يعد احترام مبدأ المشروعية (سيادة القانون) هو أحد أهم المؤشرات القانونية على ديمقراطية الدولة، ذلك أن سيادة القانون وتدرج القواعد القانونية يجعل سلطة الحكم الديمقراطي، التي تقوم على أساس من الرضى والمشاركة الشعبية سلطة قانونية بالأساس، حيث يعتبر خضوع المواطنين للقاعدة القانونية، وللقرارات الإدارية التي تصدرها السلطة التنفيذية خضوعاً حراً لسلطة ساهموا –سابقا- في تشكيلها، ولهم الحق في الرقابة على أعمالها وضمان احترامها لسيادة القانون. فضلا عن ذلك فإن سيادة القانون تتعارض مع التسليم بأن تكون سلطة الحكم مطلقة، وإنما تفرض على هذه السلطة حدودا لا تملك تجاوزها، فهي لا تملك مثلا أن تصدر قرارات إدارية تتعارض مع ما أقامه النظام القانوني. فمهما بلغ سلطان الدّولة من القوة، فإنها لا تستطيع أن تهدر القيم القانونية المتوافق عليها، وسيادة القانون تقوم على توفير الضمان والأمان والحرية للفرد بإخضاع السلطة للقانون.[1] أيضا فإن احترام سيادة القانون هو تأكيد لديمقراطية السلطة وشرعيتها، وينفي عنها كل شبهة للاستبداد، ويعتبر إعلاء هذا المبدأ قمة الضمانات الأساسية لحقوق وحريات الشعب، إذ أنه يبلور كل ما استطاعت الشعوب أن تحرزه من مكاسب في صراعها مع السلطات الحاكمة، لإرغامها على التنازل عن كل مظاهر الحكم المطلق.[2]

ومن ثم، فإن إعمال مبدأ المشروعية دون تعدّ من السلطة التنفيذية، يستلزم نوعين من الرقابة على أعمالها، هما رقابة كل من السلطتين التشريعية والقضائية. وتظهر الأولى في قيام البرلمان بالرقابة على أعمال الحكومة، وهي الرقابة التي يتم إعمالها منذ لحظة تأسيس البرلمان وبقوة الدستور، وذلك من خلال الأدوات التي نص عليها الدستور للقيام بهذا الدور بداية من توجيه الأسئلة ومرورا بطلبات الإحاطة ونهاية بالاستجواب وسحب الثقة. أما رقابة القضاء على أعمال السلطة التنفيذية فهي رقابة معلقة على شرط تحريك الدعوى القضائية من قبل المواطنين، ويقاس استقلال السلطة القضائية وعدم تغول السلطة التنفيذية واعتداؤها عليها، من خلال قدرة القضاء على حماية مبدأ المشروعية والتصدي لمحاولات السلطة التنفيذية للاعتداء على سيادة القانون والدستور واحترام التدرج التشريعي للقوانين والقرارات.

وفي مصر على سبيل المثال، شهدت الفترة ما بعد يوليو 1952 تغولا واضحا للسلطة التنفيذية وإهدارا لمبدأ سيادة القانون فضلا عن عدم الاحترام الكافي لأحكام القضاء. وقد لعب مجلس الدولة آنذاك،[3] دورا بارزا في التصدي للسلطة التنفيذية وأصدر العديد من الأحكام التي عملت على حماية مبدأ سيادة القانون. على أن تداعيات هزيمة يونية (حزيران) 1967 برهنت على أن القانون ليس ترفا فكريا يمكن الاستغناء عنه. وأن سيادة القانون هي أحد اركان نظام الحكم، وأن الحفاظ عليه هو حفاظ على استقرار الدول وحماية حقوق المواطنين من تجاوزات السلطة التنفيذية. وبالفعل، ساهم الدور الذي لعبه مجلس الدولة المصري، بقيامه بالرقابة على قرارات السلطة التنفيذية بالفترة السابق الإشارة اليها، في مراجعات السلطة التنفيذية لمواقفها من مبدأ سيادة القانون، واستقلال القضاء، الأمر الذي تبلور من خلال تضمين بيان 30 مارس 1968 لمبادئ استقلال القضاء، وكفالة حق التقاضي، وعدم تحصين أي إجراء للسّلطة من الطعن فيه أمام القضاء، وهي المبادئ التي درج النص عليها في دساتير مصر المتعاقبة، حتى تاريخه.
ومن الجدير بالذكر أن التطوّر الذي شهدته الوثائق الدستورية المصرية، واكبه تطور على مستوى الفقه والقضاء المصري، حيث أخذا بمبدأ التمييز بين صفة ومصلحة المدعين في الدعاوى الموضوعية (الشخصية) من جانب، وفي دعاوى الإلغاء التي يراقب من خلالها المواطنون أداء السلطة التنفيذية ومدى احترامها للدستور والقانون، من جانب آخر. فتوسّع الفقه والقضاء المصريّان في مفهوم الصفة والمصلحة فيما يتعلق بدعاوى الإلغاء حرصاً على حماية مبدأ المشروعية وتمكين مجلس الدولة من القيام بدوره الرقابي.

وقد ميّزت القواعد العامة للقانون شرط الصّفة عن شرط المصلحة، فاعتبرت أن المصلحة تتأتى عن المساس بالمركز القانوني للمدعي، أما الصفة فهي قدرة الشخص على المثول أمام القضاء في الدعوىكونه صاحب مركز قانوني.كما أن الصفة مسألة شكلية تتضح قبل الدخول في الدعوى، بينما المصلحة مسألة ذات صفة موضوعية لا تتضح ولا تتبين إلا عند فحص أوراق الدعوى. ومن ثم، فإن التعرض للمصلحة يكون تاليا للتعرض للصفة، فالمصلحة شرط لقبول الدعوى بينما الصفة شرط لمباشرة الدعوى أمام القضاء وإبداء الدفاع فيها.[4]

هذا وقد ذهب الفقه والقضاء إلى التفرقة بين مفهوم المصلحة أو الصفة أمام مجلس الدولة، وخاصة فيما يتعلق بدعاوى الإلغاء نظرا لما ترتبط به تلك المنازعات بالإسهام في تحقيق المشروعية وسيادة القانون في الدولة وذلك لارتباطها بالرقابة علي أعمال السلطة التنفيذية. وقد استتبع هذا الأمر التوسع في مفهوم الصفة والمصلحة بحيث اعتبر أن توافر أي منهما في دعاوى الإلغاء يغني عن الآخر، الأمر الذي دعا الكثير من شارحي القانون إلى القول بأنه إذا كان هناك خلاف بين مدلول الصفة والمصلحة في الدعاوى العادية فمرجع ذلك أن المصلحة في هذه الدعاوى يجب أن تستند إلى حق شخصي يجب حمايته، ويجب التأكد من أن مقيم الدعوى هو صاحب الحق، أما في مجال دعوى الإلغاء فليس من الضروري أن تستند المصلحة المبررة قانونا لقبول دعوى الإلغاء إلى حق شخصي تم الاعتداء عليه لأنها دعوى متعلقة بحماية مبدأ المشروعية. وعليه، فمن الضروري أن تدمج الصفة والمصلحة في مجال دعوى الإلغاء لتمكين المواطنين وبالتبعية القضاء الإداري من بسط رقابته على أعمال السطلة التنفيذية.[5]

وذهبت المحكمة الإدارية العليا في مصر إلى أن "صفة المتقاضي في قضاء الإلغاء تندمج في المصلحة فيكفي لقبول طلب إلغاء القرار الإداري توافر شرط المصلحة الشخصية المباشرة في هذا الإلغاء مهما كانت صفة رافع الدعوى، ذلك أن طلب إلغاء القرارات الإدارية هو في حقيقته طعن موضوعي عام مبني على المصلحة العامة التي يجب أن تسود القرارات الإدارية، فطلب الإلغاء هو مخاصمة للقرار الاداري المخالف للقانون في ذاته، ومن ثم كان الإلغاء عينيا، ولا يلزم في طالب الإلغاء أن يكون لصاحب الحق حقّ ذاتيّ، بل يكفي أن يكون ذا مصلحة شخصية ومباشرة في طلب الإلغاء، وهذه المصلحة تتحقق متى كان الطاعن في مركز قانوني خاص ومباشر للقرار المطعون فيه ما دام قائما، وما دام هذا المركز وثيق الصلة بالقرار بأن تربطه علاقة مباشرة تختلف حسب نوعه وموضوعه."[6]

وقد استقرت أحكام الحكمة الإدارية العليا على أن المصلحة في دعوى الإلغاء قد أوجبتها الطبيعة الخاصة لهذه الدعوى كما فرضه هدفها الأسمى الذي استنت من أجله هذه الوسيلة القضائية لتكون ضمانة لمبدأ المشروعية الذي يرتكز عليه بناء الدول المتحضرة، والذي يعد البيئة التحتية التي يؤسس عليها بناء الحقوق والحريات العامة المكفولة دستوريا ودوليا.[7]

ولعل هذا العرض الموجز لتطور البنية التشريعية المصرية ودور القضاء والفقه المصري في التوسع في مفهومي الصفة والمصلحة في دعاوى الإلغاء وإدماجهما سويا، يوضح الضرورات التي جعلت كل من الفقه والقضاء ينتهج هذا المسلك، واضعين نصب أعينهم حماية مبدأ الشرعية وسيادة القانون، وما يستتبعه من أعمال تدرج القواعد القانونية وتفعيل الرقابة القضائية على أعمال السلطة التنفيذية.
 
هذا المقال نشر في العدد 38 من مجلة المفكرة القانونية.
 
 
 


[1]د. محمد عصفور، ضمانات الحرية، مجلة المحاماه، مارس 1968، ص 40
[2]د. فاروق عبد البر، دور المحكمة الدستورية المصرية في حماية الحقوق والحريات، 2004، ص 161
[3]أنُشئ عام 1946 على غرار مجلس الدولة الفرنسي، والقانون الحاكم له الآن هو القانون رقم 47 لسنة 1972 ويختص المجلس بالفصل في المنازعات الإدارية التي تثار بين الأفراد والجهات الحاكمة في الدولة، ويقوم بإلغاء القرارات الصادرة من الحكومة، فضلا عن التعويض عنها، ويتكون من ثلاثة أقسام: القسم القضائي وقسم الفتوى وقسم التشريع.
[4]د. مصطفى كمال وصفى، أصول إجراءات القضاء الإداري، ص 152 وما بعدها
[5]د. محمد عبد السلام مخلص، نظرية المصلحة في دعوى الإلغاء، ص 173- 174
[6]حكم المحكمة الإدارية العليا في الطعن رقم 1062 لسنة 7 ق، جلسة 2 مارس 1968.
[7]المحكمة الإدارية العليا في الطعنين 5546 و6013 لسنة 55 ق عليا، بجلسة 27 فبراير 2010.