بتاريخ 7-5-2012، أصدر القاضي المنفرد الجزائي في البترون منير سليمان حكما مميزا بكف التعقبات ضد شخص ثبت أنه تعاطى حشيشة الكيف بعدما أبرز في جلسات عدة امتدت على ما يقارب سنتين افادات بخلو جسمه من المواد المخدرة وتاليا بانقطاعه التام عن استخدامها. وكان قانون المخدرات الصادر في 1998 قد أوجد وضعا خاصا للمدمن، بحيث تتوقف التعقبات ضده في حال أذعن لاجراءات العلاج وثابر عليها حتى تمام شفائه، بمعنى أن ملاحقة المدمن تبقى مشروطة برفضه العلاج او الانقطاع عنه: ومن هذا المنطلق، يظهر أن المشرع اللبناني استخدم سلاح التجريم والعقاب ليس لادانة فعل الادمان بل فقط كوسيلة ضغط أو كعصا لدفع المدمن الى سلوك سكة العلاج، بهدف تحريره من الارتهان للمادة المخدرة. وهي عصا يأمل المشرع أن تنتج مفاعيلها من دون أن يضطر القاضي أبدا الى استعمالها. وفي الاتجاه نفسه، تم تكريس مبدأ مجانية العلاج، وذلك لالغاء أي عائق مادي قد يحول دون اختيار المدمن لهذه الطريق.
والواقع أنه ورغم أن الحكم أتى من هذه الزاوية متوافقا مع غاية القانون، فانه شكل ما يشبه الانقلاب على شبه اجماع الاجتهاد في قضايا تعاطي المخدرات والادمان عليها[1]. فوفق هذا الاجتهاد، تتولى اثبات الشفاء حصرا لجنة خاصة (لجنة مكافحة الادمان)، وهي لجنة معطلة مما يؤدي عمليا الى تعطيل المنحة المعطاة قانونا في وقف الملاحقة في حال الشفاء. وقد سعى حكم 2012 الى دحض هذا الاجتهاد من خلال حجتين:
اذا كانت منحة وقف الملاحقة منوطة باشراف لجنة الادمان التي لم تفعل بعد، فانه لا يجوز تحميل المدمن مسؤولية اهمال الدولة لتفعيل لجنة مكافحة الادمان عملا بمبدأ شخصانية المسؤولية (لا تحمل نفس وزر أعمال أخرى)، بل يتعين على القاضي أن يعمل على ايجاد آلية بديلة عنها كقيامه هو بمواكبة علاج المدمن وبمتابعة تطور وضعه في هذا المجال.
والثانية، وهي تتمثل بوجوب تنفيذ النص بكامله من دون اجتزاء أو اقتطاع عملا بمبدأ "أن لا جرم ولا عقوبة من دون نص". "اذا كان القانون ينص على وقف ملاحقة المدعى عليه الذي يثبت شفاؤه أو عدم تعاطيه لأية مادة مخدرة، فانه ينزع الصفة الجرمية عن فعل التعاطي اذا ثبت الشفاء من الادمان. وتاليا، اما أن يطبق القانون برمته بصرف النظر عن الأجهزة المنصوص عنها أو لا يطبق تحت هذا الستار فلا تتم ملاحقات ولا وقف لها. وهو بذلك، بدا وكأنه يستبق الانتقادات الاعتيادية التي غالبا ما تضع الأعمال القضائية التجديدية في خانة الخروج عن حدود الوظيفة القضائية أو السعي الى الحلول محل المشرع: فقراره لا يتفوق على الاجتهاد الراسخ من منظور الفهم التجديدي للوظيفة القضائية (الريادية) من خلال الاستناد الى المبادئ العامة وحقوق الانسان وحسب، انما يتفوق عليه أيضا وقبل كل شيء من منظور الفهم التقليدي لهذه الوظيفة أي الفهم الذي يجعل القاضي خادما للنص القانوني: فبخلاف الاجتهاد السابق، وحدها وجهة قراره تسمح بتطبيق النص بكامله ومن دون اجتزاء أو اقتطاع، أما أن تتم المعاقبة من دون أي التفاتة الى العلاج، فذلك يقارب العمل بعبارة "لا اله" من دون "الا الله".

نشر في العدد الخامس من مجلة المفكرة القانونية

[1] نزار صاغية، الشرطي والقاضي والأشخاص الذين يتعاطون المواد المخدرة، بالتعاون مع جمعية سكون، قيد النشر، 2011.