عام على رفع دعوى قضائية وماذا بعد؟

في أوائل نيسان2015 ، تقدم طارق الملاح بدعوى ضد وزارة الشؤون الاجتماعية ودار الأيتام الإسلامية على خلفية تعرضه للاغتصاب داخل الدار في عمر التسع سنوات ولمدة 5 سنوات متواصلة. معاناة لم تتوقف مع فرار طارق من الدار في عمر ال14 سنة وهو من غير تعليم، ولا مهنة، ولا مهارات حياتية تمكنه من السير قدماً في حياته. فرار طارق من الدار أنهى الاغتصاب الذي كان يتعرض له، لكن هروبه لم يوقف مفاعيل الانتهاك، وتردداته، والآثار العميقة التي خلفها لديه، خاصة ذلك الإحساس بالمسؤولية تجاه اطفال آخرين يتعرضون لنفس الانتهاك وان تعددت أشكاله. وجاءت هذه الدعوى كخطوة استراتيجية لتركيز الضوء على الانتهاكات المرتكبة في المؤسسات الرعائية نتيجة انعدام المعايير الرعائية وتخلي وزارة الشؤون الاجتماعية عن لعب دورها الرقابي والإشرافي على حسن سير المرفق العام.

لم يكن الملاح الضحية الوحيدة التي تعرضت للاعتداء الجنسي ولم تكن دار الأيتام الإسلامية المؤسسة الوحيدة التي ادعى أطفال تعرضهم لاعتداءات جنسية فيها. فبعد بوح طارق، توالت القصص وتجرأ العديد على التعبير عما تعرضوا له في دور الرعايا. وقام الإعلام بتوثيق حكايا إنسانية مخيفة تظهر فداحة الانتهاكات وتفشيها في دور الرعاية لاسيما الانتهاك الذي حدث في قرى الأطفال  SOSحيث أقرت الإدارة بتعرض 5 أطفال لتحرشات جنسية على يد سائق الباص دون اتخاذ تدابير قانونية جزائية رادعة. حينها اكتفت قرى الأطفال SOSبقبول استقالة السائق ومنحه شهادة حسن سلوك. ومن قبلها، شكل الحكم الكنسي على رجل الدين منصور لبكي صدمة بعدما جرى الإعلان عن سلسة انتهاكات أقدم عليها ضد أطفال كانوا في عهدته. إلا أن ردة الفعل الرسمية و"الشعبية" في التكتم عن الموضوع، وعدم تأكيده أو حتى نفيه، ومن ثم وضعه في خانة التهجم على الطائفة شكلت دعوة مفتوحة إلى المزيد من الانتهاك. فالرجل "آدمي" و "فاعل خير" وقام بالكثير من الأعمال التي تشفع له حتى أنه أسس كورالاً للأطفال. مقاربة تُلبس المشتبه به أو المرتكب رداء عامل الخير لتعبد له طريق الانتهاكات، وكأنما لا بأس أن تقدم أجساد الأطفال قرابين لخادمي الله.

وفي السياق عينه، جاءت رقابة المزاج العام اللبناني لتمنع عرض فيلم Spotlightالحائز على جائزة أوسكار كأفضل فيلم لأنه شهادة توثيقية على قيام 250 كاهناً بالتحرش بالأطفال في مدينة بوسطن. فيلم يشكل وثيقة إدانة لاستغلال سلطة الدين والتعرض لأطفال أقرّوا أن سكوتهم عما تعرضوا له كان نتيجة خجلهم أولاً وخوفهم من هذه السلطة التي أطبقت على أنفاسهم ثانياً. إلا أن أحدهم تجرأ على البوح عما تعرض له، وبعدها كرت السبحة رغم حالة الإنكار العام، والتهرب من تحمل المسؤولية، وصعوبة مواجهة نظام كامل يستسهل دعم المؤسسة وسلطتها على حساب الأفراد ولو كانوا أطفالاً. في بوسطن وفي لبنان وفي كل مكان، هي انتهاكات مفتوحة على احتمالات التكرار طالما لم يحاسب المجرم المسؤول، وهو أبعد من الأشخاص: نظام رعاية مؤسساتية، طائفية، محاصصاتية ينمي التبعية والإحساس بالدونية تجاه "مخلص ما".

وزارة الشؤون الاجتماعية تتخلى عن دورها

منذ إقامة الدعوى، أخذت وزارة الشؤون الاجتماعية الموقف المعاكس تماماً لما هو منتظر منها. فبدل أن تعمد إلى جبر ضرر الضحية أو أن تنصت إليه أو أن تباشر ورشة واسعة لإعادة النظر بهذا النظام الرعائي، سارعت إلى إبراء ذمة مؤسسات الرعاية ونفي تهم الإغتصاب. فالاغتصاب لم ولن يحصل في المؤسسات الرعائية. والأسوأ من ذلك، وضعت سلفاً أي اتهام بحصول أفعال كهذه أو أي مطالبة بإصلاح المؤسسات الرعائية في خانة التهجم المباشر على الطوائف التي تنتمي إليها هذه المؤسسات الرعائية وتتغطى بها. وكلّل وزير الشؤون الاجتماعية رشيد درباس دفاعه عن المؤسسات الرعائية حين حول الموضوع من قضية عامة تمس مصلحة 28 ألف طفلاً مودعين في المؤسسات الرعائية إلى قضية شخصية عبر الدعوة إلى ستر العورات.

وقد استغل درباس غضب المتظاهرين ضد الوزراء (وهو منهم) على خلفية أزمة النفايات ليصفي حسابه مع الملاح. فبناء على شكواه من تعرض هؤلاء لسيارته وإلقاء النفايات عليها، تعاضدت الأجهزة الأمنية والقضائية لتوقيف الملاح مدة أربعة أيام في أجواء تكتم يصعب فهمها. وقد شكلت هذه الحادثة إحدى السقطات الكبرى لوزير مسؤول، ومن خلفه طبقة سياسية وأمنية، في استغلال السلطة للانتقام من الفئات المظلومة كلما تظلمت. وربما هدف التوقيف إلى ردع الملاح، فيخاف ويتنازل عن قضيته. لكن ذلك لم يحصل.

ولا نبالغ إذا قلنا أن هذه الحقبة قد تكون الأسوأ في تاريخ وزارة الشؤون الإجتماعية، بعدما اختارت أن تنحاز بشكل شبه كامل لمؤسسات نافذة في وجه أطفال حرمتهم الحياة من أبسط الحقوق. وهنا لابد من التأكيد أن وزارة الشؤون الاجتماعية ليست وحدها الرافضة لإصلاح قطاع الرعايا المؤسساتية. فهناك أكثر من 75 مؤسسة متعاقدة مع الوزارة لا تريد أي تغير في شروط التعاقد وتفضل إبقاء الوضع على ما هو عليه. وفي المقابل، فإن أكثرية الجمعيات "المدنية" المتعاقدة مع وزارة الشؤون تخلت عن عملها الحقوقي خوفاً على عقدها مع الوزارة. فالحالة إذا هي نتيجة تواطؤ مكتمل الأدوار.

 يحدث كل هذا في زمن تقوم فيه دول عدة بوضع خطط للتخلص نهائياً من نمط الرعاية المؤسساتية بسبب الضرر الذي تتسبب فيه بعدما أكدت الدراسات على الآثار السلبية لهكذا نمط رعاية خاصةً عندما يتم الفصل عن الأهل البيولجيين نتيجة الفقر. وهذا ما نصت عليه المعايير الدولية للرعاية الأسرية البديلة. وقد يكون من المفيد مقارنة ما يحدث هنا بالتفاعل القضائي والسياسي والديني الحاصل حالياً في كندا في خصوص نظام المؤسسات الرعائية الذي جثم على صدور الشعوب الأصيلة زهاء قرن وربع.

كندا وإرث المؤسسات الرعائية

عند تسلمه مهام رئاسة الوزراء في كندا، توجه جاستين ترودو إلى الحبر الأعظم، بصفته رئيساً للكنيسة الكاثولوكية، بطلب اعتذار رسمي عما مارسته الكنيسة وإرسالياتها ضد الشعب الأصيل في كندا والذي تمثل في فصل الأطفال عن عائلاتهم وإيداعهم في مدارس داخلية تعتمد نظام المؤسسات الرعائية وذلك ابتداء من نصف القرن التاسع عشر وامتداداً إلى ستينيات القرن العشرين. وقد ارتأى الرئيس الكندي مباشرة مهامه عبر التأكيد على حقوق هؤلاء الضحايا والوعد بالتعويض والمحاسبة. وكانت حكومة كندا اعتذرت من الشعب الأصيل عام 1998، وأعقبها في عام 2008 إعلان السلطة الكنسية في كندا مسؤوليتها عن تجربة المؤسسات الرعائية. وقد اعترفت هذه المرجعيات بالأذى الذي لحق بالأطفال حينها مؤدياً إلى أزمة على المستوى الإنساني لشعب عاش دون أطفاله وأطفال عاشوا من دون أهلهم. والسبب الوحيد لهذه المأساة هو أن جهة ما رأت في ذلك مصلحة عامة دون اعتبار لأهمية العلاقة الأسرية والرابط العضوي بالبيئة المحلية والثقافة واللغة المحلية. جهة رأت في التعليم النظامي التبشيري في ظل الكنيسة الإلهية خلاصاً تاريخياً، فخلفت وراءها إرثاً ثقيلاً من الظلم، والقهر، والفصل عن الجذور. هو إرث لم تنته مفاعيله مع إقفال المؤسسات الرعائية نهائياً في أواخر التسعينيات وذلك لأن أثر الفصل ما زال يشكل تحدياً على مستوى المساءلة، والمحاسبة، والتعويض، والمصالحة.

وكان النظام الرعائي المؤسساتي بدأ يشق طريقه إلى الشعب الأصيل في كندا عام 1831، عندما وصلت البعثات الإرسالية الأولى إلى هذه المنطقة المثلجة في شمال كندا[1]. وكانت أن رأت الإرساليات "جهلاً وفقراً" في طريقة العيش، واللغة، والطقوس مقارنة بالمدنية الأوروربية والعلم الكهنوتي. كان قرار الكنيسة حينها المبادرة إلى إنشاء مدارس تعليمية مقيمة، مثلها مثل كل المؤسسات الرعائية التي أنشئت في كل بقعة من بقاع الأرض (ومنها لبنان) التي وصلت إليها هذه الإرساليات.  كان الهدف الأساسي من وراء فصل الأطفال عن عائلاتهم حينها هو التبشير الكنسي عبر الدراسة النظامية. اتخذت الكنيسة قرارها بفصل الأطفال عن الكنف العائلي في عمر مبكر جداً، لا يتخطى السنة الرابعة، ليلتحق الأطفال إلزامياً بمؤسسات رعائية أنشئت في أماكن بعيدة عن مجتمعهم الأصلي. وقد جعل ذلك لمّ شمل العائلة تحدياً كبيراً نظراً لصعوبة المواصلات وكلفتها المرتفعة بالنسبة للشعب الأصيل الذي كان يرزح تحت وطأة قلة الموارد،  ويعتاش على قدرته الفطرية على التكيف مع ظروف طبيعية قاهرة.

139 مؤسسة رعائية أنشئت بين 1831 و1996 ضمت حوالي 150 ألف طفلاً من الأجيال المتعاقبة تحت رعاية الكنيسة ومن ثم بالتنسيق مع الحكومة الكندية الفدرالية. في عام 1920، أضحى الالتحاق بهذه المؤسسات أمراً إلزامياً للأطفال بين 7 سنوات و15 سنة، يعرض العائلات المتخلفة إلى عواقب قانونية تصل إلى حد السجن. الهدف المعلن لتلك المدارس كان توفير التعليم النظامي للأطفال وتسهيل إندماجهم في الثقافة الأوروبية "المخًّلِصة". فما كانت النتيجة؟

وتشير الدراسات التوثيقية حول واقع نظام الرعاية المؤسساتية في كندا إلى أنه فشل كلياً في تحقيق هدفه الأساسي وهو توفير التعليم النظامي حيث أن 3% فقط من الأطفال تمكنوا من الصمود إلى الصف الأول متوسط. إلا ان هذا النموذج تمكن بشكل فاقع من تدمير النسيج الاجتماعي للشعب الأصيل وتأخير تطوره بحيث انسلخ الأطفال وبشكل دائم عن الرابط الأسري مما أنتج شعباً كاملاً من الكبار لا يعرف أطفاله.

ولم تقف إخفاقات النظام الرعاية المؤسساتية عند حدود هذا الفشل. فعلاوة على ذلك، شهدت هذه المدارس على نسبة وفيات وصلت إلى 40% حيث كان الأطفال يرسلون عند أهلهم عند تردي وضعهم الصحي ليموتوا هنالك.

وترجح الدراسات التحليلية التي أجريت في كندا أن الأشخاص الذي عاشوا الفصل عن العائلة البيولوجية ليتم وضعهم في مؤسسات رعائية يفتقدون للحد الأدنى من المهارات الاجتماعية والقدرة على بناء روابط أسرية وأيضاً القدرة على العيش خارج نظام "الجرس". ففي المؤسسة كل شيء مبني على رنة جرس تنظم الأكل، والنوم، وقضاء الحاجة. كما أنها تنذر بحلول موعد التحرشات الليلية. ويعبر شاب عاش في دور الرعاية المؤسساتية في كندا عن هذا الوضع بالقول "تجربتي أفقدتني عائلتي التي كنت طفلها وحرمتني احتمال التمتع بإنشائي عائلة فأنا لم أتعلم كيف يكون لي عائلة".

ويضاف إلى ذلك أن 46% من المحكومين في كندا هم من الأجيال المتعاقبة على المؤسسات الرعائية[2]. فالإرث الثقيل لم يرحم الأجيال المتعاقبة من وطأة الآثار الجسدية، والنفسية، والاجتماعية والتي تنعكس تردياً في مستوى التحصيل العلمي، والكفاية المادية، والقدرة على الاندماج. هو إرث مرتبط بزيادة معدل تمثيل الشعب الأصيل الذي عاش تجربة الإيداع في المؤسسات الرعائية في نسب متعاطي المخدرات، والمدمنين على الكحول، والمحكومين، والمسجونين، والمترددين الدائمين على السجن. وهو إرث شكل عبر الزمن وإلى الآن حملاً ثقيلاً على كاهل أمن كندا الداخلي بسبب ارتفاع نسبة الجريمة بين خريجي دور الرعاية المؤسساتية وعدم قدرتهم على التقاط حبل الحياة بعيداً عن نظام أجراس المؤسسات التي كانت تضبط حركتهم وتقبض على أحلامهم. هو جيل أول وثان وثالث اختبر المؤسسات الرعائية وربما يلزمه أجيالأً رابعة وخامسة وسادسة للتحرر من أثر ذلك النظام الرعائي الإستعماري الذي رأى في الفصل عن العائلة، والبيئة، واللغة، والعادات، والثقافة المحلية ضرورة لاكتساب التعليم النظامي كما رسمته الثقافة الكنسية الأوروبية في حينها واعتمدته أسلوبا كولونياليا في مقاربتها الشعوب "الأخرى". وهي مقاربة شملت عدداً من الشعوب الأصيلة في كندا، وأستراليا، ونيوزيلندة كما اعتمدت عقب الفتوحات والانتدابات وصولاً إلى لبنان حيث تأسست دور الأيتام الرعائية بتفريدات دينية مختلفة لكن المنبع واحد أي الاستعمار.

وتشير الدراسات التي أجريت على 80000 من قدامى النظام المؤسساتي في كندا إلى أنهم تعرضوا لانتهاكات متعددة بقيت قيد الكتمان حتى عام 1990 بعد مسيرة انتقال تدريجي في مسؤولية الرعاية المؤسساتية من يد السلطة الدينية إلى الحكومة الفدرالية ومع تمثيل الشعب الأصيل في الإدارة إلى حين اتخاذ القرار التاريخي بإقفال هذه المؤسسات الرعائية لما خلفته من آثار سلبية[3]. وفي كندا أيضاً لم تكن مسيرة البوح سهلة في البدايات إلا أن فصل الدين عن الدولة ساهم إلى حد بعيد في تحفيز الانصات ومراجعة التجربة واتخاذ الخطوات الإصلاحية إلى حدّ إنشاء لجنة للمصالحة والتعويض عما خلفته هذه المقاربة الاستعمارية التي تلبس رداء الكهنوت ضد المصنفين فقراء.

وقد تكلل ذلك مع إصدار محكمة كندية قراراً بتعويض 60 شخصاً، كانوا يوماً أطفال في دار رعاية مؤسساتية حيث تعرضوا لانتهاكات جنسية على يد رجال دين، بمبلغ 30 مليون دولار. علماً أن الانتهاك جرى بين عام 1940 و1984[4].
 
لبنان، مقاربة استعمارية واحدة رغم التلوينات الطائفية

وفي العودة إلى لبنان، لا شك أن إرث المؤسسات الرعائية مرتبط إلى حد بعيد بهذه المقاربة الاستعمارية في رعاية الأطفال وهي تجربة أثبتت في العالم، وفي كندا، وفي بوسطن أنها تعرض الأطفال لإنسلاخ عن النسيج المحلي وتجعلهم عرضة لانتهاكات متعددة الأشكال أخطرها التحرش الجنسي لكنه ليس الوحيد. وهنا نتحدث عن نمط رعائي يعتمد الفصل عن البيئة والمحيط مدعوماً بنظرة استعماريه تجاه الفقير. وهنا لا فرق بين المؤسسات الرعائية على المستوى الطائفي لأن نمط الرعاية المعتمد واحد مهما اختلفت التفريدات والتنويعات الطائفية. وعليه، تتوحد هذه المؤسسات عموماً للدفاع عن مصالحها المتمثلة في رفض أي نوع من الإصلاح. فأي إصلاح مهما كان بسيطا يشكل تهديداَ لمنظومة استعمارية متراصة مبنية على إعلاء مصلحة المؤسسة ولو على حساب الأطفال الذين وجدت أصلاً من أجلهم وتعتاش على قضيتهم.

لا يحمل الكلام على أن الإبقاء على 28 ألف طفلاً في المؤسسات الرعائية هو وقود لحروب مقبلة أي مبالغة. فالتجارب العالمية أثبتت أن نظاماً كهذا يولد قهراً، والقهر مادة خصبة لأي شكل من أشكال الاستغلال.
 
نشر في العدد 37 من مجلة المفكرة القانونية