإشارة أيضاً إلى أن جميع رؤساء المحاكم قبل توليهم منصبهم أو في المرحلة الأولى من مهامهم يخضعون لدورات تدريبية ينظمها معهد الدروس القضائية حول العلاقة بين القضاء والاعلام ودورة تمهيدية حول تقنيات التواصل[7].

الأمر طبعاً مختلف تماماً في لبنان. فمعهد الدروس القضائية لم يدخل بعد ضمن منهجه على حدّ علمنا أيّ دورة تبحث في إشكاليات العلاقة بين الاعلام والقضاء، تتخطى التحذير التقليدي من مخاطر الظهور الإعلامي. وهذا يولّد انطباعاً مفاده "أن أغلب القضاة لا يفهمون شيئاً عن طبيعة عمل الإعلام" كما علّق أحد الصحافيين. ومن جهتها، لا تقدّم كليات الإعلام في الجامعات المحلية للطالب أية حصة حول هذا الموضوع أيضاً.
دور المراسل القضائي ليس فقط كشف معلومات أو نقل تفاصيل قضية أو مرافعة إلى الرأي العام.من أسس وظيفته أيضا الكشف عن مشاكل النّظام القضائيّ، كما الاضاءة على مسائل أساسية متعلقة باستقلالية القضاء وحمايته للحقوق والحريات.كما أنه مفوّض بحكم عمله بلعب صلة الوصل بين المؤسسة القضائية والمواطن. من جهته،من شأن القضاء وبصفته الحاكم "باسم الشعب"التخاطب مع الرأي العام بأعلى درجة من الشفافية (مختلف منظماته والاعلام والجمعيات والجامعات). والرأي العام هذا هو الحليف شبه الوحيد للقضاة في مواجهة سلطة سياسية تستسهل التدخل في أعمال القضاة والنيابات العامة، كما في التشكيلات.فكما قال أحد القضاة الفرنسيين عام1972  خلال توليه إحدى القضايا، "أعتقد أن على القضاء التقليدي،الغامض والسري إفساح المجال أمام القضاء الذي لا يخاف العمل في العلن والذي يشرح،قدر الإمكان،أسباب القرارات والأهم من ذلك القضاء الذي لا يخشى الإنتقاد.[8]"
نشر في العدد 37 من مجلة المفكرة القانونية 

[1] للمزيد من المعلومات حول عمل هذا المكتب؛  نزار صاغيةوبيرلا الشويري. المكتب الإعلامي لمجلس القضاء الأعلى من خلال بياناته: "قضاة لبنان الذين يتباهى بهم العالم". المفكرة القانونية-لبنان، العدد 14، 5 آذار 2014.http://bit.ly/1zFE7Ws.
[2]- لمزيد من المعلومات حول هذه القضية؛ نزار صاغية. رلى يعقوب، قضيتان في قضية واحدة: جبه العنف الأسري وأحقية المساءلة الاعلامية للقضاء. المفكرة القانونية – لبنان، 10 شباط 2014 http://bit.ly/1QzOjKD.
[3] كشف المدعي العام في فرنسا تييري جان-بيار ان شركة اوربا ابرمت عقود تجارية بغية تمويل الحزب الاشتراكي بطريقة غبر قانونية.
[4]Civard-Racinais, Alexandrine. Le journaliste, lavocat et le juge : les coulisses dune relation ambiguë. Paris: L’Harmattan, 2003, p.191
[5]  Civard-Racinais, Alexandrine, 234
[6]Civard-Racinais, Alexandrine, 68
[7]Civard-Racinais, Alexandrine, p. 70
[8]Civard-Racinais, Alexandrine, p. 70