بتاريخ 13 حزيران 2012 ، أصدر قاضي الأمور المستعجلة في بيروت جاد معلوف قرارا أكد فيه توجهه السابق لجهة خطورة توسع قاضي الأمور المستعجلة في قبول طلبات منع نشر الأعمال الفنية أو الفكرية أو الاعلامية، وذلك تفاديا لتحول عمله الى ما يشبه الرقابة المسبقة[1]. وبعدما كرس في قراره السابق مبدأ الموازنة بين المصالح والحقوق الجديرة بالحماية، بدا موقفه الجديد أكثر نضجا في تقويم وزن حرية التعبير ودور الاعلام، وتاليا في تضييق مدى الحالات التي يمكن فيها التدخل لمنع التعبير عن الرأي مسبقا أي ما يسمى بالرقابة المسبقة. وكان قد تم تقديم طلبات مماثلة عدة أمام القضاء المستعجل في أعقاب صدور القرار الشهير في القضية المعروفة باسم أوفريرا[2].
وهكذا، نقرأ في الحكم الجديد لائحة بالأسناد القانونية لحرية التعبير المصانة دستورا بموجب المادة 13 ولكن أيضا بموجب مقدمة الدستور التي تحيل الى الاعلان العالمي لحقوق الانسان والوثائق الدولية. الا أن الأمر لا يقتصر على سمو (دستورية) القواعد التقنية التي تستند اليها هذه الحرية، انما يتعداها الى وظيفتها الاجتماعية وخصوصا وظيفة الاعلام الاجتماعية. فلحرية التعبير أبعاد سياسية تتمثل في كونها احدى أهم الركائز التي يقوم عليها المجتمع الديموقراطي. أما الاعلام فيشكل "السلطة الرابعة" ويضطلع بدور أساسي في تكوين الرأي العام وفي رقابة المجتمع والسلطات. وانطلاقا من ذلك، نتلمح هنا اضافات بالغة الأهمية مقارنة بقراره السابق بحيث يوسع القاضي اطار الموازنة التي لم تعد تقتصر على الموازنة بين النصوص على أساس قيمتها القانونية بل تتعداها لتشمل الموازنة بين الفوائد الاجتماعية والسياسية للمصالح المتنازعة. لا بل ان القرار أضاف الى كل ذلك رونقا فلسفيا من خلال استعادة مقولة فولتير الشهيرة بشأن حرية التعبير.
 
وعليه، فان الموازنة بين حرية التعبير وحماية كرامة الأفراد الذين قد تتناولهم الرقابة لا بد أن تؤدي الى تضييق حدود الرقابة المسبقة، لما قد تسببه من خطر شل الدور الرقابي للاعلام. وهو استند بذلك الى دراسة في القانون المقارن ولا سيما الى القوانين المستمدة من النظام الأنكلوساكسوني ومواقف الاجتهاد الفرنسي فضلا عن قرارات عدة للمحكمة الأوروبية لحقوق الانسان التي تمحورت كلها حول الدور الأساسي للاعلام والمبدأ القاضي بأن فرض أي قيد عليه لا بد وأن يُفسّر بشكل ضيّق مع التشديد على مدى خطورة اعمال الرقابة المسبقة على حسن ادائه. فالاعلام، شأنه شأن أي سلطة اخرى، ملزم باعمال رقابة ذاتية وحسّ مهني مسؤول، فيما تأخذ ملاحقته عموما طابعا لاحقا عند ثبوت أي اخلال او خرق لهذه الموجبات. ولا يمكن الخروج عن ذلك الا في حالات جد استثنائية.
بقي أن نشير الى أن المستدعي في هذه القضية هو قاض وأنه طلب منع احدى وسائل الاعلام وتحديدا أحد الاعلاميين من التعرض له أو لأي من أفراد عائلته. وهذا هو الاستدعاء الأول الذي يتقدم به شخص قيم على مصلحة عامة بهدف منع الآخرين من مساءلته. وقد يكون هذا بالتحديد ما قاد القاضي الناظر فيه الى التحذير من مخاطر التوسع في الرقابة المسبقة مما قد يترك جموح الادارة العامة من دون لجام.

نشر في العدد الخامس من المفكرة القانونية


[1] مجلة المفكرة القانونين العدد الثالث: القاضي يكرس "مبدأ التناسب": اي تأثيرات سلبية للرقابة المسبقة؟ http://www.legal-agenda.com/images/publications/1327582553-2012-01-20-Legal%20Agenda%20Issue%203.pdf
[2] يراجع الأمر على العريضة الصادرة عن قاضي الأمور المستعجلة في بيروت بتاريخ 5\3\2010