بتاريخ 31-5-2000، أدخل القانون رقم 277 تعديلاً هاماً على نظام مجلس شورى الدولة، مفاده إنشاء محاكم إدارية ابتدائية في المناطق. التعديل الحاصل آنذاك بالغ الأهمية. فعدا عن التأثير الإيجابي لإنشاء محاكم مماثلة على تسريع المحاكمات الإدارية، فإنه يتّصل أيضا بمبدأين أساسيين من مبادئ لمحاكمة العادلة: الأول هو "مبدأ التقاضي على درجتين"، والثاني "مبدأ تقريب القضاء من المتقاضين". فقبل هذا القانون، كان القانون يختصر القضاء الإداري بمجلس شورى الدولة بصفته المحكمة الأولى والأخيرة. بعد إقرار التعديل المذكور عام 2000، تغير هذا الأمر إنما في النصوص فقط، من دون أي تغيير في الواقع. وقد شكل التأخر في إنشاء هذه المحاكم موضوع ندوة تحت عنوان "16 سنة بعد تعديل نظام مجلس شورى الدولة: متى تنشأ المحاكم الإدارية في المناطق؟"، نظمها المرصد المدني لاستقلال القضاء وشفافيته في المفكرة القانونية بالتعاون مع كلية الحقوق والعلوم السياسية في الجامعة العربية في 17-3-2016، بحضور رئيس مجلس شورى الدولة شكري صادر.

3090 مراجعة إدارية عالقة

يستشهد د. علي مراد (أستاذ في القانون في الجامعة العربية) في إطار عرضه للدارسة التي أعدها حول الموضوع بما ورد ضمن الأسباب الموجبة لقانون إنشاء المحاكم الإدارية في فرنسا عام 1953. وقد جاء ضمن هذه الأسباب، أنه "على الرغم من الجهد الكبير والتحسين في وسائل عمل القضاة. فتوسّع نشاط الدولة يؤدي الى زيادة مطردة في عدد الدعاوى، الأمر الذي ينعكس سلباً على فعالية هذا القضاء ويؤدي الى الاستنكاف عن إحقاق الحق". ولا يختلف الواقع الذي ساد القضاء الإداري الفرنسي آنذاك عن واقع تكدس الدعاوى الذي يعاني منه القضاء الإداري اليوم، وما ينتج عنه من تأخير يقارب أحياناً الإستنكاف عن إحقاق الحق. فالتقارير السنوية الصادرة عن مجلس شورى الدولة، وبشكل خاص تقرير عام 2014-2015، تظهر أن 3090 دعوى لا تزال عالقة أمام مجلس شورى الدولة، فيما أن عدد القضاة الذين يتألف منهم مجلس شورى الدولة حالياً هو أقل بـ55% من قضاة الملاك كما ورد في الجدول المرفق بالقانون. اللافت بالنسبة لمراد أن تكدس الدعاوى هذا لم يدفع مجلس الشورى إلى العمل على إنشاء المحاكم الإدارية، بل ذهب على العكس من ذلك إلى تقديم حلول أفقية قوامها إنشاء غرفتين إضافيتين في مجلس شورى الدولة. وهو حلّ إن كان ربما يؤدي الى تخفيف عدد الدعاوى المتراكمة، إلا أنه لا يؤمن التقاضي على درجتين أو قرب القاضي من المتقاضين. وقد برر رئيس مجلس شورى الدولة مشروع القانون بإنشاء غرفتين إضافيتين بأن من شأنه أن يؤدي إلى زيادة إنتاجية المجلس بحدود 40%. فمهما اجتهد مستشارو الغرف في إنجاز تقاريرهم في الملفات ضمن آجال قصيرة، تبقى إنتاجية الغرف على حالها لأسباب تتصل بالقدرة القصوى لرؤساء الغرف بدراسة هذه الملفات وهي لا تتعدى 30 ملفاً شهرياً. هذا هو المبرر الأساسي للمطالبة بغرفتين إضافيتين وتاليا برئيسين إضافيين من شأنهما بت المزيد من الملفات شهرياً. وقد ختم الرئيس صادر قوله بأن مشروع القانون المذكور رُفض من قبل لجنة الإدارة والعدل النيابية.

عوائق أمام إنشاء محاكم إدارية في المناطق

أما لماذا لا يعمل مجلس شورى الدولة على إنشاء محاكم إدارية في المناطق، عملاً بقانون 277/2000؟ رداً على هذا السؤال، يكشف الرئيس صادر عدداً من العوائق، أهمها النقص في عدد القضاة. ففي حال إنشاء محكمة (مؤلفة من ثلاثة قضاة) في كل محافظة، فإننا نحتاج إلى 24 قاضياً فيما أن مجموع القضاة العاملين حالياً في مجلس شورى الدولة هو 47، منهم 10 يعملون في مفوضية الحكومة أو منتدبون للخارج كما هي حال محافظ بيروت القاضي زياد شبيب. لذلك، ولأن زيادة عدد القضاة ليس أمراً سهلاً وهو يتطلب وقتاً طويلاً، رأى الرئيس صادر أن الحلّ الأمثل هو إدخال تعديل على القانون باستبدال المحاكم الإدارية بقضاة إداريين منفردين في المناطق. ففي هذه الحالة، نحتاج فقط إلى 12 قاضياً لإنشاء محاكم إدارية في كل المحافظات، علماً أن بعض المحافظات كبيروت وجبل لبنان تحتاج إلى أكثر من قاض منفرد. كما يكشف الرئيس صادر نيته في تقليص صلاحيات المحاكم الإدارية الإبتدائية، بحيث يسحب من صلاحيات القضاة المنفردين صلاحية النظر في الملفات الكبيرة كالأشغال وشق الطرقات وغيرها، والتي يفترض أن تبقى محصورة بمجلس شورى الدولة.

ويسجل هنا ملاحظتان أساسيتان:

-         أن العائق المتمثل في نقص عدد القضاة ينتج عمليّا عن السياسة المعتمدة من مكتب مجلس شورى الدولة، أقله في الفترة الممتدة من 2000-2010. وللدلالة على ذلك، يكفي أن نسجل أن المكتب لم يفتح أي دورة لتعيين قضاة إداريين طوال هذه الفترة، على نحو أدى إلى إنقاص عدد القضاة بفعل تقاعد بعضهم بدل زيادته. وهذا الأمر إنما يؤشر إلى غياب أي إرادة للمكتب في هيئته السابقة في إنشاء محاكم في المناطق. وهو أمر تسعى الهيئة الحالية على حد قول الرئيس صادر إلى استدراكه بدليل فتح عدد من الدورات في السنوات الماضية، أدت إلى قبول 16 قاضياً متدرجاً في معهد الدروس القضائية، فرع القضاء الإداري،

-         أن الحل المقترح لتجاوز هذا العائق لجهة استبدال المحاكم الإدارية بقضاة منفردين مع تقليص صلاحياتهم، يتطلب تعديلا تشريعيا بينما لا يحتاج تنفيذ القانون من خلال إنشاء محاكم إدارية، على الصعيد الإجرائي إلا إلى قرار صادر عن وزير العدل بعد موافقة مجلس شورى الدولة (المادة 34 من نظام المجلس). فماذا إذا تعطل تعديل القانون؟ هل يتعين الإنتظار لسنوات طويلة قبل أن تبصر المحاكم الإدارية النور في المناطق؟ ردّا على هذا السؤال، يؤكد صادر أنه إذا لم يتم القبول باقتراحه لجهة تعيين قضاة منفردين، سيتم العمل على تفعيل المحاكم الإدارية وفقاً لتعديل عام 2000 على أن يؤمن بدء عمل المحاكم في نفس الوقت.

نشر في العدد 37 من مجلة المفكرة القانونية