"عندما تكون براءة المواطنين غير مضمونة تكون حريتهم أيضا غير مضمونة"
مونتسيكيو[1]
صرح وزير العدل في شباط (فبراير) 2012 أن نسبة الموقوفين في نهاية 2011 بلغت 57 بالمئة من نزلاء السجون في لبنان. أي أنها تفوق نسبة المحكومين. وذلك يؤشر على خلل في النظام القضائي اللبناني يبدأ عند تحقيقات الضابطة العدلية وينتهي بالأحكام المبرمة الصادرة عن المحاكم. وهو دليل أيضا على ضعف احترام قرينة البراءة في التوقيف والمحاكمات، الذي من شأنه أن يؤدي الى تخفيف عدد الموقوفين. فقد توصل مونتيسكيو في كتابه "روح الشرائع" منذ أكثر من 200 سنة إلى أن حرية المواطن تكون مضمونة اذا ما تم احترام قانون الإجراءات الجزائية وقرينة البراءة.
تعد "قرينة البراءة" من أهم الضمانات الأساسية في المحاكمات الجزائية، وهي باتت من المبادىء الدولية الملزمة في القانون الجزائي الدولي وفي جميع التشريعات الجزائية للدول الديموقراطية. أما في لبنان، وبالرغم من أنه ملزم بتطبيقها سندا للفقرة 2 من المادة 14 من العهد الدولي الخاص بالحقوق المدنية والسياسية، امتنع المشرعقصدا[1] عن إدخال مبدأ قرينة البراءة في قانون أصول المحاكمات الجزائية الصادر في العام 2001. ولكن ذلك لا يعفي المحاكم من تطبيقها، لأنها تبقى ملزمة بها عملا بمبدأ سمو الاتفاقية الدولية على أي قانون داخلي سندا للمادة 2 من قانون أصول المحاكمات المدنية، ناهيك عن كونها مبدأ طبيعيا: فـ"المتهم بريء حتى تثبت إدانته".
أما فعليا، فقرينة البراءة لم تتمكن من اكتساب الاحترام الذي تفترضه في عقول المحاكم اللبنانية. ويظهر ذلك جليا أكثر ما يظهر في تطبيق التوقيف الاحتياطي الذي ترعاه بشكل رئيسي المادتان 107 و108 من أ.م.ج. فالمادة 107 – وهي المادة الوحيدة التي تناولت مؤسسة التوقيف الاحتياطي بشكل مفصل – أحاطت التوقيف الاحتياطي بضمانة من الشروط التي يجب توافرها لقرار التوقيف الاحتياطي، الذي يعد بطبيعته انتهاكا لمبدأ قرينة البراءة، وعدم تنفيذ العقوبة إلا بعد صدور حكم عن محكمة مشكلة وفقا للقانون. وفي حالة حديثة تتكرر كثيرا، ردت إحدى المحاكم في جبل لبنان طلب إخلاء سبيل موقوف بسطرين جاء فيهما "وحيث أن المحكمة لا ترى، بالنظر لماهية الجرم ومدة التوقيف، أي مبرر لإخلاء سبيل المدعى عليه في المرحلة الراهنة." وعبارة "أي مبرر" تبين بوضوح أن بعض المحاكم يعكس قرينة البراءة، إذ يجعل التوقيف هو الأصل وإخلاء السبيل الاستثناء، مع العلم أن الكثير من قرارات رد طلب إخلاء السبيل تقتصر على سطر واحد أو سطرين دون أي تبرير أو تعليل يطمئن المتقاضي الى صوابية القرار. وخلال إحدى الجلسات أمام محكمة جنايات بعبدا في شهر أيار (مايو) من هذه السنة، علا صوت إحدى المحاميات خلال دفاعها عن موكلها قائلة "حضرة الرئيس، لا بد من جلب الشاهد لأنني أريد إثبات براءة موكلي."
 وقد حددت المادة 108 أ.م.ج. مدة التوقيف في الجنحة بشهرين يمكن تمديدها مدة مماثلة كحد أقصى في حالة الضرورة القصوى، وفي الجناية بستة أشهر يمكن تمديدها مدة مماثلة بقرار معلل. وذلك كله، مع وجود حالات استثنائية تجعل المدة مفتوحة لكن لن نتحدث عنها في هذا المقال. ومن نافل القول إنه عند انتهاء المدة، يقتضي إخراج الموقوف من السجن دون أي كفالة أو ضمانة أخرى.
وفي التطبيق، ورغم عبارة الضرورة القصوى بما يخص التوقيف الاحتياطي للمدعى عليه في جنحة، تعتبر غالبية القضاة بأن مدة التوقيف في الجنحة تمدد تلقائيا ودون حاجة لقرار يصدر عنها لتمديدها بعد مرور الشهرين، مع أن صراحة النص تشير الى العكس. فعبارة "يمكن تمديدها" في قانون يفترض أن تفسر لصالح الموقوف وبشكل ضيق فلا يمكن أن تفسر على أن التوقيف يمدد تلقائيا.
وأكثر من ذلك، يمتنع بعض القضاة عن إخلاء سبيل الموقوف بعد لنقضاء الأربعة أشهر، أي من دون كفالة. فبانتهاء مدة الأربعة أشهر، يصبح إخلاء السبيل والخروج من السجن حقا للموقوف، ويعد بقاؤه في السجن من قبيل التوقيف التعسفي الذي يسأل عنه القاضي المعني بالملف. ويتوجب عندئذ إطلاق سراح الموقوف حتى لو لم يقدم طلبا بذلك.
وفي حالات كثيرة، يصبح التوقيف الاحتياطي من جراء ذلك نهائيا وبمثابة العقوبة قبل صدور الحكم، فالقاضي أو المحكمة التي أوقفت المتهم لفترة تزيد عن شهرين دون تمديدها بقرار أو أربعة أشهر، سوف تجد الكثير من الحرج في إعلان براءته في حال ثبوتها في دولة لم يسبق لها أن عوضت أي موقوف عن مدة حبسه غير القانونية[2]، فتقوم عندها بإصدار قرار بالإدانة يكتفي بمدة التوقيف.
وعلى صعيد مدة التوقيف في الجنايات، تنص المادة 108 أنه "لا يجوز ان تتعدى مدة التوقيف في الجناية ستةاشهر، يمكن تجديدها لمرة واحدة بقرار معلل." وذلك باستثناء بعض الجرائم التي تجعل مدة التوقيف مفتوحة، كما سبق بيانه (يراجع المقال بشأن الحق في محضر العصبية، المنشور في هذا العدد).
وهنا نرى أن صياغة المادة 108 جاءت أوضح لجهة نصها على وجوب صدور قرار معلل لتجديد مدة التوقيف. ورغم ذلك، فإننا نرى شيوع عدم التزام محاكم الجنايات بإصدار قرار معلل (ولا حتى مجرد قرار) لتمديد مهلة الستة أشهر. وأكثر من ذلك، فإن هؤلاء القضاة لا يلتزمون بإطلاق سراح الموقوف "بحق" بعد مرور 12 شهرا. ورغم أن المشترع لم يشترط توفر حالة "الضرورة القصوى" كما نص في التوقيف الجنحي، تفرض المبادىء العامة أن يكون التوقيف ضروريا.
ويلاحظ من خلال الممارسة القضائية المتعلقة بالتوقيف الاحتياطي أن بعض القضاة يرى في تطبيق المادة 108 نوعا من اللاعدالة في بعض الحالات، أكان في الجنح أو الجنايات. ويعود ذلك الى عدم قدرة القاضي/المحكمة على إنهاء التحقيقات خلال فترة التوقيف الاحتياطي التي حددتها هذه المادة. ويظهر ذلك جليا أكثر ما يظهر حين يتعذر سوق المدعى عليه أكثر من مرة خلال فترة التوقيف. فهل يقوم القاضي بإخلاء سبيل الموقوف رغم أنه لم يتسن له التحقيق معه؟ وهنا نسأل: ما ذنب الموقوف الذي لا تقوم إدارة السجن بسوقه الى جلسة التحقيق (يراجع المقال عن مهزلة سوق الموقوفين الى المحكمة، منشور في هذا العدد)؟
 
في 24-5-2012، تطرقت القاضية المنفردة الجزائية في الشمال، نازك الخطيب، الى مؤسسة التوقيف الاحتياطي وقامت بتفسير المادتين 107 و108 بطريقة أعادت لقرينة البراءة البعض من احترامها المفقود.
وجاء حرفيا في القرار: "وحيث أنه يستفاد مما تقدم بأن الغاية من إصدار قرار التوقيف الاحتياطي ليست عقابية، بل أن صدور مثل هذا القرار يجب أن يكون معللاً ومسندًا قانونًا الى أحد الأسباب السبعة المنصوص عليها في المادة 107 أ.م.ج. المومأ إليها أعلاه.
وحيث أن المحكمة، وانطلاقًا من الأسباب المحددة في المادة 107 أ.م.ج والتي تبرر إصدار القرار بالتوقيف الاحتياطي، ترى بأن مفهوم "الضرورة القصوى" الذي يبرر تمديد مهلة التوقيف الاحتياطي من شهرين الى أربعة أشهر، يجب أن ينطلق من الأسباب عينها التي دعمت وبررت قرار التوقيف الاحتياطي الذي يتخذه حضرة قاضي التحقيق.
وحيث أن تحديد مفهوم "الضرورة القصوى" انطلاقًا من الأسباب السبعة التي حددها المشرّع كسندٍ قانوني للتوقيف الاحتياطي، يستتبع بصورة حتمية استخلاص النتيجة التالية :
-       إذا تبيّن للمحكمة الناظرة في الدعوى، أن أحد الأسباب التي دعت الى إتخاذ القرار بالتوقيف الإحتياطي غير متوافرة بالنظر لمجمل معطيات الملف الراهنة، فإنه لا يعود بإمكانها القول بوجود حالة "الضرورة القصوى" التي تبرر تمديد مهلة التوقيف الإحتياطي من شهرين الى أربعة أشهر، ويجب عليها في هذه الحالة إخلاء سبيل المدعى عليه..
-       أما إذا تبيّن للمحكمة بأن أحد الأسباب التي دعت الى اتخاذ القرار بالتوقيف الاحتياطي لا يزال بحسب معطيات الملف متوافرًا، فإن حالة "الضرورة القصوى" التي تبرر تمديد مدة التوقيف الاحتياطي من شهرين الى أربعة أشهر، تكون متوافرة، وبالتالي يمكنها رد طلب إخلاء السبيل المقدم إليها بعد انقضاء مهلة الشهرين، على ألا تتجاوز مدة التوقيف القصوى في هذه الحالة أربعة أشهر."
وعن موضوع إخلاء السبيل بحق بعد انقضاء المدة المنصوص عليها في المادة 108، جاء في القرار أن "المحكمة ترى بأنه وبعد انقضاء مهلة الشهرين يكون للمدعى عليه "الحق" بإخلاء سبيله فورًا، من دون أن يكون هذا الحق مرتبطا بأي كفالة، ذلك لأن وضع كفالة لقاء إخلاء سبيله من شأنه أن يؤدي الى الانتقاص أو المساس بحقّه المكرّس له قانونا والمتثمل بعدم جواز تمديد مدة التوقيف الاحتياطي لفترة تزيد عن الشهرين إلا في الحالتين الاستثنائيتين المومأ إليهما أعلاه.
وتجدر الملاحظة أنه بالرغم من أن القرار يشكل حالة نموذجية لتطبيق قرينة البراءة، فإنها لم تذكر صراحة في متنه.
 
 
نشر في العدد الخامس من مجلة المفكرة القانونية

[1] هذا ما أشارت إليه نقيبة المحامين في بيروت السابقة، الأستاذة أمل حداد، في كلمة لها خلال حفل توقيع كتاب عن قرينة البراءة في قاعة المحاضرات الكبرى في بيت المحامي في 6-9-2011.
[2] في 8-6-2010 صدر القرار رقم 515 عن قاضي الأمور المستعجلة في بيروت منحت بموجبه سلفية وقتية للاجىء عراقي على حساب حقه بالتعويض عن احتجازه تعسفا لمدة تزيد عن 18 شهرا. ولا يزال القرار عالقا أمام محكمة أخرى حيث تقوم الدولة بإعاقة المحاكمة. ويعتقد محامي اللاجىء أن الدولة لن تدفع فعليا.




[1] كتاب "روح الشرائع"، الفصل الثاني عشر، صفحة 2.